لماذا لا ينبغي للرئيس اللبناني لقاء نتنياهو؟
من خلال تحليل عقلاني بارد يوازن بدقة بين الكلفة والفائدة، يمكن الجزم بأنّ اجتماع البيت الأبيض هو لقاء مرتفع الكلفة ومنخفض الجدوى بالنسبة لرئيس الجمهورية وللبنان.
-
الإشكالية مع نتنياهو تتعلق برمزية الظهور العلني إلى جانبه.
أتى بيان السفارة الأميركية في لبنان ليشجّع رئيس الجمهورية اللبنانية، جوزاف عون على تلبية دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض خلال هذا الشهر.
غير أنّ كلفة هذه الصورة التي يريدها الرئيس ترامب – الصورة الثلاثية مع نتنياهو – وخسائرها تفوق بكثير أي فائدة متخيّلة، وهي كلفة تتجاوز قدرة رئيس الجمهورية، كما الدولة اللبنانية، على تحمّلها سياسياً ووطنياً.
فالمسألة هنا لا يمكن قياسها بعدم إغضاب ترامب، كما يحلو للبعض في لبنان أن يروّج، بل تتصل أساساً بموقع ودور ومعنى رئاسة الجمهورية اللبنانية الحاضنة لجميع اللبنانيين في لحظة دولية دقيقة.
ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى خطورة تلك الصورة للأسباب الآتية:
أولاً: لبنانياً ووطنياً
تكتسب المسألة بعداً داخلياً بالغ الخطورة، لأنّ بنيامين نتنياهو يخرج يومياً ليتفاخر علناً باغتيال السيد حسن نصر الله، وبقتل آلاف اللبنانيين، ويتباهى بعملية "البيجر"، وقد ذهب إلى حدّ إهداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب "بيجراً ذهبياً" في مشهد استعراضي واضح الدلالات.
بالنسبة لجزء واسع من اللبنانيين، يُنظر إلى نتنياهو كـقائد عدو يتفاخر بغرور وعنجهية بقتل لبنانيين من مختلف الطوائف. وعليه، إنّ صورة رئيس الجمهورية اللبنانية إلى جانبه ستُقرأ داخلياً كضربة رمزية مؤلمة لجزء واسع من الشعب اللبناني، وستُعمّق الانقسام بدل أن تساهم في الاستقرار.
في المقابل، يتصرّف بنيامين نتنياهو من موقع نشوة الصلف والغطرسة السياسية، ويتعامل مع لبنان على قاعدة أنّ اللبنانيين في موقع الحاجة، وأنّ ميزان القوى لمصلحته. بالتالي، هو سيذهب إلى البيت الأبيض لا ليقدّم شيئاً، بل ليأخذ تعهّدات تتصل بنزع سلاح حزب الله، ولتأليب اللبنانيين على بعضهم، والتسبّب بحرب أهلية.
يؤشّر على ذلك أنّ نتنياهو تأخّر طويلاً في الرد على مبادرة الرئيس عون، وعندما وافق (متأخراً) على التفاوض المباشر بنتيجة الضغوط الإقليمية، استخرج من اللبنانيين مكسب صورة الاجتماع المباشر، وسارع إلى الإعلان عن "توافق" مع الحكومة اللبنانية ضد حزب الله، من دون أن يمنح لبنان أي مقابل سياسي أو أمني أو وقفاً حقيقياً لإطلاق النار.
ثانياً: حتى حلفاء "إسرائيل" يتجنّبون الصورة
تأتي الدعوة إلى هذا اللقاء المفترض في وقت يواجه فيه نتنياهو اتهامات خطيرة أمام المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفي وقت خلصت فيه محكمة العدل الدولية إلى وجود "أسباب معقولة" للاعتقاد بأنّ "إسرائيل" ارتكبت أفعالاً ترقى إلى الإبادة الجماعية في غزة.
هذا الواقع يجعل أي صورة معه عبئاً سياسياً وأخلاقياً بحد ذاتها، بغضّ النظر عن مضمون النقاش. فالجلوس العلني مع مرتكب إبادة في غزة وقاتل اللبنانيين، يُقرأ كتطبيع رمزي مع شخص موضع مساءلة قانونية دولية.
والمفارقة أنّ دولاً حليفة لـ "إسرائيل" وترتبط معها بعلاقات وثيقة، سياسية وأمنية واقتصادية، أعلنت صراحة استعدادها للالتزام بمذكرات التوقيف الدولية في حال زيارة نتنياهو أراضيها. هذا الموقف يعني أنّ الامتناع عن لقاء نتنياهو بات خياراً دبلوماسياً حتى داخل المعسكر الداعم لـ "إسرائيل" نفسه.
ثالثاً: سابقة شرم الشيخ – الصورة مكلفة بحد ذاتها
تجلّت الدلالة الأوضح على خطورة الصورة وكلفتها السياسية خلال قمة شرم الشيخ المخصّصة لبحث إنهاء الحرب في غزة. فعندما طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي توجيه دعوة لنتنياهو، لوّح عدد من القادة المشاركين بالانسحاب من القمة في حال حضوره، ومن بينهم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وعدد من القادة العرب.
تؤكّد هذه الواقعة أنّ الإشكالية مع نتنياهو لا تتعلّق بمضمون أي تفاوض محتمل، بل برمزية الظهور العلني إلى جانبه، وبالكلفة الأخلاقية والسياسية لتحمّل هذه الصورة.
رابعاً: "أكثر شخص مكروه دولياً" توصيف لم يأتِ من فراغ
بات يُشار إلى نتنياهو في النقاش العام الدولي بوصفه أحد أكثر القادة رفضاً وكراهية في الرأي العام العالمي، وربما الأكثر إثارة للنفور في هذه المرحلة. وهذا توصيف لم يأتِ من خطاب أيديولوجي، بل من تراكم استطلاعات رأي موثوقة، خصوصاً في أوروبا وأميركا الشمالية، تُظهر انهياراً غير مسبوق في صورته الشخصية، حتى داخل مجتمعات كانت تقليدياً داعمة لـ "إسرائيل".
هذا التحوّل في الرأي العام هو نتاج مباشر لحجم الكارثة الإنسانية في غزة، ولارتكابات "إسرائيل" في فلسطين ولبنان وسوريا وحرب إيران، ولخطاب نتنياهو التصعيدي نفسه، الذي يساهم في عزل "إسرائيل" سياسياً وأخلاقياً.
في ضوء ما سبق، ومن خلال تحليل عقلاني بارد يوازن بدقة بين الكلفة والفائدة، يمكن الجزم بأنّ اجتماع البيت الأبيض هو لقاء مرتفع الكلفة ومنخفض الجدوى بالنسبة لرئيس الجمهورية وللبنان.
إنّه اجتماع للصورة فقط؛ صورة يحتاجها نتنياهو لإعادة تعويم نفسه دولياً، ويحتاجها الرئيس ترامب ليقدّمها إنجازاً شخصياً. أما لبنان، فلن يخرج من هذا الاجتماع بأي ضمانة، ولا بأي اتفاق، ولا بأي مكسب فعلي، فيما سيتحمّل وحده كامل الكلفة الرمزية والسياسية.