من النكسة إلى العبور: حين منع الشعب الهزيمة من أن تصبح انهيارًا

الهزيمة لا تُهزم بالنسيان، ولا بالإنكار، ولا بتقديس الزعماء، ولا بالشماتة فيهم؛ الهزيمة تُهزم حين يتحول الألم إلى وعي، والوعي إلى مراجعة، والمراجعة إلى قوة، والقوة إلى فعل يغير وجه التاريخ.

  • عبد الناصر وامتحان المسؤولية.
    عبد الناصر وامتحان المسؤولية.

ليست نكسة الخامس من يونيو/حزيران 1967 مجرد ذكرى عسكرية ثقيلة في الوجدان العربي؛ إنها واحدة من تلك اللحظات الكاشفة التي لا تهزم الجيوش وحدها، بل تفضح ما تراكم تحت سطح الدولة من اختلالات مكتومة: تضخم الأجهزة، انكماش السياسة، ضعف المحاسبة، تراجع حرية الرأي، وتحول بعض مؤسسات القوة إلى قلاع مغلقة لا ترى المجتمع إلا من ثقب الشك والوصاية.

لذلك، فإن استعادة يونيو اليوم لا ينبغي أن تكون مناسبة للشماتة في التجربة الناصرية، كما يفعل خصومها كل عام، ولا مناسبة للتهرب من أسئلتها القاسية، كما يفعل بعض محبيها. فالإنصاف التاريخي يقتضي أن نرى الهزيمة بكل مرارتها، وأن نرى في الوقت نفسه ما أعقبها من مراجعة وإعادة بناء؛ من بيان الـ 30 من مارس 1968، إلى حرب الاستنزاف، ومن إعادة بناء الجيش إلى إقامة حائط الصواريخ، وصولًا إلى العبور في السادس من أكتوبر 1973.

هنا يكمن الدرس الأهم: الهزيمة ليست نهاية التاريخ إذا امتلكت الأمة شجاعة الاعتراف، وكانت الدولة قادرة على إصلاح ذاتها، وكان الشعب حاضرًا لا مغيبًا. فالمعركة ضد العدو الخارجي لا تنفصل عن معركة الداخل ضد الفساد والاستبداد وانغلاق المجال العام.

الهزيمة التي كشفت الدولة

كانت هزيمة يونيو فادحة بكل المقاييس. لم تخسر مصر وحدها، بل خسر العرب معًا. احتُلت سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية والجولان السوري، وانكشفت حدود القوة العربية الرسمية أمام عدو مدعوم غربيًا، يمتلك مشروعًا استيطانيًا توسعيًا لا يرى في الجغرافيا العربية سوى فضاء مفتوح للابتلاع والهيمنة.

لكن الأخطر من الاحتلال العسكري كان الانكشاف العميق في بنية الدولة. فقد أثبتت الهزيمة أن القوة لا تُبنى بالشعارات وحدها، وأن الجيوش لا تُصان بمجرد الولاء، وأن الأمن القومي لا يتحقق حين تصير الأجهزة فوق السياسة، وحين تضيق مساحات النقد، وحين تُعامل الصحافة والرأي العام بوصفهما مصدر قلق لا جهاز إنذار مبكر.

لقد كانت هزيمة يونيو نتيجة اختلالات مركبة: تقديرات سياسية غير دقيقة، بنية عسكرية تعرضت لارتباكات خطيرة، أجهزة توسعت في قبضتها على المجال العام، ومؤسسات افتقدت الرقابة والمحاسبة، وهذا لا يلغي حقيقة العدوان الصهيوني وطبيعته التوسعية، ولا يقلل من حجم الدعم الأميركي والغربي للكيان؛ لكنه يقول بوضوح إن العدو لا ينتصر بقوته وحدها، بل ينتصر أيضًا حين يجد أمامه ثغرات داخلية مفتوحة.

من هنا، فإن النقد الحقيقي ليونيو لا يكون بجلد عبد الناصر وحده، ولا بإعفاء التجربة الناصرية من أخطائها. النقد الحقيقي يبدأ من فهم العلاقة بين الحرية والقوة، بين السياسة والأمن، بين المجتمع والجيش. فحين تُختزل الدولة في أجهزتها، وحين يُدفع المجتمع إلى الهامش، وحين يُعامل النقد كأنه خيانة، تصبح الهزيمة احتمالًا قائمًا، حتى لو بدا الخطاب العام واثقًا ومنتصرًا.

