"الصومعة" لعبد الخالق كلاكيب: رواية الأسئلة والتأملات الإنسانية الصعبة

هذه الرواية "لا تسألهُ: من أنت؟ لكنّها تفتح لهُ أبواب المستقبل ليعرف من هو، بنفسه، ويكتشف ذاته بذاته، حتى لو تعثر في الطريق إليها، لكنّه في نهاية الأمر قضية كما قال غسان كنفاني، فالإنسان في رواية الصومعة هو القضية". 

  • رواية الصومعة لعبد الخالق كلاليب:
    رواية الصومعة لعبد الخالق كلاليب: " رواية الأسئلة والتأملات الإنسانية الصعبة"

يدرك القارىء للرواية "الصومعة" الصادرة عن "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر" في بيروت، بعد الإنتهاء من قراءتها، أنّها رواية متشابكة ومتعددة ومعقدة في جانب من الجوانب، تنفصل بين فصلين أساسيين، وتظهر فيها شخصية البطل الراوي وهو فالح مسعود الذي يعمل في مؤسسة تسجيل روايات صوتية، وصاحب المؤسسة وهو شاهر الشاطر الشخصية المحورية المتحولة التي يعيش هواجسها فالح مسعود، ومواجهتها، وتأتي على شكل رجل معتم يظهر في خزانته، ويحاول فالح ملاحقته واللقاء به كي يفهم منهُ، ربما، أسباب الظهور والاختفاء، وتبدو الرواية تبحث عن رواية الأبطال ذاتهم، رواية في داخل كل شخص روايته الخاصة، ولكنّها تدخلُ في صراع الحقيقة مع الوهم، وصراع الرواية مع سيرة وحقيقة حياة الراوي. عناوين كل فصل من فصول الرواية جاءت كمقاطع سردية سلسة من الرواية، ربما، لتصنع ترابط المشاهد في مشهدٍ واحد، من تعدد مشاهد هذه الرواية واختلاف عوالمها، يمكن أن نسميّها رواية الكشف واللغز السري لحياة فالح مسعود الذي يصطدم بأسراره، وبحياته المهنية  كمسجّل رواية صوتية لكاتبٍ غامض، من هو الكاتب؟ فجأةً، يكتشف بأنّ الرواية هي كشف واضح لأسرار حياته، وكما تكشف الرواية خطتهُ لقتل زوجته، ويعيش البحث في داخله عن هذا الكاتب الغامض الذي كتب هذه الرواية التي تكشف مخططاته المستقبلية. ليس واضحاً المكان والزمان في الرواية،  حيث ورد في الفصل الأخير عن مقتل امرأته في تفجير إرهابي، أمّا الزمن فلا يذكر زمناً محدداً في الرواية، لأنّها رواية غير محض توثيقية، لكنّها تدور في فلك الحروب والصراعات وبحث الإنسان عن إنسانيته وسط هذا الغموض المعتم، وأيضاً، جاء العنوان:" الصومعة" كأنّهُ معبد للتأملات الذاتية في رواية كتبت سيرة بطلها سلفاً، ووضعتهُ في صومعة الأسئلة الصعبة، وعن التطابق بين الرواية وحياته الحقيقية، جاء في صفحة رقم" 106":

"لأنني ببساطة كتبتُ حياتك، من دون معرفة منّي طبعاً. ولكن هذا ما حدث، خيالي وواقعك تطابقا. وكان لا بدّ من أن نلتقي، سألهُ فالح بخوف: قل لي، هل سأقتل زوجتي حقاً، ضحك حالم المنشا ضحكة عالية قبل أن يجيب:" لا أعلم، لا أحد يعلم. برأيك، هل يعرف أحدٌ من البشر ما سيجري في المستقبل؟ بالتأكيد لا، فالمستقبل حالة مجهولة للجميع."

