وهم الرهان العربي على خطة ترامب
تعثّر خطة ترامب بشأن غزة واستمرار التعنّت الإسرائيلي، في ظل غياب ضمانات أميركية حقيقية وتصاعد الدعوات إلى ضغط عربي وإسلامي أكبر لفرض تسوية تفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة.
-
وهم الرهان العربي على خطة ترامب
قام جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط، بجولة جديدة في المنطقة يومي الأحد والاثنين الماضيين، اقتصرت على مصر و"إسرائيل" واستهدفت، من ناحية، تهدئة الأوضاع في غزة والحؤؤل دون أن تؤدي المزايدات الانتخابية في "إسرائيل" دون انفجارها، ومحاولة تذليل العقبات التي ما تزال تحول، من ناحية أخرى، دون وضع خطة ترامب لتسوية الأزمة موضع التنفيذ، خصوصاً ما يتعلق منها بنزع سلاح حماس وبقية فصائل المقاومة الفلسطينية. ولأن "إسرائيل" كانت وما تزال تسعى لاستخدام هذه المسألة ذريعة لتبرير عدم الانسحاب من القطاع والإبقاء عليه مدمراً وغير قابل للحياة، أملاً في أن يشكل ذلك عاملاً ضاغطاً يدفع نحو التهجير القسري ويساعد على إخلاء القطاع من سكانه، تمهيداً لإعادة احتلاله واستيطانه، فقد حظيت هذه الزيارة باهتمام خاص وشكلت في الوقت نفسه لحظة اختيار جديدة لمدى جدية الرئيس ترامب وقدرته على المضي قدماً في تنفيذ خطته، خصوصاً وأن الزيارة جاءت في توقيت بالغ الحساسية.
فقد سبقتها مؤشرات عديدة توحي بعودة الحياة من جديد إلى "خطة ترامب للسلام في غزة" بعد فترة طويلة من الجمود، خصوصاً بعد أن أدلى الرئيس ترامب بتصريحات تفيد بأن حركة حماس وافقت على نزع سلاحها وعبّر عن سعادته البالغة بهذه الخطوة "التاريخية" التي أكد أنها ستساعد على التغلب على إحدى أهم العقبات التي حالت دون تحقيق السلام في قطاع غزة، وبعد أن طرح ميلادينوف، المدير التنفيذي لمجلس السلام، خطة من 15 بنداً وُصفت بأنها "خارطة طريق لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب الشاملة للسلام في غزة"، ما أوحى بأن عجلة التسوية بدأت تدور بعد طول توقف. صحيح أن نتنياهو، المتربص دوماً بعملية السلام والحريص على وأدها في المهد، اعترض على هذه الخطة ولم يتردد في الإعلان عن رفضه الصريح لها، لكن البعض حاول التخفيف من تأثير هذا الموقف ورأى فيه مناورة انتخابية موجهة للداخل الإسرائيلي. لهذه الأسباب، حين أُعلن في البيت الأبيض أن كوشنر سيزور المنطقة قريباً، استنتج كثيرون أن واشنطن أصبحت أكثر تصميماً هذه المرة على تنفيذ خطة الرئيس ترامب، حتى لو تطلّب الأمر ممارسة ضغوط حقيقية على نتنياهو، وهو الانطباع الذي ترسّخ في لقاء كوشنر خلال زيارته بخليل الحية، رئيس المكتب التنفيذي لحركة حماس، وهو تطور مهم يوحي بأن إدارة ترامب قررت التعامل مباشرة مع أصحاب الحل والعقد في غزة، من دون أن تقيم وزناً لأي حساسيات أو عقد تتعلق بخصوصية العلاقات الأميركية الإسرائيلية.
أشارت التقارير الإعلامية التي صدرت عقب لقاء كوشنر مع نتنياهو، والذي حضره ميلادينوف، واستغرق 4 ساعات، أن نتنياهو حرص على دعوة رؤساء الأجهزة الأمنية للمشاركة في هذا اللقاء، ربما لكي ينفي عن نفسه تهمة تغليب مصالحه الشخصية على المصالح الوطنية، ولإثبات أن الاعتبارات المتعلقة بأمن "إسرائيل" هي شغله الشاغل، كما أشارت إلى أن نتنياهو قام بتوبيخ كوشنر بسبب لقائه مع خليل الحية في مصر، وكلها إشارات توحي بأنه كان لقاء صعباً ومتوتراً، وأن نتائجه الملموسة كانت محدودة، وتنحصر في الاتفاق على تشكيل لجنتين، الأولى: لجنة نزع السلاح، حيث يتردد أنه تم الاتفاق على أن يتولّى جنرال أميركي مسؤولية التحقق من نزع سلاح حماس، والثانية: لجنة الصحة العامة والمياه والصرف الصحي، التي ستركز على بحث المسائل المتعلقة بالمياه والصرف الصحي والصحة العامة، خصوصاً بعد أن ثبت أن أوضاع الصحة العامة في قطاع غزة وصلت إلى حالة مزرية تنذر بأفدح الأضرار، بسبب تكدّس أكوام القمامة وانتشار الحشرات وتفشّي الأوبئة ما يشكل تهديداً خطيراً، لا لأمن سكان القطاع فحسب، وإنما لأمن "إسرائيل" في الوقت نفسه.
