يوسف حداد؛ خواطر في سيكولوجية العربي "الأليف"...!

بعد رحلة علاج وتأهيل طويلة، لم ينقلب حداد على "الدولة" التي قاتل من أجلها، بل تحوّل إلى أحد أبرز المدافعين عنها، ثم أسّس لاحقاً، جمعية "معاً كفلاء لبعضنا البعض"، التي تعمل على دمج العرب في المجتمع الإسرائيلي.

0:00
  • لم يكن يوسف حداد، عربياً يقف على هامش المجتمع الإسرائيلي!
    لم يكن يوسف حداد، عربياً يقف على هامش المجتمع الإسرائيلي!

لم يأتِ وصف الصحافي الإسرائيلي رفيف دروكر، لناشط الدعاية الإسرائيلي العربي يوسف حداد بـ "الأليف" مفاجئاً أو صادماً، لا لجمهورٍ واسع من المواطنين العرب في "إسرائيل"، ولا للإسرائيليين أنفسهم.

يضرب الصحافي دروكر على العصب العربي المتبقّي من ذاكرة الحداد، ويُذكّرهُ بأنّ "اليهود يحبّون العربي حينما يكون أليفاً"، وليس بصفته إنساناً يمكن التصويت له، أو الشراكة السياسية معه، أو منحه موقعاً إدارياً في "الدولة"، كما أفتى بذلك حاخام الصهيونية الدينية شلومو أفينر حين حرّم التصويت لحزب "شعبك إسرائيل"، الذي يشغل فيه العربي يوسف حداد المرتبة الثانية. فلا يجوز، وفق الحاخام، منح غير اليهود أو "الأغيار" مناصب قيادية على مستوى "الدولة"، حتى لو كانوا من أصلح الصالحين من بين أمم العالم.

يمثّل سلوك يوسف حداد جوانب من الصورة المثالية للعربي "الأليف" التي يرغب الإسرائيليون في رؤيتها؛ ليس لديه أيّ انتماء ديني أو وطني أو قومي، مُوالٍ جداً، لا يقول إلا ما يُريد الإسرائيليون سماعه، من دون أيّ خطاب من شأنه أن يتحدّى الرأي العامّ الإسرائيلي. والعربي، لا يكون "أليفاً" إلا إذا استجاب لمطالب الإسرائيليين؛ فإما أن يكون "أليفاً"، أي داعماً أعمى لـ "إسرائيل"، أو "مُخرّباً" مُثيراً للسخرية، وحبذا لو كان أكثرَ "بياضاً" من العربي "العادي".

ومع أنّ الدور الذي يؤدّيه الحداد قد يكون مدفوعاً بمنفعة مادية، إذ تدفع "إسرائيل" له ولأمثاله من "العرب" آلاف الدولارات لتبييض صورتها وتلميعها بين الأمم. وربما يكون هدفه السعي وراء الظهور والبقاء في صدارة النقاش العامّ، أو الحصول على كرسيّ بأيّ ثمن؛ فالمشي عكس التيار ومعاندته، طمعاً في مكاسب شخصية سياسية أو اجتماعية، يمنح صاحبه مساراً سريعاً للوصول. 

ومع ذلك، يبقى يوسف حداد حالة نادرة استثنائية قلّ نظيرها بين العرب الذي خدموا في "الجيش" الإسرائيلي أو نذروا أنفسهم لخدمة الرواية الصهيونية. فالرجل لا يقف عند حدود المعروف أو المألوف من "التصهيُن"، بل يذهب في حدود كراهيته العمياء لكلّ ما هو عربي وفلسطيني إلى أقصى حدود التطرّف المُتخيّل. 

اختار حداد منذ سنوات، أن يكون في الجهة الأخرى النقيضة للكثير من مواقف وتطلّعات المجتمع العربي، وكرّس حضوره الإعلامي والسياسي لمهاجمة العرب والأحزاب العربية ومحاولة الظهور كصوت "مختلف" عن أبناء مجتمعه. وكأنه أراد أن يختزل هوية المجتمع العربي وتاريخه وكرامته وتضحياته، في شخصه أو أن يحوّل قضاياه إلى ورقة في معركة انتخابية.

لم يكن يوسف حداد، عربياً يقف على هامش المجتمع الإسرائيلي، فقد أمضى سنوات طويلة من عمره في الدفاع عن "إسرائيل" و"جيشها"، وخاض معاركها في لبنان وخسر قدمه، ثم حمل روايتها إلى المنابر الدولية.

وحداد، البالغ من العمر 41 عاماً، هو عربي مسيحي من عائلة تنحدر من مدينة الناصرة. وعلى الرغم من أنّ الخدمة العسكرية ليست إلزامية للعرب في "إسرائيل"، تطوّع حداد في "الجيش" الإسرائيلي عام 2003 وانضمّ، بطلبٍ منه، إلى لواء "غولاني"، قبل أن يصبح قائداً في صفوفه. وخلال حرب لبنان الثانية عام 2006، أصيب بجروح خطرة بصاروخ "كورنيت" في معركة بنت جبيل، ما أدّى إلى بتر قدمه. 

