آلات بلا ضمائر وبشر بلا وظائف: هل تعمّ البطالة العالم؟
الانتقال الجاري ليس نهاية التاريخ، لكنه ربما نهاية عصر كامل من تعريف الإنسان عبر إنتاجه. البشر مقبلون على اختبار وجودي لم يسبق له نظير: هل يستطيع الإنسان أن يكون ذا قيمة وهو ليس منتجاً؟ هل يتقن فنّ العيش بلا جدول عمل؟
في خريف عام 2024، أعلنت مجموعة "آي بي إم" إحالة 2300 موظف في قسم المهام الإدارية الوسطى إلى التقاعد المبكر، لتحل محلهم نماذج لغوية تدير جداول المناوبة وترد على الاستفسارات الداخلية.
قبلها بشهور، استغنت "غوغل" عن مئات من مطوري الواجهات البسيطة، مستبدلة إياهم بأدوات تولد كوداً متكاملاً من وصفة نصية. تتكرر هذه المشاهد في صمت. كل إعلان تسريح جديد يؤكد أن الموجة لم تعد قادمة، لأنها ها هي راسية على أبوابنا، تحمل في جعبتها فتحاً طبياً وهندسياً مذهلاً، وفي الوقت نفسه قنبلة اجتماعية موقوتة.
تكمن الدهشة في قدرة هذه النماذج على تحليل صور الأشعة المقطعية بدقة تفوق العين البشرية، وتكمن المفاجأة في سرعة استبدالها لمحررين قانونيين قضوا 20 عاماً في صقل لغتهم الاصطلاحية. بين هاتين الحقيقتين، يقف الاقتصاد العالمي معلقاً في لحظة انتقالية عنيفة، تشبه دفع قطار بسرعة قصوى نحو محطة لم تُجهز مرافقها بعد.
أسطورة "الوفرة المقبلة"
ثمة من يقرأ المشهد كمواجهة أخلاقية بين رأسمالية جشعة وتقنية بريئة. المشهد الأعمق يكمن في ديناميكية السوق نفسها، حيث الضغوط الفصلية لخفض التكاليف تصنع إغراءً محاسبياً لا يقاوم. فالذكاء الاصطناعي استثمار ثابت التكلفة ومتغير الناتج، وهذا ما يفسر اندفاع الشركات نحوه. نية المستثمر وحدها لا تفسر شيئاً.
الغياب الحقيقي هو غياب إطار تنظيمي يبطئ وتيرة هذا التحول، ويمنح المجتمعات مهلة لالتقاط الأنفاس وإعادة تدريب قواها العاملة.
هنا تبرز ضرورة فضح الأسطورة الترويجية الأكثر تغذية لهذا الجمود، والتي يطلقها رواد التكنولوجيا كإيلون ماسك، حين يبشرون بـ"وفرة قريبة" تلغي الحاجة إلى العمل نهائياً. هذا الخطاب، رغم بريقه الخيالي، يقوم على مغالطتين قاتلتين.
الأولى، افتراض أن الوفرة الإنتاجية تعني تلقائياً وفرة التوزيع، متجاهلاً أن التاريخ الاقتصادي كله هو صراع على حصص الوفرة، لا على إنتاجها. والثانية، اختزال الإنسان في "مستهلك" بيولوجي يمكن إشباعه برقائق السيليكون، متغافلاً عن حاجته النفسية العميقة للتنظيم والاعتراف والصراع مع المادة.
والأكثر إدانة أن شركات ماسك نفسها تمارس أسرع عمليات التسريح التكنولوجي، من دون أن تقدم لموظفيها المهجرين نموذجاً واحداً من "الوفرة" التي يخطب لها على المنصات. هذا الانفصام يكشف أن حديثه، بكل بهائه، هو في جوهره تغطية أيديولوجية لتسارع رأسمالي أعمى، يمرر فكرة أن المشكلة تحل حين تستبدل البشر آلياً، بينما المشكلة الحقيقية تبدأ حين يجد هؤلاء البشر أنفسهم خارج المعادلة تماماً.
صناديق الريع.. وأعباء الجنوب العالمي
القراءة الاقتصادية السطحية تكتفي بالحديث عن ولادة وظائف جديدة، كخبراء المطالبات النصية ومسؤولي حوكمة الذكاء الاصطناعي. هذه الوظائف موجودة فعلاً، لكنها تستوعب نخبة ضيقة من حملة الشهادات العليا في الرياضيات وعلوم الحاسب.
الأزمة الحقيقية تكمن في فجوة المهارات الهائلة. مليون سائق شاحنة أميركي، و3 ملايين موظف استقبال وعمليات كتابية في أوروبا، وعشرات الملايين من العاملين في سلاسل التوريد الآسيوية. هؤلاء لا يتحولون بين عشية وضحاها إلى مبرمجين، ولا تملك الجامعات زخماً كافياً لإعادة تأهيلهم بوتيرة تفوق سرعة نضج النماذج الجديدة.
