الولايات المتحدة بين إنزالين... هل يحسم "النورماندي الاقتصادي" المعركة؟
في محاولة لاسترجاع المجد الأميركي في الذاكرة الشعبية الأميركية، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن "النورماندي الاقتصادي" في إشارة إلى حزمة العقوبات الأخيرة التي تأمل الولايات المتحدة أن تدفع إيران إلى الاستسلام والرضوخ للشروط الأميركية.
-
الولايات المتحدة بين إنزالين... هل يحسم "النورماندي الاقتصادي" المعركة؟
بعد مضي 6 أشهر على حرب أرادت لها الولايات المتحدة الأميركية أن تنتهي في عضون 4 أيام، بسقوط النظام والدولة في إيران، خرج وزير الخزانة الأميركية، سكوت بيسنت، ليعلن عن "إنزال نورماندي اقتصادي" ضدّ إيران. ويتمثّل هذا "الإنزال الاقتصادي" بحزمة جديدة من العقوبات ضمن عملية أطلق عليها اسم "العزل الاقتصادي"، وتتضمّن إجراءات لفرض عقوبات على أيّ دولة أو كيان يتعامل مع الجمهورية الإسلامية في إيران.
لماذا يصف وزير الخزانة الأميركي، ومن خلفه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، موجة العقوبات الجديدة بـ"النورماندي الاقتصادي"؟ وما هي موقعية تلك العملية العسكرية في المخيال الجمعي الأميركي؟ وما هي موارد الافتراق والتلاقي مع واقع المعركة التي تخوضها الولايات المتحدة الأميركية اليوم في مواجهة إيران؟
النورماندي: المطرقة التي كسرت سطح الجليد
تعود الاستعارة التي لجأ إليها الرئيس الأميركي، ووزير خزنته، إلى عملية "أوفرلورد" التي نفّذتها قوات الحلفاء في الـ 6 من حزيران/يونيو 1944، حين تمّ إنزال ما يقارب الـ156 ألف جندي أميركي وبريطاني وكندي وفرنسي (قوات فرنسا الحرة) على شاطئ النورماندي، لتنطلق منها عملية تحرير فرنسا والضغط على الجبهة الغربية للدولة النازية، في الوقت الذي كان فيه الاتحاد السوفياتي يخوض معركة الجبهة الشرقية.
وأتت هذه العملية، التي تعتبر أكبر إنزال جوي وبحري في التاريخ، بعد 5 سنوات على بدء الحرب العالمية الثانية، التي استنفدت موارد وطاقات كلّ الدول المشاركة فيها، وبعد 4 سنوات على محاصرة القوات الألمانية لأكثر من 338 ألف جندي من قوة المشاة البريطانية والجيش الفرنسي، على طول الساحل الشمالي لفرنسا، قبل أن يتمّ إجلاؤهم في عملية "انسحاب دونكيرك".
فتمثّل إنزال النورماندي، في وقت عجزت فيه وسائل كثيرة من حسم المعركة، وبعد أن شهدت قوات الحلفاء هزيمة في فرنسا، رمزاً لقدرة الولايات المتحدة (التي كانت تقود العملية وشكّلت قواتها العديد الأكبر من القوة المشاركة) على استعادة المبادرة، واستمالة الموازين إلى صالحها.
الحرب على #إيران.. حين تدفع واشنطن ثمن الحرب خارج ساحة المعركة.. ماذا في التفاصيل؟#الولايات_المتحدة pic.twitter.com/YoutwwjQsU
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) August 30, 2026
العقوبات على إيران: أكثر من 40 عاماً من الحرب الاقتصادية المستمرة
لم تبدأ العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران مع بداية الاعتداء الأميركي الإسرائيلي عليها أواخر شباط/فبراير الفائت، بل تواجه إيران فعلياً حرباً اقتصادية بدأت مع بداية ظهور ملامح الدولة الجديدة، بعد انتصار الثورة عام 1979 على نظام الشاه علي رضا بهلوي، الذي كان واحداً من أهمّ حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
ففي عام 1979 قامت الولايات المتحدة الأميركية بتجميد الأصول الإيرانية في الخارج، قبل أن تفرض عليها قيوداً في الاستيراد عام 1987، فحظر نفطي وتجاري عام 1995، ومن ثم فرض عقوبات على الاستثمار الأجنبي في الطاقة عام 1996.
ومنذ 2006 فرض مجلس الأمن قيوداً نووية، شدّدتها واشنطن وأوروبا على النفط والمصارف والشحن. وعلى الرغم من أنّ اتفاق "5+1" النووي أتاح رفع بعض القيود في العام 2016، إلا أنّ انسحاب ترامب منه عام 2018، أعاد الولايات المتحدة إلى سياسة "الضغط الأقصى". وفي أيلول/سبتمبر 2025 عادت العقوبات الأممية والأوروبية النووية بآلية "سناب باك".
