منظمة التحرير الفلسطينية: من البيت الجامع إلى سؤال الشرعية
كيف تحولت المنظمة التي انتزعت للفلسطينيين اعترافًا عربيًا ودوليًا، وحمت الهوية من الشطب، إلى إطار مترهل، محدود الفاعلية، وموضع شك في قدرته على التعبير عن كامل الشعب الفلسطيني؟
-
لا يمكن الحديث عن منظمة التحرير من دون فتح.
في الثامن والعشرين من مايو/أيار، لا تعود منظمة التحرير الفلسطينية إلى الذاكرة بوصفها ذكرى تأسيس فحسب، بل بوصفها سؤالًا جارحًا في قلب المأزق الفلسطيني: أين ذهبت المؤسسة التي حملت اسم فلسطين إلى العالم؟ وكيف تحولت المنظمة التي انتزعت للفلسطينيين اعترافًا عربيًا ودوليًا، وحمت الهوية من الشطب، إلى إطار مترهل، محدود الفاعلية، وموضع شك في قدرته على التعبير عن كامل الشعب الفلسطيني؟
لم تعد الأزمة في أن العالم لا يعرف عنوان الفلسطينيين. الأزمة أعمق: هل ما زال هذا العنوان قادرًا على تمثيلهم؟ وهل تكفي الشرعية التاريخية حين تغيب الشرعية الحية؟ ومن يتكلم اليوم باسم الفلسطينيين: منظمة التحرير، أم السلطة، أم الفصائل، أم الانقسام، أم الفراغ؟
هذه ليست مناسبة للحنين إلى زمن البدايات، ولا لإلقاء خطبة وفاء في حضرة مؤسسة وطنية كبرى. إنها لحظة مساءلة: هل ما زالت منظمة التحرير بيتًا جامعًا، أم باتت مهددة بأن تتحول إلى لافتة تاريخية فوق مؤسسة فقدت كثيرًا من روحها وحضورها وشرعيتها الشعبية؟
تأسست المنظمة في زمن كان المطلوب فيه تحويل الفلسطيني من صاحب وطن إلى لاجئ بلا قضية، ومن شعب له حق سياسي إلى تجمعات مبعثرة في المنافي والمخيمات. ومن هنا كانت عظمتها الأولى: أنها أعادت للفلسطيني اسمه السياسي، ونقلت فلسطين من هامش النكبة إلى مركز الصراع العربي والدولي، وجعلت الهوية الوطنية الفلسطينية حقيقة عصية على التذويب.
وحين اعترفت القمة العربية في الرباط عام 1974 بالمنظمة ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، لم يكن ذلك قرارًا بروتوكوليًا، بل إعلانًا بأن الفلسطينيين لم يعودوا ملحقًا بأي عاصمة، ولا ورقة في يد أي نظام. ثم جاء الاعتراف الأممي ومنح المنظمة صفة مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة ليؤكد أن فلسطين، رغم الاحتلال والاقتلاع، عادت إلى المسرح الدولي عبر عنوانها الوطني الجامع.
لكن الاعتراف الذي كان يومًا انتصارًا صار اليوم موضع اختبار. فالمؤسسة التي وُلدت كي تجمع الفلسطينيين تبدو، في لحظة هي الأخطر منذ النكبة، عاجزة عن احتضان كامل طاقاتهم، وعن إنتاج قرار وطني موحد، وعن تحويل تضحياتهم الهائلة إلى استراتيجية سياسية جامعة.
حين ابتلعت السلطة المنظمة
بدأ التآكل الكبير مع اللحظة التي لم تُقرأ مخاطرها كما ينبغي: أوسلو. لم تكن المشكلة في الاتفاق وحده، بكل اختلالاته، ولا في تحويل الاحتلال إلى شريك تفاوضي يملك الأرض والمعابر والأمن والاقتصاد. الأخطر أن السلطة الفلسطينية، التي كان يفترض أن تكون أداة انتقالية محدودة، أخذت مكان منظمة التحرير تدريجيًا، حتى ابتلع الفرع الأصل، وصارت الأداة مرجعية.
كانت المنظمة عنوان الشعب الفلسطيني كله: في الضفة، وغزة، والقدس، ومخيمات لبنان وسوريا والأردن، والشتات الواسع. أما السلطة فهي، بحكم تكوينها ووظيفتها، كيان إداري محدود داخل جزء من الأرض المحتلة، مشروط باتفاقات وقيود، ومحكوم بميزان قوة مختل مع الاحتلال. وحين انتقل القرار والتمويل والوظيفة اليومية من المنظمة إلى السلطة، بدأ الانكماش الحقيقي في التمثيل الفلسطيني.
