سيرة الحرب وفجائعها في قصص "الشهقة الأخيرة"

هذه المجموعة هي قصص شاهدة على الروح الاجتماعية في غزة التَي صار الجميع من خلالها وبها.. أسرة واحدة هي صاحبة الأرض، والبيت، والفعل، والصبر رغم ما طالها من الخذلان الأسيف، والظلموت الحارق البهيم!

  • سيرة الحرب وفجائعها  في قصص (الشهقة الأخيرة)
    سيرة الحرب وفجائعها في قصص (الشهقة الأخيرة)

بلى،

رغم أنّ مساحات الفرح باتت قليلة، وضيّقة لأنّ ما حملته رياح الأخبار والأحداث والوقائع في قطاع غزة، كجغرافيا، عمّها الظلموت الإسرائيلي بكلّ أشكال الأذى، والمحو، والخراب، والتدمير، والقتل، والتهجير، والتشريد، وتعدّدية صور وجوه الحرب وصفاتها.. من حرب القنابل والصواريخ والمدافع إلى حرب الطائرات المسيّرة (من دون طيار)، إلى حرب حظر  الأدوية والتجويع والتعطيش والحصار، ناهيك عن تدمير آلة الحرب الصهيونية الجهنمية لكلّ جهة من جهات الحياة في قطاع غزة الذي لا تتعدّى مساحته اليوم (365) كم2، وذلك من شلّ الحياة في البيوت، إلى دمارها، وهدم دور العبادة، والمدارس، والمشافي، والمكتبات، والجامعات.. أقول رغم كلّ هذا، أرى أنّ الكتابات التي حاولت تسجيل وقائع ما حدث في غزة، تبعث في النفس الرضا، لأنّ الأحياء يكتبون ما سطّره الأجداد والآباء والأبناء من بطولات الشرف والكبرياء، وهم يدافعون عن كرامتهم وبيوتهم، وعن حياتهم الاجتماعية والثقافية في قرى قطاع غزة ومدنها، ويكتبون عن ما لم تعرفه المجتمعات الإنسانية الأخرى التي عاشت ظروف الحرب القاسية وويلاتها الولود، وذلك حين سردوا وعدّدوا معاني وصور ومشاهد البطولات في المواجهة، والعزيمة، والصبر تجاه همجية العنصرية الإسرائيلية ومن ساندها في أفعالها الناقصة القبيحة، ففي الحروب ينقسم المجتمع عادة، إلى مجتمعين اثنين؛ أحدهما مجتمع عسكري يقاتل، والثاني مجتمع مدني يعيش ويلات الحرب، وينصت إلى أخبارها. في المجتمع الأول: شهداء وجرحى، وأسرى، وانتصارات، وانكسارات، وفي المجتمع الثاني، صبر وإسناد، وتجرّع لقباحات الحرب ونتائجها. 

أما في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، فقد تحوّل المجتمع الغزي كلّه إلى صورة واحدة، هي صورة المقاومة الجلية الواضحة لأنّ العدوان الإسرائيلي لم يفرّق بين مقاتل ومدني، ولا بين طفل وعجوز، فقد استهدفت القوة الإسرائيلية الباطشة كلّ وجوه الحياة في غزة، فطال القتل والتشريد الصغير والكبير، والمرأة والرجل، وطال التدمير البيوت، والمدارس، والمشافي، والطرق، والساحات، ودور العبادة، والحقول والمراعي، والمخيمات القديمة والجديدة معاً.

  ما يفرح القلب حقاً، هي هذه الكتابات المطبوعة التي تنشرها المطابع للكتّاب الفلسطينيين من أبناء غزة الذين كتبوا ويكتبون عن حياة صعبة وقاسية ومريرة وحزينة ووجعية عاشوها خلال سنتين وأزيد، كان الموت اليومي سمتها الأولى، وكانت المقاومة (بكلّ أشكالها) هي سمتها الأولى أيضاً.

