السياسة ترتدي الأدب في رواية "بخلاف ما سبق"
هل هزم سامي في نهاية الرواية؟ إنّ البحث عن الإجابة سيكون كمن يذرّ الرماد في العيون لإخفاء الجمر، فسامي أصبحت له عائلة وعصبة، فقد تزوّج حبيبته وأنجب منها أبناء، وعادت علاقته مع أقربائه، وما زالت السرايا تحت يده.
-
السياسة ترتدي الأدب في رواية "بخلاف ما سبق"
يقول الروائي هنري جيمس في مقاله فنّ الرواية: "إنّ السبب الوحيد لوجود فنّ الرواية هو أنّها تحاول تمثيل الحياة". ومن هذه الرؤية نستطيع أن نفهم عودة الروائي المصري عزّت القمحاوي إلى شخصية سامي يعقوب في روايته الجديدة "بخلاف ما سبق"؛ الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، بعدما سرد قصته في روايته السابقة: "ما رآه سامي يعقوب ـــــ عام 2019".
فالعودة ليست مجرّد جزء ثانٍ من الرواية الأولى؛ وإنّما، لأنّ النهاية قد تكون بداية جديدة، وهذا من طبيعة الحياة وتمثيلها؛ عطفاً على مقولة جيمس. لذلك من الممكن القول إنّ نهاية "ما رآه سامي يعقوب" هي تمهّد لبداية "بخلاف ما سبق" التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا لعام 2026.
يغلق سامي باب شقته على نفسه، مقيّداً وجوده بعزلة اختيارية للحفاظ على ما تبقّى من ذاته المحطّمة بعد مروره بصدمات قاسية، بدأت بمقتل أخيه يوسف برصاصة قنّاص ممن انتشروا على أسطح البنايات المحيطة بميدان التحرير الذي شهد ثورة 25 يناير والأحداث الدامية التي تلتها، ومن ثمّ خضوعه لاستجواب مهين من قبل الأمن، الذي قبض عليه متلبّساً بتصوير قطين يمارسان الحب وراء أحد أسوار مقاسم الشرطة.
لم تكن تلك العزلة إلا سجناً؛ فلقد علّم على حائط بيته عدد الأيام والشهور التي قضاها في عزلته، كما يفعل السجناء عادة. لا يكتفي سامي بهذه القطيعة مع محيطه الاجتماعي، فيتعدّاه إلى شطب علاقته مع حبيبته فريدة، ليحميها من أهل زوجها المتوفى، الذين يريدون تزويجها من أحد إخوته، كي لا يخرج الإرث خارج حدود العائلة، ورفضاً لأن تنشأ بنات فريدة في كنف رجل غريب.
إنّ تمثيل الحياة الذي تكلّم عنه جيمس لا يتحقّق بنسخ الواقع كما هو، وإنّما بإعادة ترميزه، فتغدو جريمة التصوير دلالة على استحالة إقامة علاقة طبيعية مع مراكز القمع. ومن الممكن أيضاً قراءة إجبار فريدة على الزواج من أحد إخوة زوجها المتوفى في ضوء محاولة الرئيس السابق حسني مبارك توريث السلطة لابنه جمال. على هذا المنوال السردي يمضي القمحاوي في روايته؛ إذ تصبح الأمور الاعتيادية والروتينية واليومية والتفاصيل البسيطة التي قد تخدع القارئ، وسيلة للقول إنّ الرماد ليس نهاية النار، بل رحم الجمر.
يختار سامي، بعد تلك الأحداث الكارثية في حياته، أن ينسج شرنقته حوله كدودة؛ لا أملاً بأن يخرج منها فراشة، وإنّما في ما يشبه عملية تحنيط، حين تصبح الحياة والموت سواء. لكنّ قرعاً على بابه قبيل الفجر فكّ عرى مخططه؛ فقد كان ثمّة فتى يرتدي جلباباً بلدياً يطرق كلّ صباح على بابه. وعندما تجرّأ وفتح، أخبره الفتى، الذي بدا أقرب إلى الطيف، أن يذهب إلى "تل المساخيط" قرب مدينة "سراب" ليتسلّم ميراثه!
وما إن استدار الطيف للمغادرة حتى لمح سامي بقعة من الدم في ظهر الفتى، لا تفيض ولا تغيض، كساعة معطّلة. لكنّ سامي بعد هذه الزيارة الغرائبية يكسر عزلته ويتجرّأ على مغادرة القاهرة. لم تكن مدينة سراب غريبة عن سامي؛ فهي مدينة أبيه، وتل المساخيط إحدى قرى جدّه الإقطاعي. هذه القفزة السردية التي أقدم عليها القمحاوي يمكن تفسيرها بمقولة إنّ الحاضر يستنير بماضيه البعيد. في تل المساخيط يستعيد سامي شيئاً من ذاته؛ فلقد رأى فيها جنّة المأوى، بما تنطوي عليه من طبيعة بكر ونظرة رومنسية للريف.
