نتنياهو ومعركة البقاء: هل يوظّف التصعيد الإقليمي لإنقاذ مستقبله السياسي؟
قد يعمد نتنياهو إلى التصعيد على إحدى الجبهات المفتوحة منذ 7 أكتوبر لشراء الوقت وإبقاء احتمال تأجيل الانتخابات قائماً إذا توافرت الظروف السياسية والقانونية لذلك.
-
هل يعمد نتنياهو إلى التصعيد على إحدى الجبهات المفتوحة؟
نقلت هيئة البثّ الإسرائيلية أنّ بنيامين نتنياهو، أعرب في محادثات مغلقة أُجريت مؤخّراً مع مقرّبين منه، عن تخوّفه من خسارة الانتخابات المقبلة. وأضاف أنه لا يزال عاجزاً في هذه المرحلة عن تحديد العنوان الرئيسي الذي ستركّز عليه حملته الانتخابية، ويعتقد أنه "إذا لم يحدث تغيير، فسيخسر حزب الليكود الانتخابات المقبلة".
ولا تقتصر المشكلة بالنسبة إلى نتنياهو على تراجع الليكود في استطلاعات الرأي، إذ يواجه أيضاً تحدّياً داخل معسكر اليمين نفسه، مع ظهور منافسين جدد يمكن أن يستقطبوا أصواتاً من قاعدته الانتخابية مع إطلاق الضابط الإسرائيلي السابق عوفر فينتر حزبه الجديد "عمخا يسرائيل" لخوض انتخابات الكنيست المقبلة. هذا يعني أنّ معركة نتنياهو ليست فقط مع أحزاب المعارضة، وإنما أيضاً داخل معسكر اليمين نفسه.
في هذا الإطار، يبرز السؤال الجوهري: ما هي الخيارات الخارجية المتاحة أمام نتنياهو لرفع احتمالات بقائه في السلطة؟ ويمكن في هذا الاطار، تصوّر ثلاثة مسارات رئيسية:
الخيار الأول: إبقاء الأمن القضية الأولى في الانتخابات
يشير بعض المحلّلين الإسرائيليين إلى الانتخابات المقبلة باعتبارها استفتاءً على إدارة نتنياهو للحروب الإقليمية خلال السنوات الأخيرة. يدرك نتنياهو أنّ المجالات الأكثر إزعاجاً له انتخابياً هي ملفات الإخفاقات الأمنية السابقة، وخاصة قضية 7 أكتوبر، والاستنزاف الاقتصادي الناتج عن الحروب، في حين أنّ نقطة قوته التقليدية تتمثّل في صورته كقائد أمني قوي.
بناءً على ذلك، سيعمل نتنياهو على إبقاء الأسئلة الأمنية المتعلّقة بإيران وحزب الله وغزة في صدارة النقاش العامّ، بدلاً من انتقال الاهتمام الشعبي إلى ملفات الاقتصاد والحوكمة والمساءلة.
لكنّ المشكلة بالنسبة إلى نتنياهو أنّ الأمن نفسه أصبح سيفاً ذا حدّين: هو المجال الذي بنى فيه صورته السياسية التقليدية، لكنه أيضاً المجال الذي تعرّض فيه لأكبر ضربة سياسية منذ 7 أكتوبر. لذا تبقى فعّالية هذه الاستراتيجية مرتبطة بقدرته على إقناع الجمهور بأنه حقّق "إنجازات" في الحروب التي خاضها في المنطقة، وأنّ هذه "الإنجازات" أعادت لـ "إسرائيل" الردع والأمن، وليست مجرّد حرب بلا نهاية.
الخيار الثاني: تصعيد محسوب في لبنان
تشير بعض التحليلات الإسرائيلية والإقليمية إلى احتمال أن يقوم نتنياهو بتصعيد في لبنان قبل الانتخابات بهدف تحسين موقعه السياسي أو إنتاج إنجاز أمني يمكن توظيفه انتخابياً.