  أقول هذا، وبين يدي مجموعة قصصية جديدة للكاتب الفلسطيني المعروف، ابن قطاع غزة، حسن القطراوي، عنوانها (الشهقة الأخيرة)، وهي صادرة عن مكتبة "سمير منصور" 2026 في غزة، وتحتوي قصصاً محتشدة بالأحزان والآلام، مثلما هي محتشدة بروح المقاومة، على صعيد المعاني التي سعت إليها، وهي من الناحية الفنية بهّارة في  غناها الأدبي، وصلادة بنيتها الداخلية التي لم تفرّط بجماليات الأدب ومتطلّباته، مثلما لم تفرّط بتسجيل قصص وجيعة جرت عياناً، وقصص أخرى رواها الآخرون، فصارت أخباراً غاية في الغرابة والوحشية لكثرة ما فيها من همجية السلوكية الإسرائيلية التي قتلت الجنين في بطن أمه الحامل به، قبل أن تقتل تلاميذ المدارس في صفوفهم وباحات مدارسهم، وهم ينشدون: بلادي، بلادي. 

إنها قصص واقعية، صوّرت حياة أهل غزة، وما عاشوه، وما قالوه، وما فكّروا به، وما عملوا عليه، وما حلموا به، وهم يرون دمار بيوتهم فوق رؤوسهم، وما عانوا منه وهم في رحلة التهجير من (بيت لاهيا) في الشمال، إلى (رفح) في الجنوب، أو وهم في الطرقات يسعون إلى أمكنة يظنّون أنها آمنة، أو أنها ملاجىء لها هيبة وقداسة  كدور العبادة (المساجد والكنائس)، والمؤسسات الدولية، أو عيشهم في مخيمات بنيت على عجل، أو لوذهم بحيطان المشافي وأسوارها، أو بحثهم عن الغذاء والدواء في الأسواق. لقد عطّلت همجية الحرب الإسرائيلية الحياة بكلّ أشكالها، فغدا الجرح الفلسطيني في غزة مفتوحاً، وعمّ الدمار والخراب والخوف الجميع، وأصبح الناس موزّعين بين شهيد، وجريح، وحفّار قبور، وسائق عربة جرّ (كارو)، وباحث عن مكان يؤويه، وصابر ينتظر دوره في أن يلتحق بمن سبقوه من الشهداء والجرحى والباحثين عن دواء وغذاء ومأوى، لأنّ تغوّل القوة الإسرائيلية بات لا يوصف إلا بالبربرية، وفساد الأخلاق، وتجاهل القانون الدولي بعد أن تفلتت هذه القوة الظالمة من كلّ عقاب أو محاسبة، سواء أكانت دولية، أو حقوقية، أو مدنية، أو أخلاقية. ولهذا كان كلّ ما قالته قصص هذه المجموعة "الشهقة الأخيرة" وما نطقت به، وما أفصحت عنه.. أشبه بالخيال الشيطاني القبيح، لأنّ صور الظلم التي وقعت على الفلسطينيين في غزة فاقت الخيال، وصور المجازر فاقت ما يتصوّره العقل البشري.

  قصص هذه المجموعة، أهداها الكاتب حسن القطراوي إلى "الذين عاشوا الحرب من وراء الأسوار، أؤلئك الذين انقبضت قلوبهم خوفاً علينا، ونحلت أجسادهم حرقة لجوعنا، وثارت مشاعرهم تضامناً معنا، وبكت أعينهم حزناً علينا، هذا عناق مؤقت، والتتمة في قدسنا يا رفاق"، نصف هذا الإهداء حزن غامق كتيم، ونصفه الآخر أمل بديمومة الحقّ والخير والجمال والبقاء والصمود، والإيمان باستمرارية المقاومة ما دامت أنياب الظلم بارزة، والقناعة والثقة بالقدرة على مواصلة المواجهة مع عدو صفته البربرية. 

