تفكيك العلاقة التاريخية والثقافية بين الأنوثة والتضحية
تُشرّح دفور مانتيل الآلية النفسية والثقافية للتضحية ذاتها؛ إذ تفكّك التناقض المركزي المتمثّل بأنّ المجتمعات الحديثة وخصوصاً الليبرالية التي تدّعي الفردانية، تستأصل خطاب التضحية من قاموسها الرسمي بينما يظلّ اقتصادهايتغذّى في واقع الأمر من فعل التضحية ذاته.
-
تفكيك العلاقة التاريخية والثقافية بين الأنوثة والتضحية
لعلّ أقسى الممارسات الثقافية التي تعرّضت لها المرأة في التاريخ الحديث مورست في أفغانستان، وأُطلق عليها ظاهرة "الباشا بوش" وهي مفردةٌ فارسية تعني "ارتداء زي الصبيان" إذ كانت الأسر الأفغانية تلجأ إلى تحويل بناتها ليعشن وكأنهنّ صبيان حتى تتمكنّ من الذهاب إلى المدرسة والأماكن العامّة. إلّا أنّ الخفي كان تجنّب ما يُدعى "وصمة العار المجتمعية" من جرّاء غياب الذكر عن العائلة، والحاجة إلى توفير دخل، أو التحرّك بحرية أكبر في المجتمع. ولا شكّ أنّ ثمة فائدة كانت تعود على الفتاة التي تُحوَّل إلى صبي: وهي الحصول على التعليم والعمل، بيد أنّ هذه الحقوق سرعان ما كانت تتوقّف بمجرّد بلوغ الفتاة سن المراهقة، حيث يصعب بعد ذاك تخفّيها. ووفقاً للمؤرّخين فإنّ صوراً تعود إلى عهد الملك الأفغاني حبيب الله خان (1919-1872) في عام 1900، لفتيات ارتدين لباس الرجال. وقد أُوكِلت إليهنّ حراسة "حريم الملك" حوّلت هذا الأمر إلى تقليد اتّبعهُ المجتمع الأفغاني حتى يومنا هذا. ويقال إنّ هذا التقليد يرجع إلى القرن الثامن عشر عندما كانت النساء تتنكّر بزيّ الرجال في الحروب والمعارك نظراً للحاجة إلى خدماتهنّ في تحضير الطعام للجنود أو التمريض.
وقد تمّ تناول هذه الظاهرة في كتب السياسة والأدب؛ ولعلّ أكثر الشخصيات رسوخاً في الذاكرة تلك التي صاغتها الكاتبة الأفغانية - الأميركية نادية هاشمي (1977) في رواياتها. وهي شخصيات تقف إلى جانب أخرى في ثقافات عديدة ومتباعدة لتثير أكثر الأسئلة إرباكاً في تاريخ الفكر النسوي والتحليل النفسي: لماذا يظلّ مصير الأنوثة في المجتمعات الغربية والعالمية ذا سمةٍ تضحويّة؟ نستطيع من خلال نظرة سريعة على ثقافات عديدة وطريقة تناولها للممارسات المجتمعية على النساء، أن نعرف مثلاً كيف كانت عادة "أقدام اللوتس" سائدة في الصين، وهي ظاهرة تدعو إلى كسر وربط أصابع أقدام الفتيات بإحكام من أجل تغيير شكل أقدامهن وحجمها. وقد كانت هذه الظاهرة في أواخر الإمبراطورية الصينية تعبيراً رمزياً عن الجمال الأنثوي على الرغم من كونها ممارسة مؤلمة وتحدّ من قدرة المرأة على الحركة وتؤدّي إلى إعاقات مدى الحياة.
من هنا تبدأ الباحثة والفيلسوفة الفرنسية آن دفور مانتيل (1964-2017) في كتابها "المرأة والتضحية" ملاحظة الوقائع المأساوية القائلة بأنّ التضحية مَهمّة تتعلّق بمصائر النساء، وهي بصورة تقليدية ترتبط بهنّ بناء على تكليفٍ ديني ومقدّس: انطلاقاً من الأخلاق والدين ووصولاً إلى السياسة والحبّ. وهذا المنطق لا يزال قائماً في ظلّ استمرار توثيق حوادث الظلم ضدّ النساء. وتتساءل مانتيل عمّا إذا كانت التضحية بهنّ قدرٌ مفروضٌ أم أنها في بعض تجلّياتها: فعلُ تمرّد وحرية؟ وتحفر في اللاوعي الجمعي الغربي من خلال أساطير نسائية وأدبية تحوّلت إلى نماذج للتضحية. فقانون العائلة والألوهية فُضّل بالنسبة إلى "أنتيجون" على قانون الدولة، وآثرت شنق نفسها في الكهف لتبرز مسألة الصراع بين قوانين الدولة والقوانين الإلهية، وكيف يمكن للتطرّف أن يؤدّي إلى دمار المجتمع. وهي أي "أنتيجون" في صميم رفضها قرار عمّها الملك بمنع دفن أخيها إنما تصرّ على مقارعة قانون السلطة المطلقة، وتصرّ على حقّ أخيها في الدفن وفقاً لتقاليد الآلهة. وما عصيانها القانون وتغطية أخيها بالتراب، سوى كشف سردي للإطار الثقافي الذي يُقدَّس ويكرِّس نموذج المرأة المضحّية عبر التاريخ.