الشعب الذي رفض الانكسار

 ما حدث في التاسع والعاشر من يونيو كان لحظة استثنائية في التاريخ المصري والعربي. فالشعب، الذي تلقى صدمة الهزيمة بمرارة وغضب، لم يتصرف ككتلة منهارة، ولم يترك البلاد تدخل في فراغ أخطر من الهزيمة ذاتها. خرج المصريون إلى الشوارع لا لأنهم لم يدركوا فداحة ما جرى، ولا لأنهم منحوا القيادة صك براءة مفتوحًا، بل لأنهم أحسّوا، بوعيهم الغريزي العميق، أن سقوط الدولة في تلك اللحظة كان يمكن أن يكون الهدية الكبرى للعدو.

كان خروج الجماهير بعد خطاب التنحي إعلانًا بأن الهزيمة العسكرية ينبغي ألّا تتحول إلى استسلام سياسي أو انهيار معنوي. لقد قالت الجماهير، بلغتها المباشرة قبل أي تنظير، إن المعركة لم تنتهِ، وإن استرداد الأرض يبدأ أولًا باسترداد الإرادة. كان الشعب هو الحائط المعنوي الأول قبل أن يُبنى حائط الصواريخ على ضفة القناة.

وهنا تتضح الحقيقة التي يغفلها كثيرون: لا قيادة تنتصر وحدها، ولا جيش يعبر وحده، ولا دولة تستعيد قوتها إذا كان شعبها غائبًا أو مكسورًا. الشعب ليس جمهورًا للتصفيق في لحظات النصر، بل هو الرقم الصعب في معادلة الصمود؛ يمنح الشرعية للقتال، ويحتمل كلفته، ويصبر على سنوات الاستنزاف، ويحوّل الهزيمة من جرح مفتوح إلى طاقة مقاومة.

لقد كان رفض الشعب للهزيمة أحد الشروط المؤسسة لكل ما جاء بعدها. فلولا هذا الرفض الشعبي، لكان الاعتراف بالمسؤولية مجرد لحظة خطابية عابرة. ولولا حضور الجماهير، لما تحولت الصدمة إلى إرادة عامة تطالب بالقتال والمحاسبة وإعادة البناء. هكذا تتشكل الأمم في لحظات الخطر: لا من قرارات القصور وحدها، بل من نبض الشوارع ووعي الناس وقدرتهم على التمييز بين نقد القيادة وتسليم الوطن.

النخب وترميم الوعي العام

إلى جانب الشعب، أدت قطاعات واسعة من النخب الوطنية والثقافية والسياسية دورًا مهمًا في منع الهزيمة من التحول إلى يأس شامل. كانت المهمة صعبة ودقيقة: أن ترفض الإنكار من دون أن تسقط في جلد الذات، وأن تفتح باب النقد من دون أن تمنح العدو حق احتكار المعنى، وأن تعيد بناء الروح المعنوية من غير أن تزوّر الوعي أو تبرئ الأخطاء.

لقد احتاجت مصر، بعد يونيو، إلى الكلمة كما احتاجت إلى السلاح؛ إلى مثقفين وكتاب وفنانين وسياسيين يقولون إن الهزيمة وقعت، وإن أسبابها ينبغي أن تُناقش بشجاعة، وإن الفساد يجب أن يُقتلع، وإن الأجهزة لا يجوز أن تكون فوق القانون، لكن من دون أن يعني ذلك أن المعركة انتهت أو أن المشروع الوطني سقط. فالحروب الكبرى لا تُخاض على خطوط النار وحدها، بل في الوعي أيضًا؛ والعدو الذي يحتل الأرض يحاول دائمًا احتلال المعنى، وإقناع المهزوم بأن هزيمته أبدية. هنا كان دور النخب الوطنية أن تنتزع المعنى من يد العدو: نعم، وقعت الهزيمة، لكنها ليست قدرًا، والطريق إلى التحرير يبدأ من مواجهة الحقيقة لا الهروب منها.