    القصة التي حملت عنوان المجموعة "الشهقة الأخيرة" تصوّر للقارئ بطولة أسرة غزية، تعيش تفاصيل حياة الحرب، والتشرّد، والجوع، أبرز شخصيات هذه الأسرة هي الأم (السيدة سناء)، وابنتها الصغيرة (ريما) ابنة المدرسة الإعدادية (المتوسطة)، الأم تراجع مع ابنتها ما حفظته الابنة من سور القرآن الكريم، وهما تعيشان لاجئتين في المسجد، الأم تعمل على تحفيظ البنات سور القرآن الكريم، بعد أن انقطعن عن دراستهن في المدرسة، بعدما دمّرت بشكل كلّي، لقد لجأت أسرهن إلى المسجد، وقد راحت السيدة (سناء) تعلّم بنات هذه الأسر تحفيظ سور القرآن الكريم كونها مدرّسة التربية الدينية، شأنها شأن زميلاتها اللواتي رحن يدرّسن البنات علوم اللغة والحساب والجغرافيا والتاريخ والتربية في المسجد أيضاً، وقد اتخذت مكاناً قصياً داخل المسجد لتدريس الطالبات، ظنّته آمناً، لكن لا أمكنة آمنة في غزة، لأنّ القوة الإسرائيلية الباطشة أخذت قرارها بالإبادة الجماعية للناس والأمكنة، لهذا.. وبينما صوت ترتيل سور القرآن الكريم يتعالى، والأم (سناء) تراجع مع ابنتها (ريما) حفظها لإحدى السور القرآنية الجديدة، انهمرت الصواريخ على المسجد، في لحظة من دوي مخيف راعب، وأصوات استغاثة متداخلة، وانهيار مهول للحيطان والسقوف! وحين يحلّ السكون، تسمع الأم (سناء) صوت ابنتها (ريما) يصلها بخفوت منادياً (ماما، ماما)، فتحاول الإجابة، لكنها لا تقدر، لأنّ السقف خرّ فوقها، وفوق الجميع، ومالت الحيطان، وسال الدم، وعمّ الموت، وتعالت أصوات المسعفين، ورجال الإنقاذ، واندلعت الحرائق التي  التهمت كلّ شيء، بما في ذلك الأجساد، وكان آخر ما سمعته الأم التي احترق جسدها، هي شهقة ابنتها الأخيرة التي انضمّت لشهقات أخرى!

   وفي قصة ("تحت الأنقاض" مشهدية لحزن جارف، وبكاء عال، وأسئلة حارقة، وحوار أليم يفاضل ما بين موت في النهار، وآخر في الليل، وأيّهما أيسر وأهون وأقلّ رعباً، لأنّ وهج الصاروخ الساقط يخبو نهاراً أمام وهج الشمس، فالموت نهاراً يكون أقلّ رعباً من الموت ليلاً، وهو أهون لأنه يحدث في يقظة الناس نهاراً، وليس في غفلة منهم ليلاً وهم طيّ نومهم، والمفاضلة تمضي أيضاً إلى التمييز بين من سمع صوت الصارورخ، وبين من لم يسمعه، فمن سمع صوت الصاروخ يعني أنه نجا من الموت، وعليه أن يهمّ بإنقاذ الآخرين الذين لفتهم تراجيديا الحرب الأكول، والمفاضلة الثالثة تحدث كذلك في الحوار بين من نجوا، حين يسألون عن الفرق ما بين يوم القيامة والحرب في غزة، والمفاضلة الرابعة تدور حول من يستشهد سريعاً، ومن يستشهد على مهل وببطء، والمفاضلة الخامسة تبدو من خلال المقارنة بين من استشهد صحيح الجسد، وبين من صار جسده أشلاء! لكن، وفي كلّ الأحوال يظلّ الموت، والفقد، والبكاء.. حزناً ثقيلاً، ويبقى الأمل معلّقاً على أيام مقبلات أقلّ قسوة وظلماً.

  وقصة "تحت الأنقاض" هي شكل آخر من أشكال الفجيعة في الحرب الإسرائيلية على غزة، يروي أحداثها صديق حيّ عن صديقه الذي استشهد وحيداً في بيتهم، وغدا البيت كلّه قبراً له لأنّ الصواريخ، والطائرات المسيّرة لم تمنح الوقت للأهالي كي ينتشلوه من تحت الأنقاض، وحين انقطعت الصواريخ وغابت الطائرات المسيّرة، لم ينتشلوه أيضاً لأنهم لا يمتلكون الأدوات التي تمكّنهم من رفع كتل الباطون الثقيلة جداً! يقول الصديق الحي: إنّ بعض أصدقائنا المشتركين غبطوا صديقي على هذا القبر المهيب؛ ولم يكن القبر المهيب سوى بيت الصديق، قالوا، لقد مات في دفء بيتهم! وهذه نعمة.