لم تعد المنظمة مؤسسة حية تنتج القرار الوطني. صارت، في كثير من الأحيان، غطاءً سياسيًا لسلطة مأزومة. تراجع المجلس الوطني، خفتت اللجنة التنفيذية، غاب الشتات، ضاقت دائرة القرار، وتقدمت الحسابات الإدارية والأمنية على حساب المشروع الوطني الجامع.
هنا يكمن جوهر الأزمة: الاعتراف الدولي باقٍ، لكن الشرعية الحية تتآكل. والشرعية ليست وثيقة ترفع في المحافل، بل علاقة يومية بين شعب ومؤسساته. فإذا ضعفت هذه العلاقة، تحول الاعتراف إلى هيكل بلا روح، وإلى اسم كبير فوق واقع صغير.
أزمة العمود الفقري
لا يمكن الحديث عن منظمة التحرير من دون فتح. فالحركة التي أعادت بناء المنظمة وفرضت استقلال القرار الفلسطيني، كانت العمود الفقري للمؤسسة الوطنية، وممر صعود الفدائي الفلسطيني، ومساحة التقت فيها أجيال وتيارات وتجارب، رغم كل الخلافات والتناقضات.
لكن فتح اليوم ليست فتح البدايات. وهذه ليست إدانة لحركة قدمت آلاف الشهداء، وقادت مراحل مفصلية من الكفاح الفلسطيني، ودفعت ثمنًا باهظًا في المنافي والحصار والاغتيالات. إنها ملاحظة سياسية قاسية: الحركة التي كانت تلد قياداتها من المخيم والجبهة والمعتقل والساحة، تبدو اليوم كتنظيم يشيخ داخل سلطة، لا كحركة تحرر تتجدد داخل شعب.
الصورة الهزيلة لمؤتمر فتح الأخير لم تكشف أزمة تنظيمية فقط، بل أزمة معنى. حين يتحول مؤتمر حركة كانت يومًا مصنعًا للرموز الوطنية إلى مناسبة لتثبيت موازين داخلية وترتيب خلافة واحتواء أجنحة، يصبح السؤال مشروعًا: هل تستطيع حركة بهذه الحالة أن تقود بيتًا فلسطينيًا جامعًا؟ وهل يمكن لمنظمة التحرير أن تستعيد روحها إذا كان عمودها الفقري يعاني الجمود والشيخوخة وضعف تمثيل الأجيال الجديدة؟
ليست المشكلة في الأسماء وحدها، بل في المنطق السياسي. حين تغيب الانتخابات، وتتأخر المؤتمرات، وتضيق دوائر الاختيار، وتتحول الشرعية التاريخية إلى بديل عن الشرعية الشعبية، تبدأ الحركة في استهلاك رصيدها بدل تجديده. وفتح، إن أرادت البقاء قوة مركزية، لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد على ذاكرة الرصاص الأول. الماضي لا ينقذ الحاضر إذا لم يفتح طريقًا للمستقبل.
جرح التمثيل المفتوح
ثم جاء الانقسام الفلسطيني ليعمق الجرح إلى حد النزف. فمنذ الانقسام بين فتح وحماس، لم تعد الأزمة أزمة برنامج سياسي فحسب، بل أزمة مؤسسة جامعة. كيف يمكن لمنظمة أن تدعي تمثيل كامل الشعب الفلسطيني بينما قوى وازنة خارج بنيتها؟ وكيف يمكن الحديث عن قرار وطني موحد بينما غزة والضفة والشتات يعيشون تحت شروط سياسية وأمنية واجتماعية متباينة، بل متناقضة أحيانًا؟
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني إسقاط المنظمة أو القفز فوقها. فهذا خطأ بالغ الخطورة. البديل عن إصلاح المنظمة ليس بالضرورة إطارًا أكثر ديمقراطية، بل قد يكون فراغًا، أو فوضى تمثيل، أو عناوين متنازعة، أو وصايات إقليمية ودولية تبحث عن فلسطينيين على مقاس تسوياتها.