عبد الناصر وامتحان المسؤولية

في قلب هذه اللحظة، جاء إعلان جمال عبد الناصر تحمله المسؤولية عن الهزيمة. لم يكن ذلك تفصيلًا عابرًا في سياق سياسي مأزوم، بل لحظة اعتراف نادرة في تاريخ الأنظمة العربية. صحيح أن الاعتراف وحده لا يكفي، وأن المسؤولية السياسية لا تسقط بمجرد إعلانها، لكن الصحيح أيضًا أن الزعيم الذي يواجه شعبه بعد هزيمة بهذا الحجم، ويعلن مسؤوليته، ويفتح باب المراجعة، يختلف عن سلطة تهرب إلى الإنكار أو تختبئ خلف أجهزة الدعاية.

قيمة عبد الناصر بعد يونيو لا تكمن في أنه لم يُهزم، فقد هُزم وهُزمت معه الأمة كلها، بل في أنه لم يتعامل مع الهزيمة باعتبارها نهاية التاريخ. لم يذهب إلى الاستسلام، ولم يقبل أن يتحول العدوان إلى أمر واقع دائم. والأهم أنه أدرك، بدرجات متفاوتة، أن إعادة بناء الجيش لا تكفي إذا لم تصاحبها مراجعة في بنية الدولة ومؤسساتها.

من هنا جاء بيان الـ 30 من مارس 1968 بوصفه محاولة لفتح مسار سياسي جديد بعد الصدمة. كان البيان تعبيرًا عن إدراك أن الهزيمة لم تكن عسكرية فقط، وأن الدولة تحتاج إلى إصلاحات في بنيتها السياسية والتنظيمية والقانونية، وإلى توسيع مساحات المشاركة، وضمانات أوسع لحرية الرأي، ومواجهة الفساد، وإعادة الاعتبار للمحاسبة وسيادة القانون.

ومع ذلك، ينبغي عدم تحميل بيان الـ 30 من مارس أكثر مما تحقق منه فعليًا. فقد بقيت الدولة محكومة ببنية سلطوية وتوازنات صعبة، ولم ينفتح المجال السياسي بالقدر الذي كانت تستدعيه لحظة الهزيمة. لكن القيمة التاريخية للبيان أنه أقر، ولو جزئيًا، بأن النصر لا يمكن أن يولد من البنية نفسها التي أسهمت في الهزيمة. كان محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع، وبين القيادة والنقد، وبين الأمن والحرية.

 من كسر الهزيمة إلى شروط العبور

بعد يونيو، لم يكن الطريق إلى أكتوبر خطًا مستقيمًا، بل كان مسارًا طويلًا من الدم والصبر وإعادة البناء. جاءت حرب الاستنزاف لتكسر صورة الجيش المهزوم، وتقول إن الاحتلال لن يستريح على ضفة القناة، وإن سيناء لن تكون أرضًا مفتوحة للنزهة العسكرية، بل جبهة قلق ونزيف وكلفة يومية.

في تلك الحرب، استعاد الجندي المصري ثقته بنفسه، وبدأت المؤسسة العسكرية تتعلم من أخطائها القاسية، وتحول بقاء العدو في الأرض المحتلة إلى عبء سياسي وعسكري. ومن هنا لم تأتِ مبادرة روجرز بوصفها انحيازًا أميركيًا للعدل، بل محاولة لوقف نزيف متصاعد واحتواء مواجهة كانت تضغط على الحليف الصهيوني وتهدد بتوسيع الصراع.

ولم تكن الهدنة خروجًا من ميدان المواجهة، بل انتقالًا إلى نوع آخر من الحرب. ففي ظل وقف إطلاق النار، جرى بناء شبكة الدفاع الجوي، أو ما عُرف بحائط الصواريخ، لتقييد حرية الطيران المعادي، وحماية القوات المصرية، وخلق بيئة أكثر توازنًا على الجبهة. هكذا تحوّل الوقت من مساحة انتظار إلى مساحة إعداد، وتحولت السياسة من بديل عن الحرب إلى أداة في خدمتها.

