المخيمات الفلسطينية ومعانيها في رواية "مرايا الشتات"

لا يكتفي علي الخليلي في روايته "مرايا الشتات" بالوصف والتصوير والإبانة وإنما يمضي إلى التعريف بالمعاني الجديدة التي عرفها المخيم، ومنها الفدائي، والشهيد، والقائد العسكري، والموجّه السياسي، وصحيفة الثورة، والمنشورات، والبيانات، والشاعر.. إلخ.

  • المخيمات الفلسطينية  ومعانيها في رواية
    المخيمات الفلسطينية ومعانيها في رواية "مرايا الشتات"

بثقة عالية، وهمّة بادية، وقناعات أكيدة يواصل الروائيون الفلسطينيون الكتابة عن الثوابت التاريخية والاجتماعية والثقافية بوصفها مرتكزات الحياة، وهي الغايات التي تؤخذ إلى الصدور من أجل أن تكون للحياة معانيها الخالدات، والكتابة عن الثوابت تعني تأبيد نورانية الفكر والطريق والوعي والصبر من أجل الأفعال التامّات.

  أقول هذا، وبين يدي رواية جديدة للكاتب الفلسطيني علي الخليلي عنوانها "مرايا الشتات" تدور حول نقطة الارتكاز الأولى للحزن الفلسطيني الذي عمّ في إثر نكبة عام 1948، والطرد الظالم، والتهجير الغاشم، والإخافة الشنيعة التي طالت الأجساد والأرواح والأرض والبيوت والحقول والمدارس والمعابد الفلسطينية، بل طالت كلّ معنى عزيز نبيل. فليس هناك من ظلم أقسى وأشدّ بغضاً من الاقتلاع من الأرض وبالقوة الباطشة، وليس هناك ما هو أقبح من أن يصير الظلم كائنات تمشي على الأقدام، وتسير في الدروب، وتسكن في القرى والمدن التي شرّد أهلها وهجّروا جهاراً نهاراً على مرأى ومسمع من العالم الذي تحكمه القوة.

رواية "مرايا الشتات" صادرة عن دار إرشاد في حمص، عام 2025، وهي في نحو 210 صفحات من الحجم الوسط، وهي في فصولها المتعدّدة  تسرد وقائع إنشاء مخيم فلسطيني صغير، يقع في الضاحية الجنوبية من مدينة حمص، فقد تعاون اللاجئون الفلسطينيون في إقامة الخيام، فاختار الجار جاره، وتعالت زفرات الحسرة وهم يتذكّرون بيوتهم العامرة التي طردوا منها، والدروب الكثيرة التي مشوها حتى وصلوا إلى هذه البقعة المستوحدة الملأى بالأشواك، والقريبة من الطريق العامّ، فاستصلحوا الأرض، وسووا التراب، وأبعدوا الحجارة والصخور، وجمعوا الأشواك في حزم لتصير وقوداً لصاجات الخبز، وبنوا الخيام المتشابهة في الحجم واللون. خيام لا أبواب لها، ولا نوافذ، ولا حيطان، ولا سقوف، خيام يشدّ بعضها بعضاً بالحبال كي لا ترتمي بفعل المطر، أو تطير بفعل الرياح، وتبدأ الحياة بقول عجوز المخيم عند الصباح: اصطبحنا، واصطبح الملك لله!

  رواية تعيد تدوير زوايا الحزن والألم والذكريات والحنين وقلّة الحيلة، وشظف العيش، والمعاناة الوجيعة التي تلفّ الجميع، الكبير والصغير، والرجل والمرأة، ولأنهم على قناعة بأنّ إقامتهم مؤقتة، وأنّ الخيام لا تصير بيوتاً بديلة، يبدأون بارتجال ما تتطلّبه الحياة من سوق، ومدرسة، ومستوصف طبي، وإدارة أحوال مدنية. وهنا تنداح حمّى الأسئلة الثقيلة التي لا أجوبة لها: مثل؛ كيف سنعيش في الخيام وقت الشتاء، والبرد، والمطر، والثلح، وكيف تبقى الخيام خياماً عند هبوب الرياح الهوج الآتية من فتحات سلسلة جبال لبنان، وماذا نعمل؟ وأين؟ وكيف؟

   الروائي علي الخليلي، ابن مخيم العائدين في حمص، عاش حياة المخيم، وعرف المعاناة، وسطوة الفقر، وانغلاق الآفاق أمام الجائحات المرضية، وأمام الأحلام، أحلام الأهالي بالعيش الكريم، وتعليم أطفالهم، وتطبيب مرضاهم، والعثور على فرص العمل، وهم الأكثر قرباً لمدينة حمص من باقي التجمّعات السكنية التي تحيط بها. فالمكان الذي أقيم المخيم فيه، لا وجود للمزارع، أو الحقول فيه، وهو مكان قريب جداً من مدينة حمص، وما من فرص للعمل إلا فيها؛ ولأنّ أهالي المخيم، هم أهالي قرى فلسطينية كان سكانها يعتاشون على الزراعة والرعي، فقد راحوا يعانون ويسألون: كيف السبيل إلى السترة؟ وهم لا يعرفون المهن، كالحدادة، والنجارة، والأصبغة، والتبليط.. إلخ، وهي مهن تتطلّبها حياة المدينة.