وبعد رحلة علاج وتأهيل طويلة، لم ينقلب حداد على "الدولة" التي قاتل من أجلها، بل تحوّل إلى أحد أبرز المدافعين عنها، ثم أسّس لاحقاً، عام 2018، جمعية "معاً كفلاء لبعضنا البعض"، التي تعمل على دمج العرب في المجتمع الإسرائيلي.

ثمّ اختار أخيراً، حزباً صهيونياً عنصرياً مُتطرّفاً، يدعو زعيمه إلى تهجير الفلسطينيين في غزة والضفة، ويرفض فكرة الدولة الفلسطينية، ويؤمن أنّ إخضاع العرب بالقوة هو الحلّ الأمثل للتعامل معهم. وقد ذهب الحداد في سباق "إثبات الولاء" إلى التغلّب على زعيم حزبه، وعلى بن غفير وسمتيريتش وكلّ "عُتاة" ودعاة الكهانية الصهيونية المتطرّفة في "إسرائيل"، حين قطع على نفسه عهوداً مُغلظة بتهجير الفلسطينيين في القطاع، إن أصبح وزيراً، قائلاً: "لو أعطينا كلّ مواطن غزيّ عشرة آلاف دولار ليهاجر لقيل بأنّ هذا سلوكّ فاشيّ؛ أما أنا العربي فسأفعل ذلك، وليقولوا عني عنصريّ فاشيّ..!  

يمثّل الحداد، وفق علم النفس، وهو يُمعِنُ في استمراء التزلّف والتذلّل والارتهان لأفكار اليمين الصهيوني المتطرّف، نموذج مريض "متلازمة ستوكهولم"؛ وهي حالة نفسية تصيب "الضحية" عندما تبدأ بالتعاطف مع الجاني أو القاتل، أو حتى الدفاع عنه وحمايته. وهو ولا ريب، سلوك "مازوخي"؛ أو اضطرابٌ نفسيٌ يقوم فيه الشخص بإيذاء نفسه لفظياً وربما "بدنياً"، أو "يسمحُ" لغيره أن يفعل ذلك به، ويسمّى أيضاً اضطراب الشخصية المُحبطةِ للذات، أو اضطراب الشخصية المهزومةِ ذاتياً.

من خصائص هذه الشخصية، أنها تسعى بكلّ الطرق إلى أن تكون في الأماكن والمواقف التي يتوفّر لها الأذى فيها، وتسعى لتحقير النفس وإيذائها، مع الشعور بالمتعة واللذة الداخلية عند ممارسة ذلك. وقد يستمر الشخص المازوخي "بمدحِ" مُحقّريه وإسباغ شيء من الهالة "والقداسة" على كلّ أفعالهم وكلّ ما يصدر عنهم، كان غثاً أم سميناً. والشخص المازوخي لا يكتفي أو يقف عند الموقف "المجرّد" من قاهره، بل يُبدعُ في وصف خصائصه الفذة الفريدة ويرفع وتيرة نِفاقه له فيُشيد بإنجازات "سيّده"، حقيقيةً كانت أم وهمية، ويضخّم ما يقوم به ويهاجم منتقديه.

وقد أثبتت الدراسات، أنّ النفسية "المازوخية" دنيئة، تستبطن الكُرهَ وتظهرُ التحبّب، لكنها متصالحة مع نفسها، لذلك يشعُرُ المازوخي بالراحة النفسية أكثرَ من المنافق. وعادةً ما يتلقّى "المازوخي" الألم من شخص آخر، وهذا الشخص أو الجهة أو الشريك "الاجتماعي أو السياسي"، لا يتمتع بأيّ صفاتٍ خاصة بل قد يكون منبوذاً مُنتقداً، لكنّ "صاحبنا المازوخي"، لا يرى "النقيض"، واحيناً هو أعجزُ من أن يراه، فهو يفكّرُ باتجاهٍ واحدٍ فقط، ولسان حاله يقول: "دعك من التفكير التشابكي، الذي يضع في رأسك سيلاً من التناقضات التي تؤرقك، تَبنَّى موقفاً واحداً، لتكون إما "مازوخياً" يدري لمن يُطبّل، ولماذا يُطبّل، أو مازوخياً "ببغاوياً" يردّد فقط ما يُقال أمامه. 

والشخص المازوخي ليس بحاجةٍ إلى "الموت" في سبيل من "يُطبّل" له، مع أنّ "صاحبنا" كاد أن يفعل، يكفيه أن يكون ماهراً في اللغة والتلميع، أو إلقاء الخطب الدعائية والشعارات الرنّانة، والأهمّ، أن يكون مُحترفاً في التقاط اللحظة المناسبة لممارسة هواية التطبيل، أو فنّ "الهسبراه"..! 

وأخيراً، يبقى أن نُذكّر كلّ عربي "أليف"، بالقصة المتداولة عن انشقاق أحد كبار مساعدي هتلر في الحرب العالمية الثانية، والذي لجأ إلى بريطانيا فرحّبت به ترحيباً كبيراً وأنزلته في أفخم فنادقها، وبعد أسبوع طلبت منه المخابرات البريطانية تحديد أهدافٍ مُهمةٍ في ألمانيا فرفض التعاون وقال جملته المشهورة :"انفصلت عن هتلر، لكنني لم أنفصل عن ألمانيا"، فتمّ إعدامه وهو يضحك قائلاً: "للأوطان حرمةٌ...لا يبيعها إلا الأنذال"!