قمة حلف شمال الأطلسي وأهمية الدور التركي

ستسعى تركيا لاستغلال قمة "الناتو" لإعادة صياغة علاقتها مع الولايات المتحدة، مستفيدة من الكيمياء الشخصية الإيجابية بين الرئيسين رجب طيب إردوغان ودونالد ترامب، ومن حاجة واشنطن الماسّة لتأمين "الجناح الجنوبي" للحلف .

  • الحرب على ايران عمقت مشكلات
    الحرب على ايران عمّقت مشكلات "الناتو".

تنعقد قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة المقرّرة يومي 7 و8 تموز/يوليو 2026 وسط بيئة حرجة في العلاقات الأمنية والسياسية.

تلتقي مصالح الدول الأعضاء على عدة محاور تهدف إلى تأمين مستقبل الحلف، فما هي نقاط التلاقي ونقاط الاختلاف بين الدول الأعضاء والرئيس الأميركي؟

هناك اتفاق تامّ على تفعيل مخرجات قمة لاهاي السابقة، والتركيز على تحويل الموارد المالية وتحويل الإنفاق الدفاعي إلى "قدرات قتالية جاهزة على الأرض" وتسريع إنتاج الأسلحة.

يتقاطع الأعضاء حول ضرورة بناء قاعدة صناعية عسكرية مشتركة، مع تركيز خاصّ من تركيا على كسر قيود التصدير البينية والتعاون عبر الأطلسي. كذلك يهدف المجتمعون الى حماية خطوط إمداد الطاقة ومكافحة التهديدات الهجينة والسيبرانية التي تستهدف البنى التحتية الحيوية في أوروبا، وهناك رغبة مشتركة لتوسيع شراكات الناتو، وتحديداً مع دول الخليج التي ستشارك في القمة للمرة الأولى لمناقشة أمن الملاحة وشركاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ . جميع هذه النقاط تشكّل نقاط التقاء، لكن ما هي نقاط الصراع حيث تشهد القمة تجاذبات شديدة وصراعاً في الأولويات والمطالب .

كان الحلفاء الأوروبيون قد رفضوا الانجرار إلى الصراع الأميركي-الإسرائيلي ضدّ طهران فيما تحاول تركيا أن تؤدّي دور المنسّق ودور الوساطة للتوفيق بين الأوروبيين وبين الرئيس الأميركي الذي كان قد هدّد سابقاً بالانسحاب واصفاً الناتو بـ "نمر من ورق" بسبب التردّد الأوروبي.

ترى العواصم الأوروبية وقيادة الناتو أنّ الهجمات الروسية تمثّل خطراً وجودياً مستداماً على أوروبا، وبالتالي تظلّ أوكرانيا هي الأولوية القصوى عبر زيادة الدعم العسكري لبيجين. فيما تبدي إدارة ترامب رغبة في تقليص الدعم المالي المباشر لأوكرانيا والدفع نحو تسوية سياسية سريعة مع موسكو، ما يثير قلق الجبهة الشرقية لأوروبا.

في ظلّ هذه التناقضات تدعم أنقرة سيادة أوكرانيا وتزوّدها بالسلاح، لكنها في آن ترفض عزل روسيا بالكامل وتتمسّك بدورها كوسيط دبلوماسي مستقلّ. ورغم ارتفاع الإنفاق الأوروبي والكندي بنسبة 20%، يواصل ترامب الضغط لرفع المساهمات الدفاعية وتخفيف العبء المالي عن واشنطن.

فيما تسعى بروكسل لبناء هيكلية أمنية أوروبية موحّدة تفرض الدمج المؤسسي بين جيوشها وأسواق سلاحها. ترفض أنقرة فرض قيود على استخدام أسلحتها الوطنية. وتطالب الحلف بالاعتراف بمخاوف أمنها القومي خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب والحدود الجنوبية، مستغلّة امتلاكها لثاني أكبر جيش في الحلف. 

الحرب على ايران عمّقت مشكلات الناتو 

تريد تركيا استخدام موقعها الجغرافي والسياسي لتقريب وجهات النظر المتصادمة بين ضفتي الأطلسي وتعلم أنّ القيادة العسكرية للناتو تريد الخروج من قمة أنقرة برؤية "عملية وملموسة" للاستعداد لأيّ مواجهة شاملة، ويبقى نجاح القمة مرهوناً بمدى قدرة القادة الأوروبيين على تقديم طروحات مرنة ترضي مطالب ترامب الاستراتيجية. 