الانتقال العادل ليس شعاراً رومانسياً، بل معادلة توزيعية صعبة. عندما تتضاعف أرباح شركة بسبب الأتمتة، يتجه السؤال إلى آلية اقتطاع جزء من تلك الريع التكنولوجي لتمويل صناديق دعم انتقالي، تشبه الصناديق السيادية، تمنح العمال المسرّحين دخلاً أساسياً مشروطاً بإعادة التعليم المستمر.
وقد بدأت دول الشمال الأوروبي فعلياً تجارب من هذا النوع، لكن تطبيقه في دول الجنوب العالمي، حيث الدين الخارجي يلتهم الموازنات، يظل أشبه بمعضلة رياضية بلا حل واضح. هنا يبرز دور السياسة النقدية الدولية، وهو دور غائب تماماً عن خطاب الشركات التقنية الكبرى.
تفكيك قدسية العمل
أما البعد الفلسفي الأكثر إيلاماً، فيتعلق بتفكيك قدسية العمل كمرتكز للهوية. المجتمعات الغربية خصوصاً والعربية تبعاً لها، بنت تصورها للكرامة الإنسانية على الإنتاجية اليومية. ما يحدث الآن يعيد طرح سؤال ظل مهمشاً منذ عصر التنوير: إن تمكنت الآلات من تلبية الاحتياجات المادية الأساسية، فبماذا يملأ الإنسان فراغ وجوده؟ هل يصبح الفن والرياضة والتطوع والمجالسة الإنسانية مجرد "ترفيه تعويضي"، أم يمكننا هندسة مجتمع ما بعد الندرة تعاد فيه تعريف القيمة وفق معايير التأثير الاجتماعي والابتكار النوعي لا عدد ساعات الدوام؟
هذا التحول حاضر على طاولة القرن الحالي، ينتظر من يقرر شكله. التجارب الأولية لتطبيق أسبوع عمل من 4 أيام في بعض الشركات البريطانية أظهرت ارتفاع الإنتاجية وانخفاض الإجهاد، لكنها لم تجب بعد عن السؤال الأعمق: كيف نُقنع رأس المال بأن الاستثمار في وقت الفراغ الإنساني المدروس، يعود بعوائد أفضل من تكديس الوحدات الإنتاجية الآلية؟
التشريعات وحدها لا تكفي، وإلقاء التبعة على الحكومات وحدها ظلم. المطلوب حوار ثلاثي الأضلاع، الحكومات تضع حداً أدنى لفترات الإشعار بالتسريح التكنولوجي، والشركات تلتزم بإنشاء مراكز إعادة تأهيل داخل مقراتها بدلاً من عقود الاستعانة بمصادر خارجية، والنقابات العمالية، التي ضعف صوتها في العقود الأخيرة، تحتاج إلى إعادة اختراع أدواتها لتشمل مفاوضة الخوارزميات لا المفاوضة الجماعية التقليدية فحسب.
النماذج اللغوية الكبيرة ستتطور، وستتجاوز عيوبها الحالية في الاستدلال المنطقي، لكن ما لن تتطوره بالضرورة هو حس المسؤولية العابرة للحدود. البشر وحدهم من يملكون تلك القدرة على النظر إلى العقد القادم وهم يتخذون قرارات اليوم.
هل تعمّ البطالة العالم؟
ثمّة سؤال يطل برأسه على كل ما سبق، سؤال لا يملك جواباً جاهزاً، ولا يمكن اختزاله في استطلاع رأي أو دراسة جدوى: هل نصبح جميعاً عاطلين من العمل؟
ربما يكون السؤال نفسه محمّلاً بافتراضات قديمة. الأجدر بنا أن نسأل: هل نستطيع أن نعيد تعريف العمل قبل أن تعيده الآلات من دوننا؟ العمل بالمعنى التقليدي - تسجيل الحضور، تنفيذ المهام الروتينية، إنتاج تقارير دورية - هذا النمط آيل إلى الانقراض حتماً. لكن ثمة أشكالاً أخرى من الفعل الإنساني لا يمكن للخوارزميات أن تحاكيها مثل الفعل الذي ينبع من الفضول، والتواصل الذي يقوم على الحدس، والإبداع الذي يولد من الفوضى، والرعاية التي تحتاج إلى دفء اللمس.
الانتقال الجاري ليس نهاية التاريخ، لكنه ربما نهاية عصر كامل من تعريف الإنسان عبر إنتاجه. البشر مقبلون على اختبار وجودي لم يسبق له نظير: هل يستطيع الإنسان أن يكون ذا قيمة وهو ليس منتجاً؟ هل يتقن فنّ العيش بلا جدول عمل؟
الأجيال القادمة لن تسألنا إن كنا قد بنينا ذكاءً اصطناعياً فائقاً، ستسألنا: بأي ثمن بشري اشتريتم هذا التفوق، وهل بقي للإنسان في عالمكم مكان غير كرسي المتفرج؟