المطلوب، إذن، ليس هدم المنظمة، بل تحريرها من الجمود والاختطاف والتهميش. ليس إلغاء شرعيتها التاريخية، بل وصلها بشرعية شعبية جديدة. وليس شطب إرثها، بل إعادة بنائها كي تصبح بيتًا لكل الفلسطينيين، لا عنوانًا لفريق، ولا ملحقًا بسلطة، ولا غطاءً لعجز سياسي.
فالاحتلال يريد منظمة ضعيفة. والولايات المتحدة تريد عنوانًا فلسطينيًا قابلًا للضبط. وبعض الإقليم يريد فلسطينيين بلا مركز قرار مستقل. والانقسام الداخلي يمنح الجميع فرصة ذهبية. وكلما ضعفت المنظمة الجامعة، تفككت القضية إلى ملفات: غزة ملف إنساني وأمني، الضفة ملف تنسيق وسيطرة، القدس ملف مؤجل، الشتات ملف منسي، والأسرى ملف تفاوضي. أما فلسطين، بوصفها قضية شعب واحد وحق واحد ومصير واحد، فتغيب تدريجيًا عن الطاولة.
من المسؤول؟
المسؤولية لا تقع على طرف واحد. القيادة الفلسطينية الرسمية تتحمل مسؤولية تجميد المؤسسات، وتضييق المشاركة، وإخضاع المنظمة لمنطق السلطة. وفتح تتحمل مسؤولية فشلها في تجديد ذاتها وحماية دورها التاريخي من التآكل. والفصائل الأخرى تتحمل مسؤولية الاكتفاء أحيانًا بانتقاد المنظمة من خارجها من دون فرض مشروع عملي لإعادة بنائها. والانقسام بين فتح وحماس يتحمل مسؤولية شطر الجسد الفلسطيني وإضعاف قراره.
لكن المسؤولية ليست فلسطينية فقط. الاحتلال عمل طويلًا على ضرب كل محاولة لبناء مؤسسة وطنية مستقلة. والولايات المتحدة تعاملت مع المنظمة والسلطة من زاوية الأمن والتسوية، لا من زاوية حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وبعض النظام العربي، في مراحل مختلفة، سعى إلى الاحتواء والتوظيف والضغط، إما بحثًا عن منظمة على مقاس حساباته، أو عن سلطة ضعيفة أسهل من حركة تحرر مستقلة.
ومع ذلك، يبقى العامل الداخلي حاسمًا. لا يستطيع الفلسطينيون التحكم في نيات الاحتلال، ولا في هندسات واشنطن، ولا في حسابات الإقليم. لكنهم يستطيعون إعادة بناء بيتهم السياسي إذا امتلكوا الإرادة. والشعب الذي حفظ هويته رغم النكبة والمجازر والمنافي، قادر على إنقاذ مؤسسته الوطنية إذا توقفت هذه المؤسسة عن الخوف من شعبها.
استعادة المنظمة لا تجميلها
استعادة منظمة التحرير ليست شعارًا عاطفيًا، بل هي مشروع سياسي ومؤسسي واضح. يبدأ بإعادة بناء المجلس الوطني الفلسطيني بوصفه البرلمان الجامع للفلسطينيين في الداخل والشتات. حيث يمكن إجراء الانتخابات يجب أن تُجرى، وحيث يتعذر ذلك بفعل الاحتلال أو ظروف اللجوء، يمكن اعتماد صيغ توافقية شفافة لا تلغي التمثيل ولا تحوله إلى محاصصة مغلقة.
ويبدأ بإدماج القوى الكبرى، وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي وسائر القوى غير المنضوية في المنظمة، داخل بنية وطنية جامعة، لا بمنطق الغلبة أو الإقصاء، بل بمنطق الشراكة والالتزام ببرنامج وطني متفق عليه. فالفلسطينيون لا يملكون ترف تعدد الشرعيات، ولا ترف ترك المنظمة لمن فيها، ولا ترف بناء بدائل متنافسة تفتح الباب لمزيد من التفتيت.
ويبدأ كذلك بالفصل الجاد بين المنظمة والسلطة. فالمنظمة يجب أن تعود مرجعية عليا للشعب الفلسطيني كله، لا واجهة دبلوماسية لقرارات ضيقة، ولا ملحقًا إداريًا بسلطة محكومة بقيود الاحتلال. أما السلطة، إن بقيت، فينبغي أن تكون أداة خاضعة للقرار الوطني، لا بديلًا منه؛ وظيفة إدارية لا مركزًا للشرعية؛ إطارًا مؤقتًا لا قدرًا سياسيًا دائمًا.