أدّت الحرب ضدّ إيران إلى ضرب استقرار الشرق الأوسط ووضعت الأمن القومي للجناح الجنوبي لحلف الناتو في خطر مباشر، تحوّل الصراع من مواجهات استخباراتية محدودة إلى حرب استنزاف طالت البنى التحتية والاقتصاد الإقليمي وتسبّبت في أكبر اضطراب تاريخي لإمدادات الطاقة بعد إغلاق مضيق هرمز.

رفعت أسعار الوقود عالمياً بشكل غير مسبوق. يمثّل الجناح الجنوبي للحلف الذي يضمّ تركيا، وإيطاليا، وإسبانيا، واليونان خط الدفاع الأوّل الملاصق جغرافياً لشرق المتوسط والشرق الأوسط، وقد تأثر أمنه بشكل مباشر.

كشفت الحرب عمق الانقسام بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين؛ بعد رفض دول الجناح الجنوبي (مثل إسبانيا) السماح للقوات الأميركية باستخدام قواعدها العسكرية لشنّ ضربات ضدّ إيران، ما حمل ترامب على التهديد بالانسحاب.

رداً على التردّد الأوروبي، أعلنت إدارة ترامب مطلع أيار مايو 2026 عزمها سحب آلاف الجنود الأميركيين من ألمانيا وخفض نطاق قدراتها الدفاعية الموضوعة تحت تصرّف الناتو، مما يترك الجناح الجنوبي مكشوفاً وأكثر اعتماداً على قدراته الذاتية الضعيفة مقارنة بالولايات المتحدة. رسّخت الحرب أزمة ثقة وجودية غير مسبوقة تهدّد بانهيار مفهوم الدفاع المشترك للناتو تاريخياً بينما تحاول أنقرة قيادة جهود وساطة لمنع انهيار "الناتو" .

ما هو الدور الذي تطمح إليه تركيا 

يمكن لتركيا إعادة تعريف موقعها داخل حلف "الناتو" من خلال التحوّل من دور "الحليف التابع" أو "حارس الحدود" إلى دور "الشريك الاستراتيجي المستقلّ والموازن"، مستغلةً التوترات الحالية بين إدارة ترامب والقادة الأوروبيين، تستطيع أنقرة تحقيق هذه القفزة الاستراتيجية عبر الاستمرار في سياسة "مسافة الأمان الدبلوماسية" مع موسكو مع دعم سيادة أوكرانيا، لتظل الجسر الوحيد الذي يمنع الصدام النووي الشامل في البحر الأسود.

في ظلّ ضغوط ترامب لرفع الإنفاق الدفاعي، تبرز تركيا كقوة تصنيعية ضخمة ومجدية اقتصادياً. يمكنها توريد المسيّرات، والذخائر، وأنظمة الدفاع الجوي للدول الأوروبية التي تعاني من بطء الإنتاج.

والمساهمة في تطوير التكنولوجيا العسكرية للناتو بمنتجات محلية الصنع بنسبة 100%، مما يحميها من سيناريوهات حظر التسلّح (مثل أزمة F-35 وS-400 سابقاً).

بفضل علاقة إردوغان الوثيقة بترامب ستسعى لتقريب وجهات النظر بين البيت الأبيض المهدّد بالانسحاب، والعواصم الأوروبية القلقة.لتقديم قمة أنقرة المقبلة كمنصة لإعادة صياغة "تقاسم الأعباء" بطريقة ترضي معايير ترامب التجارية والعسكرية، من دون تفكيك الحلف.

وكذلك إجبار الحلف على إدراج المخاطر الأمنية المقبلة من شمال سوريا والعراق والشرق الأوسط كأولويات جماعية متساوية مع خطورة الجبهة الشرقية أي روسيا، وإعادة تعريف دورها كصمام أمان جيوسياسي يمنع تدفّق موجات اللجوء الناتجة عن التغييرات السياسية نحو أوروبا، وتحويل هذا الملف إلى ورقة ضغط سياسي ومالي مستمرة.

مع مواصلة بناء الشراكات مع منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، ليس كبديل للناتو، بل كأداة لإثبات أنّ تركيا تمتلك خيارات استراتيجية متعدّدة، مما يرفع من قيمتها ويجبر حلفاء الأطلسي على تقديم تنازلات للحفاظ عليها. وهكذا لن تكون مجرّد جغرافيا عسكرية يستغلها الحلف، بل ستتحوّل إلى عقل مدبّر لا غنى عنه لصياغة الأمن الأوروبي-الأطلسي الجديد.

