الحقيقة والكتابة: المفاتيح السرية للكتابة
تقتبس بثينة العيسى في كتابها "الحقيقة والكتابة" مقولة وليم غاس: إذا كنت تكتب بشكلٍ رديءٍ فسيصبح لك جمهور، وإذا كنت تكتب بشكلٍ جيّدٍ فسيصبح لك قرّاء.
-
الحقيقة والكتابة لبثينة العيسى: صناعة الرواية بأدوات الحقيقة
يختلف اختيارنا هذه المرّة للكتاب، بين أيدينا كتاب مختلف جدّاً للروائية الكويتية بثينة العيسى، هو كتاب "الحقيقة والكتابة"، تروي بثينة فيه رحلة الكاتب في صناعة الحقيقة في كتابة الرواية، هو كتاب الكتابة الإبداعية أو مثلما ذكرت: هي كتابة عن كتابة، في رحلة البحث عن قوّة الحقيقة في السرد الروائي، عن مكامن صناعة الإبداع الحقيقي في قلب النص الروائي، من أين يبدأ؟ وكيف ينتهي؟ تضيء الروائية على عدّة عناوين رئيسية هي: الحقيقة الروائية، ما هي الكتابة والوصفية، هي ينبغي أن نعرف ماذا نفعل؟، الكتابة الوصفية والحبكة، الكتابة الوصفية والإيقاع، ماذا نصف؟ إلخ..... وتبدأ الروائية بالإهداء مقتبسةً جملة لماركيز: إنّ الحقيقة هي أفضل شكلٍ أدبيٍّ، قصدت هذه الجملة لغبريال غارسيا ماركيز لأنّه الروائي العالمي الأشهر في الواقعية السحرية، وهنا تكمن الدلالة القويّة للحقيقة والكتابة، وبعدها تتعمّق في أدوات الكتابة والرؤية الصائبة لكتابة الرواية والدفاع عن الحقيقة في الرواية، وكيف يمكننا صناعة الحقيقة لكي نتمكّن من العثور على رواية مؤثّرة، ممّا يوحي في هذا الكتاب الثمين الأشبه بالبوح بأسرار الكتابة الروائية عند بثينة العيسى، وما تمتلكهُ من معرفة وتجربة حول الكتابة الروائية، فأرادت وضع الأسرار في يد القارئ أو الكاتب الباحث عن هذا السرّ، ولا سيما أنّها تضع بعد كلّ فصلٍ من فصول الكتاب، ورشّاً تطبيقية عن مضمون الفصل، ما يشبه التدريبات التطبيقية التي تساعد القارئ على الفهم الفعلي لما تريدهُ من إرشادات الكتابة الحقيقية، وكما تضع النصائح للقراءة والمتابعة لعناوين الكتب التي تتمحور حول الموضوع، واقتباسات كثيرة من الروائيين العالميين حول الحقيقة والكتابة، ممّا يُغني الفكرة، ويُصقل ثقافة القارئ، مثلاً في صفحة "75" تقتبس:
يقول ستيفن كنغ: "إنّ التشبيه واللغة الاستعارية هي واحدة من المسرّات الكبرى في الأدب القصصي، قراءتها وكتابتها على حدٍّ سواء. عندما يصيب التشبيه الهدف، فالأمر يساعدنا مثل لقاء صديقٍ قديمٍ في زحامٍ من غرباء. وعبر مقارنة شيئين غير مرتبطين: المطعم والكهف، المرآة والسراب، يمكننا أحياناً أن نرى الأشياء القديمة بصورة جديدة ونابضة".