الاتفاق على إنشاء هاتين اللجنتين لا يعني أبداً أن لقاء كوشنر مع نتنياهو حقق تقدماً أو اختراقاً يُذكر في القضايا الجوهرية. فتشكيل لجنة مشتركة لنزع السلاح لا يعني حدوث أي تغير في الموقف الإسرائيلي من هذه المسألة الحيوية، بل ويدل على أنه ظل متعنّتاً ولم يتزحزح قيد أنملة. فما زال نتنياهو يصر على أن نزع سلاح جميع فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة هو الخطوة الأولى التي يجب أن تسبق أي خطوة تقوم بها "إسرائيل"، سواء تعلق الأمر بالانسحاب أو بالإعمار أو حتى بزيادة المساعدات الإنسانية، وأن الاتفاق عليها ينبغي ألّا يقيّد حق "إسرائيل" في مطاردة الفصائل الفلسطينية المسلحة في كل الأوقات، قيادات وأعضاء، إلى أن يتم إخلاء القطاع تماماً من السلاح، أو أن يمس بحقها في الرد على أي تهديد حالي أو محتمل، ما يعني أن "إسرائيل" تريد أن تحتفظ لنفسها بالحق في إطلاق النار من طرف واحد!!! أما الموافقة على إنشاء لجنة أميركية إسرائيلية مشتركة للمياه والصرف الصحي والصحة العامة، فيعكس حرص "إسرائيل" على صحة مواطنيها أكثر مما يعكس قلقاً على تدهور الأوضاع الإنسانية للفلسطينيين.
والواقع أن المقارنة بين الموقف الإسرائيلي المتعنّت، والذي وصل إلى حد التطرف المستفز، والموقف الحمساوي المرن، والذي وصل إلى حد التفريط في الحقوق، يمكن أن تكشف بوضوح، لا عن الخداع الأميركي فحسب، بإظهار الولايات المتحدة بمظهر القوة العالمية العاجزة عن التعامل مع كيان يعتمد عليها في كل شيء، وإنما أيضاً عن الخنوع العربي والإسلامي، بإظهار الدول العربية والإسلامية التي انساقت وراء ترامب في تبنّي خطته بشأن غزة، رغم كل ما تنطوي عليه من ثغرات، بمظهر الأطراف الفاقدة للبوصلة، والتي لم يعد أمامها من خيار آخر سوى مواصلة الضغط على حماس وفصائل المقاومة لتقديم المزيد من التنازلات في كل مرة تصل فيها المفاوضات إلى طريق مسدود بسبب التعنّت الإسرائيلي، من ناحية، والخداع الأميركي، من ناحية أخرى، إلى أن وصلت الأمور إلى الحالة الراهنة، والتي تجد فيها حماس نفسها مطالبة بنزع سلاحها بعد تجريدها من أهم أوراقها التفاوضية، ألا وهي ورقة الأسرى الإسرائيليين، ومن دون أي ضمانات تلزم "إسرائيل" والولايات المتحدة بالوفاء بالالتزامات المنصوص عليها في الوثيقة الأصلية.
يبدو لي أن موقف حماس الحالي من مسألة نزع السلاح وصل إلى النقطة التي يستحيل تجاوزها، وإلا تعرّضت القضية الفلسطينية نفسها لخطر التصفية التامة والنهائية. فبعد أن أبدت حماس استعدادها لتسليم السلاح لهيئة وطنية فلسطينية تتولى جمعه وتخزينه، بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع وفق جدول زمني محدد، على أن يُعاد تسليمه للهيئات المنتخبة المعنية بأمن الدولة الفلسطينية بعد قيامها، لم يعد هناك مجال لأي تنازل آخر يمكن لحماس أو لغيرها تقديمه من أجل إثبات حسن النية والرغبة الصادقة في التوصل إلى سلام حقيقي تعيش في كنفه كل شعوب المنطقة. فتخلّي حماس عن سلاحها، ومعها بقية فصائل المقاومة الفلسطينية، يجب أن يكون الخطوة الأخيرة التي تُختتم بها المرحلة الانتقالية وتسبق مباشرة إجراء الانتخابات الفلسطينية العامة، الرئاسية والبرلمانية والمحلية التي تشارك فيها القوى الفلسطينية كافة، التي ينبغي الاستناد إلى نتائجها لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية التي لا يمكن للقضية الفلسطينية أن تُحل من دون قيامها.