وعندما جاء السادس من أكتوبر 1973، لم يكن النصر وليد لحظة مفاجئة، بل ثمرة تراكم بدأ برفض الشعب للانكسار، ومرّ بإعادة بناء الجيش، وحرب استنزاف أعادت الثقة والمبادرة، ودفاع جوي غيّر معادلات السماء. ومن الظلم التاريخي أن يُفصل أكتوبر عن يونيو؛ فالأول لم يمحُ الثاني بالبلاغة، بل تجاوزه بالعمل، وأثبت أن الأمم قد تُهزم، لكنها لا تموت إذا امتلكت شجاعة الاعتراف وإرادة التصحيح.

درس يونيو الباقي

بعد أكثر من نصف قرن، لا تزال نكسة يونيو تحمل درسها الأعمق: لا أمن قومياً بلا حرية، ولا جيش قويًا بلا دولة رشيدة، ولا دولة رشيدة بلا محاسبة، ولا مجتمع قادرًا على الصمود إذا جرى تهميشه وإسكاته. فالشعوب ليست عبئًا على الأمن القومي، بل جوهره؛ والصحافة الحرة ليست خطرًا على الدولة، بل جهاز إنذار مبكر يحميها من الغرور والفساد وسوء التقدير.

لقد كشفت يونيو أن القبضة الأمنية، مهما بدت قوية، لا تصنع وحدها دولة قوية، وأثبت ما بعدها أن النهوض يحتاج إلى أكثر من السلاح: يحتاج إلى شعب حاضر، ونخب مسؤولة، ومؤسسات قابلة للمراجعة، وقيادة لا تخاف الاعتراف بالخطأ. وحين اجتمعت هذه العناصر بدرجات متفاوتة، تحولت الهزيمة إلى استنزاف، والاستنزاف إلى بناء، والبناء إلى عبور.

إن أعداء التجربة الناصرية يستدعون يونيو كل عام ليختصروا المشروع كله في هزيمة، وبعض أنصار التجربة يردون أحيانًا بالهروب من الأسئلة القاسية. وكلا الموقفين يظلم التاريخ. فالناصرية لم تكن نكسة يونيو وحدها، كما أنها لا تُفهم من دون يونيو. كانت تجربة كبرى في التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والاستقلال، لكنها حملت في داخلها أيضًا تناقضات السلطة المركزية، وتضخم الأجهزة، وانكماش المجال السياسي. عظمتها لا تكمن في خلوّها من الأخطاء، بل في قدرتها، بعد الكارثة، على أن تفتح طريقًا للمراجعة والقتال.

وهنا يصبح الدرس معاصرًا لا تاريخيًا فقط. فالأمم التي تريد النصر لا يجوز أن تخاف من الحقيقة. والدول التي تواجه مشاريع استعمارية أو توسعية لا تستطيع أن تنتصر بمجتمع صامت، ولا بصحافة مروّضة، ولا بنخب محاصرة، ولا بأجهزة تعلو فوق القانون. فالمعركة مع العدو الخارجي تبدأ دائمًا من الداخل: من بناء دولة تعرف أن القوة لا تناقض الحرية، وأن الأمن لا يعيش طويلًا إذا خنق السياسة، وأن الشعب ليس هامشًا في معادلة النصر بل قلبها النابض.

في الخامس من يونيو هُزمت الجيوش، وانكشفت الدولة، وانجرحت الأمة، لكن في التاسع والعاشر من يونيو ظهر الشعب ليمنع الهزيمة من أن تصبح انهيارًا، ثم جاءت المراجعة، والاستنزاف، وحائط الصواريخ، والعبور، لتقول إن التاريخ لا يرحم من ينكر أخطاءه، لكنه يمنح فرصة جديدة لمن يملك شجاعة الاعتراف وإرادة التصحيح.

وتلك، ربما، هي الخلاصة الأهم: الهزيمة لا تُهزم بالنسيان، ولا بالإنكار، ولا بتقديس الزعماء، ولا بالشماتة فيهم؛ الهزيمة تُهزم حين يتحول الألم إلى وعي، والوعي إلى مراجعة، والمراجعة إلى قوة، والقوة إلى فعل يغير وجه التاريخ.