كانت العجوز والدة ذلك الطيف، في انتظاره في سرايا جدّه الباشا، الذي وزع أراضيه على فلاحيه قبل أن يجبره قانون الإصلاح الزراعي على ذلك. لقد تأخّر سامي في المجيء، لا لأنّ الفتى الطيف قد تأخّر في إيصال الرسالة، كما علّلت العجوز، بل لأنّ سامي كان سجّان نفسه ولم يكن الوقت قد حان لإطلاق ذاته. لم يستغرب سامي من كلام العجوز؛ فهو اعتاد زيارة أطياف أفراد عائلته الموتى. تتفتّح الحياة أمام سامي في تل المساخيط، ويبدأ في إدراك أنّ هناك حياة أخرى من الممكن أن تعاش بعيداً عن القاهرة وميدان التحرير والخسارات التي أصابته، وأنّ النسيان يمكن أن يخصب بذاكرة جديدة.
تل المساخيط:
يبدو اسم قرية سامي مناقضاً لنظرته إليها، فالمسخوط هو الممسوخ. وربما كان المقصود بلغة أسطورية هو المتحوّل كما ذكر أوفيد، الذي كانت شخصياته تترك طبيعتها البشرية وتتحوّل إلى أشجار أو حيوانات عندما يصبح الشكل البشري عقدة كأداء للحكاية لا مخرج منها، فيأتي التحوّل ليفتح آفاقاً جديدة للحكاية والمعنى. ومن هذا المنحى نفهم التسمية؛ فبعد العودة أصبح سامي وريث الباشا وسيد السرايا وصاحب عدّة دونمات من الأرض المزروعة وعدد من الحيوانات المتنوعة، ولديه عمال، بعدما كان مهندس برمجة في القاهرة، حبيس شقته.
يمتلئ يوم سامي بالكثير من التفاصيل اليومية والعادية وبتعاقب الفصول وإخضرار الأشجار ومن ثمّ عريها، وبمحاولته العودة إلى حبيبته فريدة. وينغمس في رعاية حيواناته وأشجاره، واستيعاب حنين العامل حمادة وشروده؛ ذلك النوبي الذي غمر سدّ ناصر قريته، فأصبح مهجّراً منها ومنقطعاً عن تاريخه وملاعب طفولته، إضافة إلى سمعان من ذوي الإعاقة العقلية الذي امتلك قدرة أن يحسّ بالحياة والموت في الكائنات الآخرى، إلى جانب صداقته مع كامل المثقّف الساخر من كلّ شيء حتى ثورة 25 يناير التي رأى فيها الفشل لأنّ المدافعين عن الحرية فيها كانوا أقلية لا تذكر.
لم يقف تحوّل سامي عند هذا الحدّ؛ فقد تفهّم ثأر العجوز ممن أزهق روح ابنها، بمساعدة قريبها صلاح، بعيداً عن القانون. لكنّ المفاجأة الكبرى تمثّلت في اكتشاف أنّه ليس الأخير في عائلته. فمن خلال حكايات العجوز، تبيّن له أنّ جدّه كانت نفسه خضراء، لكنّها أخبرته بأنّها ونساء القرية هنّ من كنّ يرغبن بالاستبضاع من الباشا كأنّهن في الجاهلية. وبعد قصص العجوز الغرائبية أصبح الفتى الطيف عمّه! وأنّ صلاحاً قريب العجوز عمّه أيضاً! ولعلّ له أعماماً آخرين حتى من عائلة "ناجي" الذين ناصبوه العداء منذ وصوله!
هذا الواقع الجديد الذي أفاق عليه سامي لم يغيّر من طبعه المسالم والطيّب، لكنّه جعله أكثر تقبّلاً لتحوّلات الحياة، وكأنّه خرج من رومنسيّته ليدخل في واقعية الحياة. وعندما ظهر جاره الجديد "أمين عسكر" الغني صاحب العلاقات المتشابكة مع السلطة في مدينة سراب، الذي أراد أن يستولي على أراضي تل المساخيط، غير متورّع عن استخدام المقدّس الديني أو السياسي في تحقيق أهدافه، كأن يرسم علم البلاد على الجدار الذي أقامه متعدياً على أرض سامي، لكي لا يتجرّأ أحد على هدمه، لكنّ سامي في ذلك الوقت كان قد ألف براغماتية الحياة.