غير أن "إسرائيل" ما تزال بعيدة تماماً عن هذه الرؤية فهي ترفض من حيث المبدأ قيام دولة فلسطينية مستقلة، ولا يوجد فيها أي حزب أو تيار سياسي قادر على خوض الانتخابات المقبلة استناداً إلى برنامج سياسي يتبنى هذه الرؤية. وفيما يتعلق بقضية نزع السلاح في غزة، تصر الحكومة الإسرائيلية الحالية على أن تتولّى بنفسها الإشراف على عملية جمع السلاح للتأكد من خلوّ القطاع بأكمله من أي قطعة سلاح، وأن تقوم بتدميره تماماً حتى قبل أن تبدأ في مباشرة الانسحاب من أي جزء من القطاع. ولو تمكنت "إسرائيل" من تحقيق هذا الهدف، فلن يكون بمقدور أي قوة على وجه الأرض أن تجبرها على الانسحاب من القطاع. فمن الواضح تماماً أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تستخدم موضوع نزع السلاح ذريعة لتبرير عدم الانسحاب من القطاع، لأن هدفها الحقيقي هو إعادة احتلاله بالكامل، بعد التهجير القسري لسكانه، ثم زرعه بالمستوطنات من جديد، مثلما يحدث في الضفة الغربية.
ليس من الواضح بعد ما إذا كان كوشنر قد تمكن في زيارته الأخيرة من الحصول من نتنياهو على التزام بالتهدئة في القطاع خلال فترة الدعاية الانتخابية التي بدأت بالفعل، والأرجح أنه لم يتمكن. فمن الواضح أن الدم الفلسطيني سيكون وقود الحملة الانتخابية، وأن المزايدة على هذا الدم تترجَم مزيداً من الأصوات في الصناديق ومزيداً من المقاعد في الكنيست. بل إن هناك من الوزاء في حكومة نتنياهو الحالية من يطالب علناً بقتل 40-50 فلسطينياً يومياً، ومن الشرائح الانتخابية في المجتمع الإسرائيلي من يطرب لسماع هذه الدعوات الفاحشة بالقتل الجماعي، ويعكس أعلى مراحل الفاشية في نظم الأبارتيد والفصل العنصري.
نخلص مما تقدم إلى أن المراهنة على ترامب في تسوية القضية الفلسطينية، عبر وضع خطته لوقف إطلاق النار في قطاع غزة موضع التنفيذ، ليست في محلها. فعمر هذه الخطة يقترب الآن من عام كامل، ورغم ذلك ما زال إطلاق النار مستمراً في غزة من جانب واحد فقط، هو الجانب الإسرائيلي، وكأن سقوط ما لا يقل عن ربع مليون فلسطيني بين قتيل وجريح ومفقود لا يكفي لإشباع المتعطشين للدماء الفلسطينية، وما زال ما تبقّى من الشعب الفلسطيني في القطاع يعيش مشرّداً في العراء ويعاني من نقص الغذاء والدواء والخدمات ومن انتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة. والأدهى من ذلك كله أن المساحة التي تحتلها "إسرائيل" الآن في القطاع تزيد كثيراً عن المساحة التي كانت تحتلها أو تسيطر عليها سيطرة تامة. ورغم ذلك كله، لا تستطيع الدول العربية والإسلامية التي تحمست لخطة ترامب وساعدت على تبنّيها وترويجها، أن تفعل أكثر من إصدار بيانات إدانة خجولة تحمّل فيها "إسرائيل" المسؤولية عن الانتهاكات الحالية لوقف إطلاق النار ولكل ما ورد في الخطة من التزامات. وإذا استمر الوضع الحالي على ما هو عليه، فستكون القضية الفلسطينية هي الخاسر الأكبر، وبالتالي لن تنعم المنطقة كلها بالهدوء أو الاستقرار لا في الحاضر ولا في المستقبل. لذا آن الأوان كي تغيّر الدول العربية والإسلامية المهددة بالخروج من التاريخ من سياساتها ومن نهجها.
لا أحد يطالب هذه الدول بإعلان الحرب على "إسرائيل"، لكن خطابات الإدانة الخجولة لن تجبر "إسرائيل" على الانسحاب من القطاع، ولا تكفي لدفع الولايات المتحدة للوفاء بالتزاماتها ووقف دعمها غير المشروط لـ"إسرائيل". لكن بوسع هذه الدول أن تحرّك مياه التسوية الراكدة إن هي عقدت العزم وأعلنت بوضوح لا لبس فيه أنها ستقوم بقطع علاقاتها الحالية كافة بـ"إسرائيل"، وستطالب بقية الدول العربية والإسلامية ودول الجنوب العالمي بالقيام بخطوة مماثلة، كما ستقوم جميع دول الخليج العربية في الوقت نفسه بتجميد استثماراتها في الولايات المتحدة، إذا لم تلتزم علناً بخريطة واضحة لقيام دولة فلسطينية مستقلة. في هذه الحالة فقط، قد تتحرّك مياه التسوية الراكدة.