الاقتصاد السياسي للديكتاتورية

يؤكد المؤلف بأنّ كلّ الديكتاتوريين يعيدون توزيع الثروة على أصدقائهم وتصبح عملية التوزيع سبباً رئيسياً للمشكلات فيما يسمّى بالنظم السلطوية الرأسمالية مثل تلك الأنظمة التي كانت موجودة في تشيلي، أو كوريا الجنوبية.

  • الاقتصاد السياسي للديكتاتورية
    الاقتصاد السياسي للديكتاتورية

إذا ذاق المرء قطعة من لحم الإنسان تحوّل إلى ذئب.....! ومن يقتل الناس ظلماً وعدواناً ويذق بلسان، وفم دنسين دماء أهله ويشرّدهم ويقتلهم.... فمن المحتمّ أن ينتهي به الأمر إلى أن يصبح طاغية ويتحوّل إلى ذئب... أفلاطون، كتاب الجمهورية.   

   مقدمة :

مصطلح الديكتاتور (Dictator) هو روماني الأصل، ظهر للمرة الأولى في عصر الجمهورية الرومانية، كمنصب حاكم يرشّحه أحد القنصليين بتزكية من مجلس الشيوخ  ويتمتّع هذا الحاكم بسلطات استثنائية، وتخضع له الدولة، والقوات المسلّحة بكاملها في أوقات الأزمات المدنية أو العسكرية، ولفترة محدودة لا تزيد عن ستة أشهر أو سنة على أكثر تقدير.

  وهنا  لست بصدد الحديث عن الديكتاتور كسياق معرفي تقليدي، بل ما يهمّني هنا علاقة الاقتصاد السياسي بالديكتاتورية، ومن هنا يمكن أن ننطلق نحو السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، لماذا بعض الديكتاتوريات استقرّت رزحاً كاملاً من الزمن، كما في الاتحاد السوفياتي زمن ستالين، وكما في ألمانيا الهتلرية وتشيلي زمن بنوشيه، وإيران في عهد الشاه، وكما في إسبانيا في عهد فرانكو..... هل تعتبر الديكتاتورية عاملاً جيداً للنمو الاقتصادي،  وهل أنّ النظم القمعية تتمتع بالشعبية، أو بأنّ كلا الجانبين مهم؟.

في الواقع يتسم كثير من أبعاد سلوك الأنظمة الديكتاتورية بالأهمية بما في ذلك مستوى القمع السياسي، والسياسة الاقتصادية (تجاه النمو الاقتصادي وحقوق الملكية، أو إعادة توزيع الثروة) ومستوى الكفاءة الاقتصادية والمواقف تجاه الدول الأخرى (منفتحة كانت أم منغلقة، مسالمة أم مهدّدة). وربما كانت النقطة المركزية بالتحليل هي رغم أنّ الديكتاتور قد يكون لديه احتكار رسمي فيما يتعلّق بالسلطة السياسية، فإنّ السياسات التي يتّبعها تتأثّر بالقيود النابعة من سلوك الفاعلين الآخرين ــــــ بما فيها الإدارة أو البيروقراطية، القوات المسلحة، ومدى الدعم أو المعارضة من التابعين للديكتاتور. 

تعيش  الكثير من دول العالم إلى الوقت الحالي في ظلّ ديكتاتوريات خانقة، ولا نعرف بالحقيقة سوى القليل جداً عن  سبب استمراريتها ونظمها، والسبب الهامّ  في عدم معرفتنا، يرجع بالمطلق إلى أنهّا تجنح نحو أن تكون مجتمعات مغلقة، ويصعب بمكان الحصول على معلومات تتعلّق بها، والسبب الآخر الجوهري هو أنها مكروهة، بالقمع  والأوامر، كما يتمّ تقرير السياسات إلى المستوى الأعلى ـــــ بواسطة مجموعة  صغيرة من المستشارين ـــــ وعندئذ تفرض على  شعب لا حول له ولا قوة. وبالتالي يرضخ الشعب لهذه الأوامر إما نتيجة للخوف من ناحية، أو بسبب غسيل المخ، أو التلقين، أو السيطرة الفكرية من ناحية أخرى.

ما السياسات التي يجب اتباعها تجاه الديكتاتوريات من قبل النظم الديمقراطية التي تهتم بتطوير الحرية؟

حلّلت عالمة العلوم السياسية كير كباتريك التي صارت السفيرة الأميركية لدى منظمة الأمم المتحدة في عهد رونالد ريغن بأن صنّفت الديكتاتوريات إلى نوعين؛ الشمولية، والأوتوقراطية التقليدية. وبحسب تفكيرها تحكم الديكتاتوريات بعمليات القمع فقط، والفرق بين النوعين هو في مستوى عمليات القمع، فالديكتاتورية الشمولية تتسم بالتدخّل الحكومي الهائل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، والنوع الثاني يكون فيه مستوى القمع أقلّ (القمع الناعم). وأوحت بأنّ الولايات المتحدة الأميركية وبعض البلدان التي تهتمّ بتطوير الديمقراطية تتبع معياراً مزدوجاً تجاه هذين النوعين متخذة موقفاً متراخياً نسبياً تجاه دكتاتوريات القمع الناعم، وتفرض عقوبات على الشمولية.