تأتي شخصية حالم المنشا هنا الراوي في الرواية كالمبعوث من قبل شاهر الشاطر، ويمكن أن نسمّيه لسان رواية التطابق هذه، مع حياة فالح مسعود الرجل البسيط، والحالم الذي لا يضع حدّاً لأحلامه، ومسألة الأحلام بالنسبة لهُ الطريق الوحيد لكي يصل إلى مبتغاه، ولكن اصطدم بنص الرواية التي كان يعمل على تسجيلها صوتياّ أنّها روايته هو، فهنا نتخيل نحن معهُ كيف يجد الإنسان رواية لكاتبٍ مجهول يعرف عنهُ أكثر مما يعرفهُ هو ذاته، كما جاء في ملخص الرواية، هي رحلة شائكة ومعقدة في فهم تفاصيل هذه الرواية المتخيلة نوعاً ما، لكنّها تطرح أسئلة كبيرة حول سيرة الإنسان الذي خابت أحلامه البسيطة، وتخطيطاته المستقبلية مثل قتل زوجته أو ظلماته المتعددة في هذا العالم، ويكون فالح المسعود كواحدٍ من البشر الذين يجهلون تفسير الزمن، تقول الرواية في الصفحة (153) : "حكيت لك عن حبي الضائع، عشتار، تلك المرأة اللغز، والتي بقيت لغزاً على الدوام. حكيت لك عن راضي، الشاب البسيط الذكي والمكافح، والذي عبر بوابة لم يعرف ما إذا كانت سحرية أم جهنمية، أم كليهما معاً، ورأى الكثير في ذلك العالم البشع، والذي يختلف عن عالمنا في كثيرٍ من الأمور، لكنّهُ لا يختلف عنه في البشاعة أبداً، راضي الذي عاد ليصبح شاهر الشاطر الذي يملك كل شيء".

هكذا يبدو مشهد الرواية الذي يدور في فلك مواجهة الواقع الشائك بالمتخيل الرحب، من شخصية فالح مسعود وأصدقائه المتعددين الذين يشبهونه في عالمه الغريب، مثل راضي الذي أصبح شاهر الشاطر صاحب شركة التسجيل الغني الذي يمتلك كل شيء، إلى آرثر ريتش اللعين، وحالم المنشا "الراوي الخفي"، وعشتار العاشقة الأبدية التي يحلم بها فالح، حتى شاهر الشاطر يكتشف فالح بأنّه هو الرجل المعتم الذي كان يكلمه في غرفته، وهو الذي يروي الرواية التي اصطدم بتفاصيلها فالح. هي أشبه برحلة العقول إلى الغرائب والعجائب والهواجس في آن واحد، وتضع المقترحات أمام المتاهات، وتضعنا نحن القرّاء أمام أسئلة كثيرة: لماذا يجب على الإنسان أن يُفني عمره يبحث عن أحلامه الواقعية والوهمية؟، صحيح أنّ حياة الإنسان عبارة عن رواية طويلة حتى يلقى مصرعه، لكن لماذا عليه أن يصطدم بها؟ ومن هو الاستثنائي هنا؟ العالم أم فالح مسعود...؟ 

في الختام هذه الرواية هي رواية مفتوحة، ولو أنّها تدخل في الغرائبي، لكنّها تدفعنا إلى البحث عن روايتنا المقبلة التي كتبت أسرارنا سلفاً، تتشابك تارةً، وتتقاطع تارةً أخرى، وتمسك بالتفاصيل، لكنّها أيضاً تحرّض على التساؤل الصعب في خضمّ العالم الأصعب والمواجهة الطويلة بين الإنسان وأسراره وعوالمه، هي لا تسألهُ: من أنت؟ لكنّها تفتح لهُ أبواب المستقبل ليعرف من هو، بنفسه، ويكتشف ذاته بذاته، حتى لو تعثر في الطريق إليها، لكنّه في نهاية الأمر قضية كما قال غسان كنفاني، فالإنسان في رواية الصومعة هو القضية. 

اخترنا لك