ضغوط الناتو وأميركا لإنهاء عرقلة قبرص واليونان ومن خلفهما "إسرائيل" 

يضغط الأمين العامّ للناتو مارك روته بقوة على العواصم الأوروبية لمنح تركيا "صوت ثقة" والسماح لها بالمشاركة في آلية SAFE الأوروبية؛ حيث يرى الناتو أنّ استبعاد ثاني أكبر جيش في الحلف من التنسيق الدفاعي الأوروبي يضعف الجبهة الغربية برمّتها.

يخشى حلفاء الناتو أن يؤدّي تعنّت اليونان وقبرص إلى دفع تركيا للتصلّب أكثر في مواقفها مما يهدّد بإفشال خطط الحلف لبناء جبهة موحّدة ضدّ المخاطر الإقليمية. 

لتطويق النفوذ التركي، عزّزت اليونان وقبرص تحالفاتهما العسكرية خارج مظلة الناتو التقليدية من خلال المحور الثلاثي مع "إسرائيل" حيث تمّ التوقيع على خطة عمل عسكرية مشتركة لتكثيف المناورات الجوية والبحرية في شرق المتوسط، وبناء قوة استجابة عسكرية سريعة لحماية حقول الغاز، والسعي لإبرام اتفاقيات دفاعية تسمح بنشر قوات فرنسية في قبرص اليونانية، وهو ما اعتبرته وزارة الدفاع التركية خطوة استفزازية تخرق اتفاقيات لندن وزيورخ التاريخية التي تمنح تركيا صفة "الدولة الضامنة" في الجزيرة.

لن تتوقّف العرقلة المتبادلة في المدى المنظور؛ فالأمر بات يمثّل صراع سيادة وجودياً لأطرافه. ومع إصرار البرلمان الأوروبي على المطالبة بسحب القوات التركية، وتأكيد تركيا زيادة ميزانية دفاع شمال قبرص، ستبقى هذه الأزمة العقدة الجيوسياسية الشائكة التي تمنع تحقيق تكامل دفاعي حقيقي وصارم بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

ستسعى تركيا لاستغلال قمة "الناتو" المقرّرة في أنقرة (7-8 تموز/يوليو 2026) لإعادة صياغة علاقتها مع الولايات المتحدة، مستفيدة من الكيمياء الشخصية الإيجابية بين الرئيسين رجب طيب إردوغان ودونالد ترامب، ومن حاجة واشنطن الماسّة لتأمين "الجناح الجنوبي" للحلف .

تفضّل أنقرة أسلوب ترامب القائم على إبرام صفقات مباشرة عن طريق القيود السياسية التي تفرضها الإدارات الديمقراطية عادة. ستشهد القمة خلف الكواليس محادثات حاسمة لإيجاد مخرج قانوني نهائي لأزمة منظومة S-400 الروسية، بهدف إعادة دمج تركيا في برنامج مقاتلات F-35 أو تأمين تدفّق قطع الغيار والتحديثات لأسطول طائرات F-16 التركي، ستعرض تركيا سدّ الفجوة وتقدّم نفسها كقوة إقليمية قادرة على حماية وتأمين القواعد والمصالح الأميركية في شرق المتوسط والشرق الأوسط، مستغلة امتلاكها لثاني أكبر جيش في الناتو وموقعها الجغرافي.

تواجه تركيا عرقلة مستمرة من اليونان وقبرص لمنعها من الانضمام إلى المشاريع الدفاعية للاتحاد الأوروبي (آلية SAFE ستطلب أنقرة من إدارة ترامب ممارسة ضغوط مباشرة على العواصم الأوروبية لإلغاء أي حظر سري على تصدير تكنولوجيا الأسلحة إلى تركيا، وتأكيد واشنطن أنّ إقصاء الصناعات الدفاعية التركية يمثّل إضعافاً متعمّداً لقدرات الناتو الشاملة.

من خلال استضافتها لقمة الناتو في أنقرة ستسعى تركيا لتقديم "أوراق اعتماد جديدة" لإدارة ترامب تثبت من خلالها أنّ أنقرة حليف موثوق، عملي، ومستعدّ لتقاسم الأعباء العسكرية، على عكس الحلفاء الأوروبيين.