رواية "لا بريد إلى غزة": من حفر القبور الى حفر الكتب

يصطدم بطل الرواية "جلال" بالتحدّيات والأسئلة، يتعرف على حبيبتهُ "سارة" وتهديه رواية " الشيخ والبحر" من تأليف "همينغواي" وهي الشغوفة بقراءة الكتب، فتنقله من حفر القبور الى حفر الكتب فيصبح قارئاً نهماً.

  • رواية
    رواية "لا بريد إلى غزة": حفر القبور للشهداء يولد حفر الأفكار للانتصار

كتب الروائي الفلسطيني محمد جبعيتي رواية الضحية بمفهومها الكبير والإبادة الجماعية بمفهومها الأوسع التي وقعت وتقع كلّ يومٍ في غزة، إنّها الرواية الكبيرة لسيرة البطل حفّار القبور الذي هو "جلال" أي الراوي المتكلم الذي ورث مهنة حفر القبور من والدهِ، فالتصقت به، وكأنّهُ أدمنها وصار من الصعب التخلّي عنها، إلى جانب موهبتهِ في القفز ورياضة الباركور، "جلال" حفّار القبور يعيش حياتهُ في قطاع غزة، ولا يجد بديلاً عن مهنته الصعبة، ولكنّها الوحيدة التي يستطيع ممارستها في قطاع غزة، يحفر قبوراً للناس ويضع شواهد للقبور ولكلّ شاهدة قبرٍ، يضع أبياتاً من الشعر فتصبح الشواهد قصائد، ويذكر في كلّ فصلٍ من فصول الرواية اسم الشهيد وشاهدة قبره، وأسماء الشهداء الحقيقية، ومنهم أسماء معروفة، منهم: فنانون وشعراء وروائيون وشيخ وأم وجدّة وطفل ورضيع، للدلالة على أنّ الموت لا يفرق بين شخص وآخر في غزة، وهو نفسه جلال حفّار القبور الشاهد على دفن جميع هؤلاء، ويصل إلى مرحلة يجد نفسه مكدّساً بالشهداء، ويصطدم بالتحدّيات والأسئلة، يدخل في أزمات نفسية، يحاول التقاط الأحلام المبتورة، يتعرف على حبيبتهُ "سارة" وتهديه رواية " الشيخ والبحر" من تأليف الكاتب الأميركي إرنست همينغواي وهي الشغوفة بقراءة الكتب، فيصبح قارئاً نهماً للكتب، إلى حدٍّ أنّهُ يصبح يحفر في الكتب كما يقول، يعني من حفر القبور إلى حفر في الكتب، وهي للدلالة على أنّهُ يريد اختراق العالم للهروب منهُ، والبحث عن عالم آخر، خارج عالم القبور، ويظنُّ أنّهُ عالم الكتب، يقولُ في الصفحة الرقم" 130" فصل شاهدة قبر المرحوم شفيق يوسف عبد القادر:

" اكتفيتُ من الحفر في الأرضِ، حان الوقت للحفر في الكتب، - وأجوبتك غدت ذكيّة، لحقتُ بها إلى مبنى المكتبة، حيث تظاهرتُ بالقراءة. رأيتها حزينة، فاستفسرت: - ما بكِ؟ لا أدري. ماذا تعنين؟ - لا أطيق حياتي، أشعر بأنّني أختنق. هل أنت سعيدٌ في حياتك؟ ".