إنّ الاقتباس الحقيقي من مقولات الروائيين العالميين، ووضعهُ في سياق إضافي للفكرة المطروحة، يساهم بشكلٍ كبيرٍ في صقل الفكرة المطروحة، ممّا يُغني الكتاب بشكلٍ عامٍ، ويوسّع أفق الرؤية في النصّ، وخصوصاً أنّ الروائية بثينة العيسى ذكرت لنا في الغلاف أنّها كتابة عن الكتابة، ممّا يدلُّ على مخزون الخليط الفكري المتعدّد للروائيين العالميين الذي يجب أن نتوقّعهُ للعثور على الحقيقة في الكتابة، نعم، والمؤثّر في ذلك، الخليط الفكري بين الروائيّين من الغرب والعرب وأميركا اللاتينية، فتصبح المعرفة متعدّدة الأساليب والأفكار، وتحاول الروائية الإضاءة على عوالم الروائيين الجغرافية والتراثية من خلال اقتباسات من نصوصهم لاستبيان الحقيقة في كتاباتهم، لأنّ جوهر العمل الروائي هو الحقيقة، حقيقة ما يُكتب وما نكتبهُ، الجمال الروائي يتحقّق في البداية من خلال المغزى الواقعي والصريح للسبب الذي نكتب من أجله، تقول في الصفحة السابقة ذاتها:
"لا يريد قارئ الأدب فحص المفاهيم التجريدية، ولا أن يميّز المشاعر ودوافعها مثل طبيب نفساني. يحتاج قارئ الأدب أن يشعر بما تشعر به الشخصية، وأن تخترقه أفكارها مثل نصلٍ في الرأس".
المقصود أيضاً، أن يتقمّص القارئ دور الشخصية المحورية في النصّ، يشعر معها ويتخيّل نفسهُ هي، بكلّ تفاصيلها وصفاتها، ولكن شريطة أن تكون حقيقية وأقرب إلى تفاصيل عالمه، لكي تستطيع أن تخترقهُ مثل نصلٍ في الرأس، والحوار هو جعل هذه الشخصية تتكلّم، ويصبح لها روح وفكر، وتستطيع أن تحدّد مكانتها في الرواية، هل هي البطلة؟ أم هي شخصية فرعية؟ وحدهُ الحوار يوضّح هذه المكانة، ويساعد القارئ على تقمّص دورها، هنا تدور الأسئلة النفسية لدى القارئ، محاولةً منهُ للبحث عن ذاته فيها، وتواصل بثينة العيسى البوح بهذه المفاتيح السرية لكشف المستور عن الجوهر الحقيقي في كتابة الرواية، وتتنقل في عالم الرواية من ماركيز إلى جورج أورويل حتى ستيفن كنغ، ومروراً بالياس خوري، ونجيب محفوظ، وغسان كنفاني، وتغوص في عوالمهم الروائية لكي تعثر على السحر والمعنى الجمالي، وكما أنّها توضّح لنا الإيجابيات والسلبيات أحياناً في الكتابة، لكي تدلّ القارئ الذي يطمح لكتابة رواية، على مكان الضعف ومكان القوّة، وترشدهُ إلى الانتباه من اللغة الاستهالكية ومن التكرار المملّ، ولفتتني هنا بعض النصائح المهمة جداً، تقول: "لا تكتب الحزن، بل أكتب عن الحزن، ولا تكتب الجوع، بل أكتب عن الجوع".
لأنّ الحزن كلمة مستهلكة ومكرّرة كثيراً في القصص والروايات والشعر، لأنّك حين تكتب عن الحزن تستطيع أن تتوسّع في رؤية الحزن ومعانيه الكثيرة، والجوع كذلك الأمر، ممّا يتيح لك خلق عناصر ورؤية جديدة للنص الروائي، وتجعلك تتخطّى اللغة الاستهلاكية والكليشيهات التي ترهق النص، فالحقيقة والكتابة تتطلّب خلق رؤى جديدة ولغة رشيقة تجذب القرّاء لاستكمال قراءة العمل الروائي بمتعة خاصة، كما تشدّد على ضرورة السرد التفصيلي للمشاهد التي تحتوي على معانٍ مهمة، وتضع بعض التدريبات على السرد المختصر والسرد التفصيلي، ولا تترك الإضاءة على الحسيّ والمجرّد، ووصف الشخصيات، والوصف والمجاز، ووصف الفضاء، فضاء الرواية ومكان أحداثها، وتمرُّ على قوّة التفاصيل ومنطق النص، كلّها تصبّ في الحقيقة الروائية، وتقتبس في الصفحات الختامية مقولة وليم غاس: إذا كنت تكتب بشكلٍ رديءٍ فسيصبح لك جمهور، وإذا كنت تكتب بشكلٍ جيّدٍ فسيصبح لك قرّاء.