ويواجه هذا الخيار سيناريوهين رئيسيين:
· السيناريو الأول: تصعيد إسرائيلي واسع في لبنان يؤدّي إلى تدخّل إيراني وبالتالي إلى اندلاع حرب شاملة في المنطقة.
أمام هذا السيناريو عوائق كبيرة، أهمّها رغبة الإدارة الأميركية في تجنّب توسيع الحرب وتحوّلها إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، إضافة إلى الكلفة البشرية والعسكرية التي قد يتحمّلها "الجيش" الإسرائيلي. علماً أنّ أيّ حرب واسعة لا تنتج "إنجازاً" واضحاً، وتؤدّي إلى خسائر كبيرة أو إلى استنزاف إضافي، قد تنقلب انتخابياً ضدّ نتنياهو.
· السيناريو الثاني: تصعيد في لبنان تحت حافة الحرب الشاملة في المنطقة.
هذا السيناريو يبدو أكثر إفادة لمصلحة نتنياهو الانتخابية: إبقاء الضغط العسكري مرتفعاً، وتنفيذ عمليات تصعيدية متدرّجة تسمح له بالقول إنه لم يتراجع وإنّ "إسرائيل" تحقّق "إنجازات" على الجبهة اللبنانية، من دون تحمّل كلفة الحرب الشاملة.
لكنّ ظهور عوفر فينتر يضيف مشكلة جديدة إلى حسابات نتنياهو: أن يؤدّي التصعيد العسكري إلى توجّه الناخبين الأكثر تشدّداً نحو منافسين على يمين الليكود. لذلك يحتاج نتنياهو إلى تصعيد يستطيع احتكاره سياسياً، وليس مجرّد تصعيد عسكري يستفيد منه خصومه داخل اليمين.
الخيار الثالث: محاولة شراء الوقت
قد يعمد نتنياهو إلى التصعيد على إحدى الجبهات المفتوحة منذ 7 أكتوبر لشراء الوقت وإبقاء احتمال تأجيل الانتخابات قائماً إذا توافرت الظروف السياسية والقانونية لذلك. كلّ وقت إضافي قد يحمل متغيّرات جديدة، مثل حصول خلافات داخل المعارضة، أو تطوّرات أمنية إقليمية، أو تغيّر المزاج الشعبي، أو تحسّن جزئي في المؤشّرات الاقتصادية أو الأمنية، أو نجاح نتنياهو في إعادة توحيد معسكر اليمين.
غير أنّ هذه الاستراتيجية ليست مضمونة، لأنّ تأجيل الانتخابات بسبب الحرب هو إجراء استثنائي ونادر في التاريخ الإسرائيلي (1948 و1973 فقط). ويشير التاريخ الإسرائيلي إلى أنّ الحروب لم تكن تؤدّي تلقائياً إلى تأجيل الاستحقاقات الانتخابية؛ فقد جرت انتخابات 2009 بعد عملية "الرصاص المصبوب"، وانتخابات 2013 بعد عملية "عمود السحاب"، رغم الأجواء الأمنية المتوترة.
وعليه، وانطلاقاً من طريقة تفكير نتنياهو السياسية، فإنّ السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس اندلاع حرب إقليمية شاملة، بل تصعيد متدرّج ومحسوب على الجبهات المفتوحة، بما يسمح له بإبقاء الأمن في صدارة النقاش العامّ وتحويل التطوّرات العسكرية إلى "إنجازات" قابلة للتسويق انتخابياً، وفي الوقت نفسه تأخير انتقال السجال إلى ملفات الإخفاقات الداخلية والكلفة الاقتصادية للحرب.
لكنّ هذا المسار سيظلّ محكوماً بمفارقة أساسية: نتنياهو يحتاج إلى استخدام الملف الأمني لاستعادة موقعه، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى منع هذا الملف من دفع الناخبين اليمينيين الأكثر تشدّداً نحو منافسين مثل فينتر. لذلك، فإنّ هدفه ليس بالضرورة خوض حرب أكبر، وإنما إنتاج تصعيد عسكري يظهر بأنه "إنجاز أمني" يمكنه احتكاره سياسياً وتسويقه انتخابياً.