هذه التفاصيل ليست مجرّد عودة الحياة الطبيعية لمجاريها لدى سامي؛ فالقمحاوي يلاعب القارئ بخفّة يد الساحر، فسامي الذي اشتبك مع السلطة وهُزم أمامها، تأتيه السلطة على طبق من فضة؛ إذ أجبرته العجوز على نقل ملكية الأرض والسرايا إليه، وباركت له أطياف عائلته من الموتى هذه الخطوة. حتى إنّ جاره اللدود أمين عسكر أخبره أنّه سيصبح مليونيراً بعد إدراج تل المساخيط في المخطط التنظيمي.
وهنا يبرز السؤال المخفي في السرد: هل أغوت السلطة سامي؟ هل وقع تحت سحرها؟ لم يحدث ذلك؛ بل ظلّ سامي مقتنعاً بأنّ الكلمة في مواجهة الكلمة، والقانون، هما الطريق الأصوب لمواجهة عائلة ناجي وجاره اللدود، الذي أخذ يطلق عليه "المستوطِن" بما تشي به هذه الكلمة من دلالات. ومع أنّ صديقه كامل أخبره بأنّ القانون في مصر، منذ لحظة التأسيس حتى اليوم، وضِع محاطاً بالثغرات، فإنّ اللجوء إليه كمن يلجأ لأرض من ملح بعدما داهمه الطوفان. ومع ذلك، وعلى الرغم من انتكاسة أعادته إلى طفولة غابرة، حتى إنّه أصبح يمصّ إبهامه كطفل صغير، إلا أنّه في النهاية، أدرك أنّه واقف في أرضه لا في سبخة ملح.
السرايا:
تزداد ضغوط المستوطِن على سامي، على الرغم من مساعدة صديق والده المحامي له؛ لكنّ الروتين والرشوة لهما اليد الطولى، وتبدأ الجنّة التي حلم بها تتقوّض، فالنوبي حمادة يغادر والحيوانات التي اقتناها تموت، حتى إنّه تخلّى عن معظمها. ثم تُسلم العجوز الروح وتلتحق بطيف ابنها. لم يبقَ لسامي إلا أن يهرب من مواجهة المستوطِن ليعيش في الجهة الخلفية من السرايا. يستولي المستوطن على أرض عائلة ناجي وبعد هذه الواقعة تنقلب عداوتهم لسامي إلى صداقة، وكأنّهم بمكان ما اكتشفوا قرابتهم التي أودعها الباشا في أصلابهم، لكنّ فيلا المستوطِن كانت قد ارتفعت وزاحمت السرايا على وجودها.
ومن هذه الوقائع تنبت أسئلة جديدة عن تاريخ مصر الحديثة من أيام الملكية وثورة عبد الناصر، وكيف آلت الأمور إلى ثورة 25 يناير، وأين يكمن الخطأ؟ فهل يجب جبُّ فصول من تاريخ مصر والاكتفاء بثورة يوليو، أم يجب أن ينفتح حاضر مصر على ماضيها ليستقيم لها مستقبلها؟ تتوزّع هذه الأسئلة على مدار صفحات الرواية متخفّية في تفاصيل الأحداث اليومية. وفي إحدى السهرات مع عائلة ناجي يتساءل سامي عن الكيفيّة التي خسروا بها أرضهم لصالح المستوطِن وهم عصبة؟ وكأنّ السؤال، كيف تخسر الشعوب، وهي مصدر السلطات، أمام من يشبهون أمين عسكر؟
ليست رواية عزّت القمحاوي رواية سياسية مباشرة، وإنّما تنتهج مقولة الروائي الفرنسي ستندال في روايته؛ دير بارما، لعام 1839 حين قال: "السياسة في عمل أدبي أشبه بطلقة مسدس في وسط حفل موسيقي؛ شيء صاخب وفظّ، ومع ذلك لا يمكن للمرء أن يرفض الالتفات إليه". وهذا ما سيلاحظه القارئ، فالقمحاوي يدرك تماماً أنّ الخطاب السياسي ملوّث وفجّ، حتى لو جاء بأسلوب منطقي، لذلك غلّف طعمه السيّئ بحلاوة الأدب. ومن هذه الرؤية كانت روايته تدور في جلّها الأعظم خارج أيّ مقولة سياسية حتى عندما يتمّ التطرّق إلى ذلك، فكانت أقرب إلى رصاصة انطلقت من مسدس كاتم للصوت في حفل راقص لن ينتبه لها أحد إلّا القاتل والقتيل.
لكن هل هزم سامي في نهاية الرواية؟ إنّ البحث عن الإجابة سيكون كمن يذرّ الرماد في العيون لإخفاء الجمر، فسامي أصبحت له عائلة وعصبة، فقد تزوّج حبيبته وأنجب منها أبناء، وعادت علاقته مع أقربائه، وما زالت السرايا تحت يده.