تخونهُ حبيبتهُ "سارة " تتركهُ وتختفي، ويتابع هو الحفر في الكتب والقراءة بنهمٍ كبيرٍ حتى يخرج من عالم القبور إلى العالم الآخر كما يظن. يحتمي بدفء العائلة، أمّهُ التي عاشت وهي تنتظر رجوع أخيه من المعركة، واهتمام والده بأخيه المجاهد في المعركة وبانتظار رجوعهِ، يغار جلال من أخيه، واهتمام العائلة به أكثر منهُ، ويتشاجر مع أبيه كثيراً بسبب ممارسته رياضة الباركور والقفز، لأنّ والده لا يجد في هذه الرياضة فائدة له في غزة، وهنا يتضح معنى الأحلام المبتورة، لأنّ أغلب الشباب والشابات في غزة يعيشون بأقدام وأيدٍ مبتورة بسبب الوحشية الصهيونية الهمجية على قطاع غزة بكل سنوات الحروب التي مرت على القطاع، إذ تجد الكثير من الرياضيين في غزة يمارسون حياتهم الرياضية بأقدام مبتورة، هنا يحلم حفّار القبور بأن يمارس رياضة القفز بكامل أعضاء جسده، وهو الذي يدفن الشهداء بعد القصف الصهيوني، فمرّةً وهو يحفر القبور لأعداد كبيرة من الشهداء يجد جثث عائلته فيدفن أعضاءهم، ويفرح كثيراً حين يجد جثّة أمّهُ بأعضائها الكاملة، كلّما حفر القبور كلّما كان يتخيّل أنّهُ سيدفن نفسه، وهنا يدخل في التخيّل العميق، بأنّهُ يرى كلّ الأحياء في غزة هم مشاريع موتى، ويتخيّل نفسه يجهز لهم قبوراً لموتهم القادم، يدخل في فلسفة الموت والعالم الآخر، والمعتقدات الدينية وأقوال الشيخ، كما أنّهُ يتحدث مع نفسه ويحفر القبور، ماذا سيقول الملكان للميّت؟ ولا يكفُّ عن التخيّل بأنّهُ يحفر قبراً لنفسه، لأنّ الجميع في غزة هم مشاريع شهادة قادمة، لا أحد خارج الصراع، كل فلسطيني هو مشروع شهيد، ويحتاج لحفر القبر وتجهيزه، يقول في الصفحة الرقم" 236":

" استرحتُ على مقعدٍ خشبيٍّ، تأمّلتُ صفوف القبور التي تكشف عن فخامتها، وسط امتدادٍ أخضر شاسع. بدتِ المقبرة كأنّها قطعةٌ هبطتْ من الجنّة إلى جحيم غزّة المؤبّد".

هو صراع الوجود في الرواية، البقاء والفناء، الشهادة والولادة، الإبادة الجماعيّة التي لا توفّر أحداً، والحرب الصهيونية المتوحشة التي تقضي على الأخضر واليابس، ومقاومة الفلسطيني من أجل البقاء، في تفاصيل الحياة الفلسطينية في قطاع غزة البسيطة والمعاناة اليومية هي أشبه برحلة بين الحياة والموت، نكون أو لا نكون، الرواية غنيّة بهذه الدلالات الواسعة في مفهوم الإبادة، وتعطش الفلسطيني للحريّة، للحياة، للحب، للحلم، للقفز خارج عالم القبور.

رواية :" لا بريد إلى غزة" هي رواية انقطاع كل السبل إلى غزة وسط الحصار الشديد، وانقطاعها عن العالم الأرضيّ، واتصالها بالعالم السماويّ، الخارج عن هذا العالم المتوحش، فصول الحروب في غزّة هي سرديّة الرواية بفصولها التي تحوّلت إلى شواهد للقبور، ويأتي القسم النهائي من الرواية تحت عنوان:" اللحد"، تحت عنوان الفصل:" الموت الذي تجلّى مثل ثقبٍ أسود"، ويستأنف  العنوان بـ: "لا سفينة تنجينا من طوفان الدم، لا وقت لتأمّل الطريق والتفكير في أكثر الأسئلة إحراجاً". وهي شاهدة المرحوم الأستاذ كايد عمّار رشدي النفّار.

 هو الفصل الأكثر موتاً في حياة جلال، هو فصل فقد عائلة جلال وصراعها مع القذائف التي استهدفت العائلة، في داخل سيّارة، لقد وقع الانفجار الكبير، وجد رأس أخته "شروق" مهشّماً، ملقى على الشارع، وشباب الجيران يبحثون عن رأس أمّه لساعاتٍ ولم يجدوا شيئاً منها، نظر حولهُ، وجد نفسهُ في نهاية المطاف يحفر قبراً ليدفن عائلتهُ بيديه.  

اخترنا لك