أما القرارات الأخيرة، "النورماندي الاقتصادي"، والتي أتت بعد العجز الأميركي عن الحسم العسكري في الميدان، فتشمل 5 قطاعات أساسية، وهي:
- الأصول الرقمية (العملات المشفرة).
- التكنولوجيا.
- الذهب.
- الطيران.
- الشحن.
مع التهديد بتحويل كلّ صلة اقتصادية تقريباً مع إيران، إلى مخاطرة بفقدان الدولار.
وتواجه هذه السياسة اليوم عدة عقبات، من عدم قدرة الولايات المتحدة تسويق هذا المسار في الساحة الدولية (وهو ما ظهر في منظمة شنغهاي مؤخراً)، وصولاً إلى مراكمة إيران خبرةً كبيرة في الالتفاف على العقوبات، واستخدام "أساطيل الظل"، والنقل بين السفن، والشركات الواجهة، والصرّافات والعملات المحلية والتجارة الحدودية والأصول الرقمية.
مضيق هرمز لا يهزّ أسواق النفط فقط.. بل قد يهزّ الين الياباني ووول ستريت، وصولاً إلى كلفة الدين الأميركي!
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) September 1, 2026
إليكم التفاصيل👇#إيران #الولايات_المتحدة pic.twitter.com/R2x7DRSjR4
الولايات المتحدة بين إنزالين
أرادت الإدارة الأميركية من تشبيه خطوتها الاقتصادية الأخيرة بإنزال النورماندي، أن توحي بقدرتها على استعادة زمام المبادرة، وحسم المعركة، وكسر جليد الحرب المستمرة منذ 6 أشهر مع غياب أفق الحل والحسم فيها. إضافةً إلى الإشارة لاستخدام القوة الاقتصادية المفرطة، كما تميّزت عملية النورماندي بقوتها العسكرية الكبيرة.
إلا أنّ هذه الرغبة الأميركية تواجه واقعاً يفرض تمايزه عن المثال والنموذج الذي تحاول وسمه فيه.
ففي حين يعتبر إنزال النورماندي، معركة لاسترداد حرية الجمهورية الفرنسية بعد الاحتلال النازي الألماني لها، تخوض الولايات المتحدة الأميركية هذه الحرب على شاكلة عدوان غير شرعي بكلّ المقاييس والقوانين الدولية.
كما أنّ الولايات المتحدة قادت عملية إنزال النورماندي في الحرب العالمية الثانية وهي محاطة بحلفائها، أمّا الحرب الجارية فتواجه فيها الإدارة الأميركية أزمة على مستوى الحلفاء، وخاصة الأوروبيين منهم، بل وحلف "الناتو"، وهو ما جعلها غير قادرة على فرض قوانين الحصار والعقوبات على غيرها من الدول، وعاجزة عن التسويق لها.
ومن أوجه المفارقة أيضاً أنه في إنزال النورماندي حقّقت الولايات المتحدة تقدّماً ميدانياً سريعاً نسبياً، بينما تعتمد اليوم على الضغط الاقتصادي ضد إيران بعد فشل الخيار العسكري، ما يعني معركة طويلة غير مضمونة النتائج، والتي لن تنحصر تداعياتها على إيران فحسب، بل على الولايات المتحدة نفسها.
وليس أدلّ على ذلك من تعليق كبير الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي، السيناتور جاك ريد، قائلاً إنّ "الإيرانيين يعيشون تحت العقوبات منذ عقود ولديهم خبرة في الالتفاف عليها وتجاوزها وسيواصلون ذلك". مشيراً إلى أنّ إيران "أثبتت قدرتها على تعطيل تدفّق النفط في الخليج عبر الهجمات التي تشنّها بالطائرات المسيّرة"، وأنّ "اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة يمثّلان دليلاً ملموساً على النفوذ الإيراني المستمر".
والبيان الصادر عن اجتماع منظمة "شنغهاي" في الـ31 من آب/أغسطس الفائت، "إعلان بيشكيك"، الذي حمل حزمة من المواقف السياسية والمشاريع الاقتصادية، مؤكّداً رفض التدخّلات الأحادية في الشؤون الدولية، وداعياً إلى الحوار مع الأمم المتحدة وهيئاتها تحقيقاً للسلام، في ظلّ وضعٍ دولي لا يزال صعباً بسبب النزاعات والتحدّيات المختلفة.