وبهذا الشأن هناك بعض النتائج البسيطة الأخرى التي تؤثّر على كيفية تعامل الدول الديمقراطية مع النظم الدكتاتورية، حيث إنّ النظم الديمقراطية يجب عليها ألّا تثق في ديكتاتوريات شمولية  مُصلحة ـــــ فإذا تحسّن الاقتصاد فإنّ الحافز لدى الديكتاتور هو زيادة عمليات القمع وليس نقصان عمليات القمع، ويجب ألّا يؤمنوا أبداً بديكتاتور يبدو عطوفاً، الطريقة الوحيدة لمعرفة ما إذا كان حقاً عطوفاً، هي فحص مستويات عمليات القمع في النظام، فإذا كانت مرتفعة فإنّه طاغية متنكّر كديكتاتور قمع ناعم، وإذا كانوا حقاً محسنين فلن يستمروا في الحكم.

في أحد فصول الكتاب يطرح المؤلف المداخل البديلة لاقتصاديات الديكتاتورية والتي يقسّمها إلى أربعة نظم؛ وهي حكومة اللصوص، الديكتاتورية التسلّطية الرأسمالية، اقتصاد الأوامر، اقتصاد الظلّ. ففي حكومة اللصوص يتدخّل الديكتاتوريون في الاقتصاد للتأثير فقط على إعادة توزيع  الموارد بالنسبة إليهم، وبالنسبة لداعمي الولاء الذين يرغب النظام في مكافأتهم. أما في اقتصاد الأوامر، فتصدر الأوامر من قبل النظام لمديري المشاريع من المركز ويجري تحفيز المديرين على تنفيذها عن طريق تهديدات واضحة أو ضمنية بالعقاب. 

لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه من خلال هذه التقسيمات التي لن يكون بمقدورنا الإسهاب بشرحها وإعطاء أمثلة عنها، فهل تميل النظم الديكتاتورية إلى إعادة توزيع الدخل أو الثروة أكثر أم أقلّ من النظم الديمقراطية. يجيبنا المؤلف بأنّ كلّ الديكتاتوريين يعيدون توزيع الثروة على أصدقائهم وتصبح عملية التوزيع سبباً رئيسياً للمشكلات فيما يسمّى بالنظم السلطوية الرأسمالية مثل تلك الأنظمة التي كانت موجودة في تشيلي، أو كوريا الجنوبية.

ومن وجهة نظر اقتصادية يقترح المؤلف أنّ الاهتمام الأساسي بالنسبة للنظم الديكتاتورية هو إمكان أن تكون الأشكال الأوتوقراطية للنظام الاقتصادي فيها قد تفوّقت على تلك التي كانت في النظم الديمقراطية فيما يتعلّق بتشجيع النمو الاقتصادي، وكفاءة الاقتصاد، وقد كان هذا الاعتقاد  كابوساً يتكرّر منذ بداية القرن العشرين بالخوف من الشيوعية  كنظام اقتصادي، متبوعاً بالإعجاب والخوف من طاغوت هتلر في الثلاثينيات وامتداد ذلك في السنوات الأخيرة إلى التهديد من قبل المؤسسات اليابانية و"القيم الأسيوية" وكوريا الجنوبية وشيلي، والآن السوق الحرّة للشيوعية في الصين.

يقول المؤلف: تمكث كلّ الديكتاتوريات في السلطة من خلال استخدام أداتين مهمتين؛ هما القمع السياسي وتراكم الولاء. وإحدى الطرق الشائعة لخلق الولاء، في العالم الحديث، هي في تنشيط النمو الاقتصادي. ويسأل هل الديكتاتوريات أكثر مقدرة على التفوّق في النمو الاقتصادي عن الديمقراطيات؟ وهل هي أقلّ عرضة إلى ضغوط اقتناص فرص الربح الاحتكاري أو إعادة توزيع الثروة؟ وهل يؤدّي استخدام نظام الأسواق الحرّة حتماً إلى تقليص الديكتاتورية؟ 

الكتاب كبير وغزير الأفكار يطرح أربعة عشر باباً، تتناول هذه الأبواب آليات النظم الديكتاتورية، الصراع العرقي والقومية، اقتصاديات الحكم المطلق، الاقتصاد الديكتاتوري، ديكتاتورية القمع الناعم والديكتاتورية الشمولية، إعادة توزيع الدخل في الدول السلطوية ـــــ الرأسمالية، الاقتصاد البيروقراطي، الصعود والسقوط، تأمّلات في الشخصية  السلطوية، السلطة والقوة، تأثير الأداء الاقتصادي على سلوك دكتاتور القمع الناعم... والطغيان، إضافة إلى مواضيع أخرى ليس من الممكن التطرّق إليها في هذه المراجعة.  

اخترنا لك