الموسم الرمضاني العراقي مفلس في سوق اقتصاد المشاهدات

إن شهر رمضان المبارك ليس مجرد نافذة زمنية لزيادة العائدات التجارية، بل فرصة أخلاقية لإعادة ترتيب الأولويات، وإنتاج محتوى يحترم عقل المشاهد، ويستثمر روح الشهر الكريم في تعزيز قيم التكافل والتسامح والعمل الصالح.

مع أول خيط نور يُبشّر العالمين بميلاد هلال شهر رمضان المبارك، تتبدّل ملامح المدن وتخفت ضوضاء النهار استعداداً لليل، يفترض أن يكون أكثر صفاء وقرباً الى مُضيفنا (الرحمن)، غير أنّ الشاشات الذكية منها والتقليدية تشتعل في الاتجاه المعاكس، وتتحوّل الأجواء العامة إلى ساحات تنافس محموم، بين فضاء رقمي لا ينام، وقنوات تبث بلا انقطاع، وكأنّ هناك معركة خفية تتمحور حول عقول الناس ووقتهم ووعيهم، فالتزاحم اليوم لم يعد بين برنامج وآخر، بل بين منظومتين كاملتين: منظومة شاشة تقليدية تسعى إلى الاحتفاظ بجمهورها، ومنظومة رقمية متغوّلة؛ تقيس الإنسان بعدد النقرات وتعيد تشكيل ذائقته من خلال خوارزميات لا ترى فيه سوى مستهلك دائم الانتباه.

وبينهما تتدفّق أموال طائلة تُرصد للإعلانات والرعايات والتسويق، وكأنّ شهر رمضان أصبح موسماً اقتصادياً خالصاً تتقاطع فيه مصالح الشركات مع "شهوة" الشهرة وتتوارى خلفها الرسالة الأخلاقية التي يفترض أن تصون الوعي؛ لا أن تستنزفه وتجعله سطحياً!

إننا أمام حالة تضخّم بصري وصوتي هائلة، تملؤها موسيقى صاخبة، لقطات سريعة، مؤثّرات مبالغ فيها، حتى يبدو المشاهد كمن يجلس في صالة ألعاب لا في مجلس رمضاني عبادي، المفترض فيه أن تتلى آيات التنزيل والبركة.

ومع هذا التدفّق الكثيف للمحتوى يصبح الفرد مهدّداً بالتحوّل إلى متلقٍّ سلبيّ عاجز أمام الشاشة، يبتلع ما يقدّم له بلا مساءلة، يستسلم لإيقاع سريع، يصادر التأمّل، يختزل الفكرة في لقطة قابلة للاقتطاع والنشر، معاد تدويرها بنكهة ماجنة رشيقة يستقبلها بلذة المستهلك النهم.

وسط هذا المناخ تتصدّر ما تسمّى الكوميديا المحلية (المستنسخة) المشهد بوصفها العنوان الأبرز للموسم، لكنها في نماذج عدة انزلقت إلى سطحية بائسة تعتمد على الإيماءة الرخيصة، العبارة المبتذلة، وتعيد إنتاج صور غير مشرّفة عن الريف والمدينة والمرأة والشباب، حتى كأنّ الضحك صار أداة للتنميط لا للتحرير.

وخلال الأيام الماضية ضجّت المنصات بمقاطع دعائية للأعمال وعزّزتها ساعات البثّ لليوم الأول لشهر رمضان، تزاحمت العروض على أوقات الذروة، لنجد "ممثّلاً" يظهر في إحداها ويكرّر مشهداً يقوم على السخرية من هيئة رجل بسيط بطريقة دفعت كثيرين إلى التساؤل عن حدود المقبول في شهر يفترض أن تُكرّس فيه قيم إسلامية وحضارية سامية، كما انتشر مشهد آخر لمشادّة كلامية داخل سياق كوميدي، تحوّلت إلى مادّة للتندّر والسخرية على حساب الذوق العامّ، وهكذا دواليك.

ولذلك بتنا نرى أنّ "الترند" يحتفي بعدد المشاهدات لا بعمق الفكرة، وهنا تكمن المفارقة، إذ تحوّل الضحك إلى سلعة سريعة الاستهلاك، تخدم خوارزمية المنصة أكثر مما تخدم إنساناً يبحث عن لحظة بهجة صادقة أو وعظ بقيمة مضافة من سماحة الدين وضيافة الخالق.

أما بورصة المقالب التي تُحشى في ساعات ما قبل الإفطار وبعده؛ فقد تجاوز بعضها حدود المفاجأة اللطيفة إلى منطقة ابتزاز المشاعر الصريحة، حتى إنّ روّادها على المنصات انتقدوا تلك الأعمال، وكتبوا تعليقات غاضبة. فهل يا ترى غضبهم جاء من أنّ هذا النوع من الترفيه يستثمر في خوف الإنسان لا في فرحه، وأنه يخلط بين الجرأة والقسوة وبين الإثارة والإيذاء النفسي؟ أم أنه فقد بعده الإنساني وتحوّل إلى استعراض قاسٍ يكرّس ثقافة التشفّي ويغذّي نزعة المشاهدة السريعة التي لا تسأل عن الأثر البعيد؟

وفي ميدان الدراما يتكرّر المشهد نفسه عاماً بعد عام، صراعات عائلية تدور في أحياء شعبية ملامحها واحدة، وشخصيات نمطية تتبادل الاتهامات والدموع من دون تطوير حقيقي في البناء السردي، وقد لاحظ الجميع أنّ عملاً بدأ عرضه هذا الموسم يعيد إنتاج حبكة قديمة مع تغيير أسماء الشخصيات، وبعض التفصيلات الثانوية، بينما تبقى العقدة الأساسية متشابهة إلى حد التطابق، حتى بدت الحلقات كأنها نسخة منقّحة من نصّ سابق؛ لا مغامرة جديدة في الكتابة.