على الطرف الآخر والنقيض لصورة المرأة الضحية، تُبرز دفور مانتيل الحياة الهامشية لنساءٍ أطلق على حيواتهم عبارة "الحيوات البيض" ذلك أنّ مصائرهنّ لا تترك أثراً في الذاكرة الجمعية، وهنّ الأم والجارات والأخوات، أي الوجود الذي يتكرّر حضوره من خلال التضحية بوصفها جزءاً من صميم وجودهنّ: من المراهِقة، إلى المهاجِرة التي تبيع جسدها، وصولاً إلى العاشقة البائسة. هذه النماذج الأسطورية تحوّل الضحية من مستوى المعاناة اليومية الصامتة إلى التضحية بمعيار خفيّ بالأنوثة الحقيقية. إلّا أنّ اللافت في سياق حديثها عن تلك الجزئيّة هو تقديم التضحية بوصفها فعل عصيان. وهي في الوقت ذاته، رؤية ثورية، فالتضحية في بعض تجلّياتها ليست استسلاماً، إنما فعل تمرّد على قواعد اللياقة والحقّ. لكنّ التساؤل المطروح هنا: هل التضحية قدرٌ بيولوجي للنساء أم أنها حدث تاريخي؟ تتصدّى دفور مانتيل لهذا السؤال الجوهري؛ إذ لا تكتفي بتوثيق هذا القدر من الصور التاريخية، بل تخوض في أغوارهِ الثقافية لتسأل: هل التضحية فعل حرية وحبّ أمْ أنها فخّ ثقافي يهدف إلى إلغاء الذات الأنثوية؟ تقول الباحثة إنه لا بدّ للإجابة عن هذا السؤال من العودة إلى لحظة تأسيسية في الفكر النسوي: وهي التأسيس الذي كُرّس بشكل جليّ في كتاب "الجنس الآخر" (1941) للكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار (1986-1908) إذ حلّلت فيه الكيفيّة التي آلت إليها المرأة ضمن مجتمع صاغه (الآخر) وعرف ذاتها من خلاله. فالقدر "التضحوي" الذي تتحدّث عنه مانتيل هو جوهر ما كتبته بوفوار.
وعلى هذا الأساس، تُشرّح دفور مانتيل الآلية النفسية والثقافية للتضحية ذاتها؛ إذ تفكّك التناقض المركزي المتمثّل بأنّ المجتمعات الحديثة وخصوصاً الليبرالية التي تدّعي الفردانية، تستأصل خطاب التضحية من قاموسها الرسمي بينما يظلّ اقتصادها (العاطفي-الاجتماعي- المنزلي) يتغذّى في واقع الأمر من فعل التضحية ذاته. وتتساءل هنا عما إذا كانت التضحية خياراً حرّاً أم هي قدر ثقافي يفرض على النساء دور "العطاء اللامتناهي"؟ هذا ما يظهر جلياً في رواية نادية هاشمي، وبوضوح من خلال التضحيات التي تقدّمها النساء وتفرض عليهنّ أن يُقَدَّمن كهدايا ولخدمة المسنين على اعتبار أنّ هذا جزء من نصيبهن وأقدارهن المحتومة. تحضر هنا مساهمة دفور مانتيل البارعة، والكيفيّة التي تحوّل التضحية إلى (فخّ) يؤدّي إلى فقدان الهوية؛ إذ تشعر المرأة أنها لا توجد إلا من خلال ما تقدّمه للآخرين. إلا أنها في الوقت ذاته لا ترى في التضحية سلباً محضاً: لأنها تستعيد شخصية "أنتيجون" الأسطورية ومخالفتها قانون الدولة بوصفها امرأة حوّلت التضحية إلى فعل عصيان على قواعد ظالمة، لتصبح التضحية هنا، وبصورة مفارقة، تأكيداً للإرادة الذاتية وتمرّداً على النظام السائد.
لذا فإنّ الكتابة في هذا المضمار تكشف أنّ شخصية "الباشا بوش" في رواية نادية هاشمي ليست مجرّد قصة مؤثّرة؛ إنها تطبيق حيّ ونابض للنظريات الفلسفية. وهي كشف للشخصيات التي تعاني من "الآخرية"، وتقع في فخ فقدان الذات الذي حذّرت منه دفور مانتيل، لكنها تبحث في إعادة تعريف مفهوم التضحية الأنثوية: فهي ليست فضيلة متأصّلة في الطبيعة الأنثوية، إنما بنية معقّدة، وجزء منها قمعي (مفروض) وجزء آخر يمكن أن يكون أداة مقاومة واستعادة للذات كما في تمرّد "أنتيجون". والدرس الذي قدّمته نادية هاشمي من واقع أفغانستان المؤلم هو: أنّ اللؤلؤة –أي جوهر المرأة وقيمتها- قد تُحاط بمحار صلب من التقاليد والقهر. وكسر هذا المحار يتطلّب غالباً تضحية ما، إلا أنها يجب ألّا تكون تضحية بالإذعان والإلغاء، إنما بالوعي والاختيار. ولا بدّ من الإشارة إلى تحذير مانتيل من هذا الطريق عندما قالت إنه لا يمرّ من باب الأنانية، بل من خلال إعادة تعريف العطاء، بحيث تحب المرأة وتعطي من غير أن تمحو ذاتها.