  وفي قصة "الرجل ذو القبعة السوداء" يتحدّث حسن القطراوي عن المخيمات الجديدة وهي في صورتها المأساوية الجديدة أيضاً، حيث الخيام من قماش مهترئ، وخيش تالف، وأطباق بلاستيك ونايلون لا تردّ برداً أو حراً، ولا تردّ صوتاً أو تمنع نظراً، إنها خيام، من المخجل أن تسمّى بيوتاً، ولا فضيلة لها سوى أنها فضاء يجمع الأسر، ويجعل الموت فيها جماعياً، والأكثر غرابة هو أنّ كلّ دهم لها فاجعة، فالمطر إن دهمها فاجعة وفقد، والنيران إن التهمتها فاجعة وفقد، والرياح إن دهمتها فاجعة وفقد، وحرارة الشمس إن دهمتها فاجعة وفقد، والعجيب هو القول: إنّ الموت في الخيام القماشية أو البلاستيكية أو الخيشية أرحم من الموت في بيوت الباطون حين تميل الحيطان، وتهوي السقوف وتخرّ فوق الأجساد، وتروي القصة عن الرجل صاحب القبعة السوداء وهو يقلّب نظره في شكل موته المقبل، ويتأمّل حال الحرب وما حملته من شرور، وما خلّفته من فجائع لفّت الجميع، ومن موت طال كلّ شيء، إنه يتأمّل حال عجوز كفيفة وابنها الوحيد، وهما الناجيان من أسرتهما الكبيرة، إنهما يعيشان في خيمة من قماش لا تستر شيئاً، الابن يذهب إلى سوق (الحسبة) بحثاً عن طعام، وهناك تطاله الصواريخ التي دمّرت السوق وقتلت الناس، فتظل العجوز (أمه) وحيدة في خيمة القماش، ولم يخبرها أحد باستشهاد ابنها في السوق، وقد تعاونوا على خدمتها، وقضاء شؤونها، وكان صاحب هذا الرأي هو الرجل ذو القبعة السوداء، وقد كان يعمل صياداً على قارب صغير في بحر (مخيم الشاطئ)، وقد ظلّ الصياد  يخدمها حتى رحلت، وقد عرف الجميع في يوم دفنها أنه صديق ابنها، وقد أراد أن يحلّ محلّ ابنها في رعايتها!

  قصص حسن القطراوي في مجموعته "الشهقة الأخيرة" تجول أيضاً في المدارس التي غيّرت وظيفتها، وفي المشافي التي دمّرت، وفي الشوارع والأسواق التي ما عادت موجودة، في المقابر تتحدّث قصصه عن حفّاري القبور، ودفنهم لأشلاء، أو ملابس عرفت بمن كانوا يلبسونها، وعن حفّاري القبور الذين عاشوا في المقابر طوال وقت الحرب، يأكلون ويشربون مما يحمله إليهم مشيّعو الجنازات، وعن المقابر التي اتسعت، والقبور التي تشابهت، فصار حفّارو القبور أدلاء يرشدون الأهالي إلى قبور من فقدوا، لقد صارت القبور غابة للحزن، والحكايات، والأخبار، والأسرار أيضاً.

قصص حسن القطراوي، في "الشهقة الأخيرة" جزء من التراجيديا الفاجعة التي عاشها أهالي قطاع غزة، في المدن والقرى، على السواء، وجزء من ذاكرة الحرب ووقائعها، ووثيقة شاهدة على مجرياتها وأحداثها ومجازرها وصبر الناس المتعاظم، وجزء من أحزان لم يعرفها إلا أهالي غزة على هذا النحو من البطش والبربرية وفساد الأخلاق والتنكّر للأعراف، والمعايير، وثقافة الحروب، وهي أيضاً قصص شاهدة على الروح الاجتماعية التَي صار الجميع من خلالها وبها.. أسرة واحدة هي صاحبة الأرض، والبيت، والفعل، والصبر رغم ما طالها من الخذلان الأسيف، والظلموت الحارق البهيم!

اخترنا لك