إنّ الدراما التي كان يمكن أن تستثمر الشهر الفضيل في طرح أسئلة عن العدالة الإلهية والقيم الاجتماعية وهموم الناس ومشكلاتهم المعاصرة، وعن التحوّلات الرقمية في حياة الشباب، وعن العلاقة بين الدين الإسلامي وتعاليمه الحقّة؛ اكتفت بإعادة تدوير قصص الخيانة والانتقام والحشو الطائفي، والاعتياد على تجريب مذهبات العقل والمشاهد الخليعة، والخيانة الزوجية وزنا العمل، وهلّمَ جرّا، وكأنّ المجتمع العراقي لا يعرف سوى هذه الثيمات ضيّقة الأفق والتي في كثير منها دخيلة عليه.

أما البرامج السياسية فلم تكن بمنأى عن هذا الفتور. إذ تحوّلت بعض حوارات مائدة (السحور السياسي) إلى منابر لإعادة تدوير الخطاب نفسه، بوجوه معتادة تتنقّل بين القنوات والمنصات وتحمل الرواية نفسها من دون مساءلة حقيقية أو بيانات موثّقة، وقد تتصدّر "الترند" حينما تصبح الإثارة غاية، والحوار وسيلة عابرة لجذب التفاعل الرقمي.

إنّ التزاحم بين الفضاء الرقمي والشاشة التقليدية، خلق سباقاً محموماً على تحقيق رغبات المشاهد أو ما يسمّى حالياً "الاقتصاد الانتباهي"، وأصبح معياراً للنجاح في زيادة عدد المشاهدات والتعليقات؛ لا جودة المحتوى، وبخاصة مع تدفّق الإعلانات في أوقات الذروة، تتكرّس معادلة تجارية صريحة مفادها: أنّ من يمتلك القدرة على جذب الانتباه؛ يملك حصة أكبر من الكعكة الإعلانية، حتى لو كان الثمن هبوطاً في السقف الأخلاقي، وضرباً للمقدّسات المجتمعية، أو تراجعاً في مستوى اللغة والأسلوب، فبينما تتحدّث القنوات والمنصات الرقمية عن نسب مشاهدة قياسية؛ يزداد شعور قطاعات كبيرة من الجمهور بأنهم محاصرون بمحتوى متشابه لا يفتح أفقاً جديداً ولا يقدّم قيمة معرفية تذكر، ومع ذلك يشاهدوه. لمَ؟ لا أدري والله!

إنّ سخرية القدر تفرض الاعتراف بأنّ كثيراً من هذه الأعمال تنتج بعقلية الموسم لا بعقلية المشروع الثقافي، فالنصّ يكتب على عجل، والمراجعة تُختصر، والاختيار يقوم على معادلة الشهرة لا الملاءمة، ومحسّنات الجودة تعتمد الخلاعة لا الحبكة، ثم يُلقى بالعمل إلى جمهور متعطّش لأيّ جديد، فيقبل به على مضض أو يهاجمه على المنصات، فيتحوّل الهجوم نفسه إلى دعاية مجانية.

ولذلك فإننا أمام دائرة مغلقة يغذّيها "الترند" وتشبعها الرغبة في الربح السريع، فيما تتراجع الأسئلة الكبرى، حول دور الإعلام في بناء الوعي الجمعي وصون الذائقة العامة!

إنّ شهر رمضان المبارك سادتي الكرام ليس مجرّد نافذة زمنية لزيادة العائدات التجارية، بل فرصة أخلاقية لإعادة ترتيب الأولويات، وإنتاج محتوى يحترم عقل المشاهد، ويستثمر روح الشهر الكريم في تعزيز قيم التكافل والتسامح والعمل الصالح.

وإذا استمرت المعادلة الحالية القائمة على الضجيج والتكرار فإننا أمام جيل مهاجر الى ما تسمّى الأعمال العربية - الغربية، يقضي لياليه بين شاشة تقليدية ومنصة رقمية من دون أن يلتقط لحظة تأمّل وتوجّه مع ربه. عندها لن يكون السؤال لماذا تراجع التقدّم المعرفي وانحدر الأخلاقي وفسد الشباب، بل كيف سمحنا للأموال الطائلة ولسباق المشاهدات أن يعيدا تشكيل وجدان مجتمع كامل، حتى أصبح عاجزاً أمام شاشة لا تنطفئ إلا لتشتعل من جديد في موسم تكرار سنوي باهت، ينتظر من يملك الجرأة على كسر دائرته الجاهلية - التافهة وإعادة الاعتبار للمعنى قبل المشاهدة، وللقيمة قبل "الترند".

اخترنا لك