شارع باسمها: "صوت العروبة" نجاح سلام تسكن الذاكرة

نجاح سلام، التي كانت شاهدة على هذا الوجع في زمنها، تعود اليوم لتذكرنا بأن بيروت ما زالت تنجب الأصوات التي تقاوم البشاعة بالجمال. لكن في القلب غصة رقيقة: يا ليتنا نكرم مبدعينا وهم بيننا.

  • نجاح سلام (1931 - 2023)
    نجاح سلام (1931 - 2023)

في منطقة المزرعة في بيروت، حيث تمتزج رائحة ما تبقى من الياسمين مع ضجيج المدينة، افتتح شارع يحمل اسم القديرة نجاح سلام. شارع يتنفس ذاكرة طفولة مرت من هنا، قبل أن تحملها الأقدار إلى القاهرة، فتصبح صوت العروبة الذي لا يشيخ. 

الوقوف عند مدخل هذا الشارع يشبه الوقوف أمام ستارة مسرح رفعت لتوها عن حكاية إنسانية، بطلتها امرأة حمل اسمها مساحتين: مساحة عامة في وجدان الملايين، ومساحة خاصة في قلبي. وبين المساحتين، تبدأ حكايتي معها.

بالنسبة لي، لم تكن نجاح سلام مجرد مطربة كبيرة أعجبت بصوتها من بعيد، بل كانت فنانة مثقفة وابنة بيت فقه وأدب. فهي حفيدة العلامة الشيخ عبد الرحمن سلام (1871-1931) ، مفتي لبنان، وأمين دار الفتوى، وأحد مؤسسي الكلية الشرعية وأساتذتها، وصاحب المؤلفات والدراسات الأدبية والدينية، وابنة الأديب والملحن وعازف العود محيي الدين سلام (1910-1990)، أحد أبرز الملحنين وعازفي العود في لبنان والوطن العربي، ومؤسس أول دائرة موسيقية في الإذاعة اللبنانية، وشقيقة الصحفي عبد الرحمن سلام. كانت صديقة وأختاً كبرى، لها في القلب مكان لا تشبهه مكانة أي فنان آخر. 

تلك السيدة التي غنّت للجماهير في المحيط والخليج، كانت ضيفة دائمة على برنامج "خليك بالبيت"، مرة حين جلست على كرسي الضيوف داخل الاستديو، ومراراً حين كانت تتصل على الهواء، تحيي ضيوفي، وترسل إليهم باقات ورد كأنها تزرع حديقة في استوديو. 

وكنت أمازحها: "صار لك في ذمتي بستان ورد"، من كثرة ما أغرقت به استوديو البرنامج من زهور ورسائل محبة. وكانت تصر على أن تشجع زملاءها الفنانين على الحضور والمشاركة، وكأنها تؤمن أن الفن يكتمل حين يتقاسمه أهله. 

وفي لقاء تلفزيوني آخر جمعني به في البرنامج نفسه، "خليك بالبيت"، جلست أمام المخرج الراحل محمد سلمان، والد ابنتيها سمر وريم، وسألته عما يندم عليه في حياته، فأجابني بلا تردد، وكأن الجملة كانت على طرف لسانه منذ سنوات: "لأنني طلقت نجاح". 

تلك الجملة التي اختصرت حكاية حب لم تنته عند ورقة طلاق. فقد ظلت العلاقة بينهما ممتازة رغم الانفصال، وظل يتردد على بيتها، وحين مرض وقبل رحيله، وقفت إلى جانبه، حتى خرج جثمانه من بيتها. هكذا تكون المحبة الحقيقية: لا تلغيها الأوراق، ولا تطفئها الخلافات.

ومن رحم هذه الشراكة التي لم تنته عند الأوراق، ولد مشروع فني وثمرة حب حملت اسم سمر وريم. فقد اقترنت نجاح سلام بمحمد سلمان عام 1955، وأسسا معاً شركتي إنتاج: "سمر فيلم" للأفلام و"ريما فون" للكاسيت، على اسم ابنتيهما. وكان فيلم "السعد وعد" (1955) الذي جمعهما على الشاشة هو الشرارة التي أشعلت قصة الحب وتوجتها بالزواج، ثم توجا شراكتهما بفيلم "اللحن الأول" (1958)، أول أفلام محمد سلمان إخراجاً، والذي حمل بطولة نجاح سلام ووديع الصافي. 

ولم تقتصر شراكتهما على السينما، بل امتدت إلى الغناء، حيث شاركها سلمان بصوته في نشيد "سوريا يا حبيبتي" عام 1973، إلى جانب أغان ارتجالية جمعتهما على المسرح. وكم كانت تفرح حين تتحدث عن سمر وريم وأحفادها الذين كانوا يملأون حياتها دفئاً.

غير أن لنجاح سلام وجهاً آخر، أكبر من الصداقة والذكريات الشخصية. كانت نبرة الوجع العربي في زمنها. غنّت لمصر "يا أغلى اسم في الوجود" تحت نيران العدوان الثلاثي، وغنت في الوجه نفسه "أنا النيل مقبرة الغزاة" من كلمات محمود حسن إسماعيل وألحان رياض السنباطي. وغنت لسوريا "سوريا يا حبيبتي" بعد حرب تشرين، ورددت للجزائر "محلا الغنا بعد الرصاص ما اتكلم"، وغنت لفلسطين ولبنان وجنوبه الصامد، وللبنان أيضاً "لبنان درة الشرق". وقد تعاونت في مسيرتها مع كبار الملحنين، فلحن لها السنباطي ومحمد عبد الوهاب عدداً من أغانيها.

لم تكن هذه الأغاني تسجيلات مناسبات عابرة، كانت مواقف والتزاماً. غنتها وهي تعرف معنى أن يكون الفن شاهداً. وقد قيل إن صدى هذا الغناء عكّر مزاج "إسرائيل" وأزعج قادتها، حتى ترددت عبارات منسوبة إلى قادة الاحتلال تتحدث عن خطورة هذا الحضور على معنويات جيشهم. كانت تغني للوطن لا للشعارات، وللإنسان لا للخرائط. وقد شاع في الصحافة العربية آنذاك لقب "مطربة العروبة"، وهو لقب يليق بمسيرتها التي كرستها للقضايا العربية.

واليوم، ونحن نطلق اسمها على شارع بيروتي، يأتي هذا التكريم في زمن تتصدر فيه الأخبار الحزينة من غزة وجنوب لبنان وبقية مطارح الوجع العربي. في خضم هذا الحزن، يبدو الخبر السّار كنافذة صغيرة يطل منها ضوء على ذاكرة جميلة. نجاح سلام، التي كانت شاهدة على هذا الوجع في زمنها، تعود اليوم لتذكرنا بأن بيروت ما زالت تنجب الأصوات التي تقاوم البشاعة بالجمال.

لكن في القلب غصة رقيقة: يا ليتنا نكرم مبدعينا وهم بيننا. نجاح سلام استحقت أن تسير في شارع يحمل اسمها وهي تراه، لا أن يرفع الستار عنه بعد رحيلها في 28 أيلول/سبتمبر عام 2023 عن عمر يناهز 92 عاماً. ومع ذلك، فما أجمل أن يبقى الاسم يسبق الخطوات، ويخبر كل عابر: هنا مرّت نجاح سلام.

اخترنا لك