  تقول رواية "مرايا الشتات"، كان التعليم هو المنقذ للكثير من العوائل، فبعض رجال المخيم كانوا متعلّمين، وأساتذة مدارس، لذلك انتشروا وأصبحوا معلّمين في المدارس الرسمية والخاصة في مدينة حمص، وبعضهم باتوا مدرّسين ومعلمين في المخيم نفسه، حين غدت خيمتان كبيرتان مدرستين لأبناء المخيم. صحيح أنّ الحياة بدأت تتفتّح يوماً بعد يوم مثل الأزهار، وتسقط شيئاً من أحزان الناس، لكنّ الصحيح أيضاً هو أنّ متطلّبات الحياة، وهي كثيرة، راحت تعصر الناس عصراً، لذلك جهروا بالشكوى، وراحوا يبتدعون طرقاً وأساليب جديدة للعمل كيما يلجم الناس الأسئلة المخيفة العصية التي لا إجابات عنها!

   الرواية، وبتقسيم بديع تحدّثت عن الحياة التي راحت تعلو طبقة الحزن العاتمة التي عرفها وعاشها الجميع في المخيم، فالتقاليد والعادات والمناسبات التي كان أهل المخيم يجلّونها، حين كانوا في قراهم، ظلّت هي التقاليد والعادات والمناسبات التي احتضنوها وأحاطوا بها وعاشوها، لأنها كانت هي أشبه بالحزام الاجتماعي الذي شدّ الأسر إلى بعضها بعضاً، وجعل أسلوب الحياة بلا فارق كبير عمّا كان عليه الناس في قراهم، وقبل تهجيرهم  وطردهم، وعمّا أصبحوا عليه في مكان طارئ اسمه المخيم. فالأعياد والولادات والأعراس والمناسبات ظلّت هي الجرس القارع في المخيم الذي ينبّه الأهالي أنّ عليهم أن يتجاوزوا عتمة الأحزان، وقسوة الظروف، وسطوة الأخبار، وأن يتلاقوا أكثر على معنى واحد هو الأمل!

  الرواية "مرايا الشتات" وعبر مروياتها، وأحداثها، وأخبارها، وقصصها، تدمج وببراعة زمن الحياة الماضية في القرى الفلسطينية، وزمن الحياة الراهنة في المخيم، وجعلت الرابط بين الزمنين هو الذكريات والحنين والقصص والتقاليد والعادات، وهو أيضاً القناعة المطلقة بأنّ العودة مقبلة لا ريب، وأنّ الحياة في المخيمات مؤقتة، وستظلّ مؤقتة، لأنّ قراهم تناديهم وهذه المناداة تتجلّى لهم بكلّ صورها من خلال أحاديث الآباء والأجداد، ومن خلال الكتب، وما يقوله المعلمون والمدرّسون، وما تقوله الصحف والمنشورات التي توزّع في الميخم؛ بل ازداد الأمل، وعلا، وتطاول حين التحق أبناء المخيم في حمص بالعمل الفدائي، وحين باتت بدلات الفوتيك الأخضر، والكاكي زينة للمباهاة داخل الخيام، وفي الأزقّة، لا بل ظهرت البنادق ذات الألوان العسلية في المخيم، ومن ثمّ راح الشهداء يتوافدون على مقبرة المخيم الصغيرة، فصار دفن الشهداء عرساً لكلّ شهيد، لأنّ المخيم، برجاله ونسائه، وشبابه وشيوخه، يصير لحظتئذ في المقبرة، وفي المقبرة تنداح الأخبار، أخبار الشهداء، وأخبار العمليات الفدائية، وأخبار البطولة وأخبار الجسارة والجروح، وفي المقبرة توزّع صور الشهداء والمنشورات، ويسمع الناس كلمات المواساة، وقصائد الرثاء، ويدور الحديث حول الشهداء ومناقبهم.

   بلى، علي الخليلي، لا يكتفي في روايته "مرايا الشتات" بالوصف والتصوير والإبانة وإنما يمضي إلى التعريف بالمعاني الجديدة التي عرفها المخيم، ومنها الفدائي، والشهيد، والقائد العسكري، والموجّه السياسي، وصحيفة الثورة، والمنشورات، والبيانات، والشاعر، والصور، والرموز.. إلخ. ومن هذه المعاني الجديدة للحياة أيضاً بناء البيوت في مكان الخيام، وإقامة المدارس، والمستوصفات، ودوائر الأحوال المدنية، ومقارّ الفصائل الفدائية؛ هذه الحياة الجديدة عزّزت القناعات بأنّ المخيم، ورغم صورته الطارئة، هو علامة على أنّ درب العودة يبدأ من المخيمات، وأنّ معنى الوطن يتجلّى ويضيء بدماء الشهداء، وأنّ المخيم في وجوده ومعناه يشير إلى أنّ حقّ العودة هو لبابة الحياة وجوهرها، وأن لا حياة للفلسطيني بعيداً عن التراب الفلسطيني، وليس هناك ما يرضيه بديلاً عن حقّ العودة، وأنّ العودة تعني الوطن، والسيادة، والكرامة، وكلّ هذا.. يظلّ في عالم اللجوء، والتشرّد، والتهجير.. ناقصاً.

   رواية "مرايا الشتات" رحلة سردية تجلو وجوه المأساة الفلسطينية في أحد المخيمات الفلسطينية، كمثال يعنيها جميعاً، وصور الاشتقاق، والتعب الجميل للتغلّب على الأحزان، وشظف العيش، والانكسارات، وبمرتكزات جليلة في طالعها: العلم، ومعرفة التاريخ، وامتلاك القوة، والإيمان اليقيني بصوابية طريق المقاومة، وأنّ البلاد بلادنا، وأنّ الأرض لنا، ونحن أصحاب العمران، ونحن من كتب التاريخ ويكتبه، ونحن من أصّل الروح الاجتماعية، وأشاد الثقافات العالمة القائمة أصلاً على الوعي، والعمل، والإرادة النافذة!

اخترنا لك