ولا معنى لذلك كله من دون تجديد فتح نفسها. فلا إنقاذ للمنظمة إذا بقي عمودها الفقري أسير الشيخوخة والصراعات الداخلية ومنطق التوريث السياسي. تحتاج فتح إلى ثورة ديمقراطية داخلية تعيد الاعتبار للكادر، وللأسرى، وللشباب، وللنساء، وللشتات، وللمناضلين الذين لم يتحولوا إلى موظفين في بنية السلطة. لا أحد يطلب من فتح أن تتنكر لتاريخها، بل أن تكون جديرة به.
وفوق ذلك، يحتاج الفلسطينيون إلى إعادة تعريف برنامجهم الوطني. فالاحتلال لم يعد يكتفي بإدارة الصراع، بل يسعى إلى حسمه بالضم والاستيطان والحرب المفتوحة. لذلك لا يكفي تكرار مفردات قديمة بلا مضمون. المطلوب برنامج يجمع بين حق المقاومة بكل أشكالها المشروعة، والعمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، وحماية وحدة الشعب الفلسطيني، وإعادة الاعتبار لحق العودة، والدفاع عن القدس، ومواجهة مشاريع التصفية، سواء جاءت تحت عناوين إنسانية أو اقتصادية أو أمنية.
كي لا يصير البيت لافتة
دفعت منظمة التحرير ثمنًا هائلًا كي تنتزع اسم فلسطين من محاولات الشطب. قدّمت شهداء وقادة ومثقفين ومناضلين، وخاضت معارك في السياسة والسلاح والدبلوماسية والمنفى. وارتكبت أيضًا أخطاء جسيمة، بعضها فرضته موازين القوى، وبعضها صنعته أوهام التسوية، وبعضها نتج من بنية قيادية أغلقت أبواب المساءلة والتجديد.
لكن المنظمة، رغم كل شيء، تبقى أحد أهم منجزات الشعب الفلسطيني في تاريخه الحديث. ليست ملكًا لفصيل، ولا لرئيس، ولا للجنة تنفيذية، ولا لسلطة. إنها ملك الشعب الفلسطيني كله. ومن هنا فإن تركها تذبل ليس خطأً إداريًا، بل تفريط في أحد أخطر أسلحة الفلسطينيين: وحدة التمثيل الوطني.
في ذكرى تأسيسها، لا تحتاج منظمة التحرير إلى مديح، بل إلى صدمة إنقاذ. تحتاج إلى من يقول إن الشرعية لا تُورث، ولا تُجمد، ولا تُدار بالذاكرة. تحتاج إلى من يعيدها من مكاتب السلطة إلى مخيمات اللاجئين، ومن بيانات المناسبات إلى ساحات الفعل، ومن الاعتراف الدولي الجامد إلى التمثيل الشعبي الحي.
السؤال لم يعد: هل انتهت منظمة التحرير؟ السؤال الأخطر: هل يملك الفلسطينيون الشجاعة السياسية لإعادتها إلى شعبها قبل أن تتحول من بيت جامع إلى لافتة تاريخية؟ وهل تدرك فتح، ومعها بقية الفصائل، أن إنقاذ المنظمة ليس خدمة لفريق ضد آخر، بل و شرط بقاء القضية الفلسطينية نفسها كقضية شعب واحد، لا كملفات متناثرة على طاولات الآخرين؟
معركة فلسطين اليوم ليست مع الاحتلال وحده، بل مع التفكيك أيضًا. فالاحتلال لا يريد هزيمة الفلسطينيين عسكريًا فقط، بل يريد تفكيك عنوانهم الجامع، وتحويلهم إلى جزر متباعدة: غزة وحدها، الضفة وحدها، القدس وحدها، الشتات خارج الحساب. لذلك تصبح استعادة منظمة التحرير، لا تجميلها، جزءًا من معركة التحرر ذاتها.
إذا استعادت المنظمة روحها، يمكن أن تعود بيتًا جامعًا للمعنى الفلسطيني الكبير. أما إذا بقيت أسيرة الجمود والانقسام والشيخوخة، فإن أخطر ما سيحدث ليس أن يسأل العالم: من يمثل الفلسطينيين؟ بل أن يسأل الفلسطينيون أنفسهم السؤال ذاته، فلا يجدون جوابًا واحدًا.