صدام الجغرافيا في غرب آسيا: من هرمز إلى أبو الضهور

الجغرافيا السياسية لغرب آسيا عامل حاسم في صراع القوى، والهجوم على أبو الضهور يعكس محاولة إسرائيل منع تمدد النفوذ التركي والإيراني في المنطقة.

  • صدام الجغرافيا في غرب آسيا: من هرمز إلى أبو الضهور
    صدام الجغرافيا في غرب آسيا: من هرمز إلى أبو الضهور

في فجر الثامن عشر من آب/أغسطس 2026، لم تكن الغارات الإسرائيلية الثماني على مطار أبو الضهور العسكري في ريف إدلب مجرّد حلقة عابرة في سلسلة طويلة من الاعتداءات على السيادة السورية. كانت، في جوهرها، رسالة جغرافية بامتياز، حملت في طيّاتها أكثر مما تحمله الصواريخ من دمار. فـ"إسرائيل"، التي أقرّ رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بأنّ الضربة جاءت بسبب ما وصفه بـ"نشر وشيك للقوات التركية في المنشأة قرب حلب"، كانت ترسم خطاً أحمر على خريطة غرب آسيا: هضبة الأناضول لا تتجاوز بوابة الشام.

هذا الحدث لم يكن منعزلاً عن الحرب الدائرة في الخليج ومضيق هرمز. بل كان ارتداداً مباشراً لزلزال "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023، والذي أعاد تشكيل خريطة الصراع في ما يعتبره الكثيرون "مركز العالم": غرب آسيا. للحرب المستمرة بأشكالها المختلفة أوجهاً ودوافع متعدّدة، بأبعادها السياسية والعقائدية والحقوقية والاجتماعية. قد أخذت في العمق صراع العقول الاستراتيجية في المنطقة. 

لكنّ هذا وحده لا يكفي لتفسير مسارات الحرب، فهناك عمق أبعد ساهم في صياغة هذه العقول: أنماط الجغرافيا السياسية التي تؤدّي دوراً جوهرياً في رسم مسارات الصراع، كانعكاس لما تحدّث عنه شارل ديغول: "إذا أردت أن تفهم السياسة فعليك ببسط الخريطة، وتعلّم أنّ التاريخ هو ظلّ للجغرافيا".

من ماكيندر إلى كابلان: الإرث الجيوسياسي لغرب آسيا

لفهم الرسالة الجيوسياسية الكامنة وراء ضربة أبو الضهور، لا بدّ من العودة إلى الأسس النظرية التي شكّلت الفكر الاستراتيجي الغربي تجاه هذه المنطقة. ففي عام 1904، وقف الجغرافي البريطاني هالفورد ماكيندر أمام الجمعية الجغرافية الملكية في لندن ليضع نظريته الشهيرة عن "قلب الأرض" (Heartland). كان جوهر رؤيته أنّ الكتلة الأوراسية تمثّل "قلباً" قارياً صلباً، غنياً بالموارد، عصياً على الغزو من البحر. ومن هنا صاغ مقولته الخالدة: "من يسيطر على قلب الأرض يسيطر على جزيرة العالم، ومن يسيطر على جزيرة العالم يسيطر على العالم بأسره".

لم تكن هذه النظرية مجرّد تأمّل أكاديمي. لقد تحوّلت مع الوقت إلى عقيدة استراتيجية لكبار صنّاع القرار. وفي الحرب الباردة، استلهمت واشنطن فكر ماكيندر لتطويق الاتحاد السوفياتي عبر أحلاف مثل الناتو. وما يحدث اليوم في غرب آسيا هو امتداد لهذه الرؤية: فالصراع على "قلب العالم" لم ينتهِ، بل انتقل إلى أطرافه الجنوبية، حيث تلتقي القوى البرية (إيران وتركيا والصين وروسيا) بالقوى البحرية (الولايات المتحدة و"إسرائيل").

بعد قرن من ماكيندر، جاء روبرت كابلان ليؤكّد أنّ الجغرافيا لم تمت، بل تعود لتنتقم ممن تجاهلوها. في كتابه "انتقام الجغرافيا" (2012)، يرفض كابلان فكرة "العالم المسطّح" التي روّج لها توماس فريدمان، ويؤكّد أنّ الجغرافيا تظلّ مفتاحاً لفهم صراعات العالم. فهو لا يرى الجبال والصحاري والأنهار مجرّد سمات صامتة، بل "عناصر فاعلة تساهم في تشكيل السياسة الخارجية، وطرق التجارة ومسارات الحروب عبر التاريخ".

في تحليله لمنطقة "الشرق الأوسط الكبير"، يولي كابلان اهتماماً خاصاً لإيران. فهو يرى أنّ الهضبة الإيرانية "الأكثر محورية في الشرق الأوسط الكبير، ليست مجرّد تضاريس، بل بنية عميقة تمنح إيران قدرتها على الصمود والمناورة". والجبال التي تحيط بها والصحارى التي تمتد في عمقها ليست عوائق طبيعية فحسب، بل "عناصر في استراتيجية البقاء. إنها جغرافيا تُنتج السياسة، وتمنحها حدودها وإمكاناتها". هذا التحليل يفسّر لماذا استطاعت إيران الصمود في وجه أعنف حملة عسكرية منذ الحرب العالمية الثانية، ولماذا فشلت استراتيجية "الكش ملك" الأميركية التي راهنت على الحسم السريع.

بينما يقدّم كابلان رؤية واقعية غربية، يقدّم المفكّر المصري جمال حمدان رؤيةً مختلفة، حضارية وإنسانية، ترى الجغرافيا كعامل نهضة وشخصية قومية. في كتابه الموسوعي "شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان" (1967)، يؤسّس حمدان رؤيته على ما يسمّيه "عبقرية المكان"، أي الخصائص الجغرافية الفريدة التي تميّز مصر عن غيرها من الدول. ويرى أنّ مصر ليست مجرّد وطن جغرافي أو كيان سياسي، بل "شخصية" متفرّدة تبلورت عبر آلاف السنين من التفاعل المستمر بين الإنسان والمكان والتاريخ. فإذا كان كابلان يقول إنّ "الخرائط تُحدّدُ مصير الدول"، فإنّ حمدان يضيف بعداً أعمق: "عبقرية المكان تصنع التاريخ إذا فُهمت بعمق".

مسرح الشام: قلب الجغرافيا المتصدّع

ما يجمع هذه الرؤى هو إدراك أنّ غرب آسيا ليس مجرّد منطقة عابرة، بل هو مسرح الشام – ذلك الفضاء الذي يمنح أيّ قوة إمبراطورية صاعدة قيمتها الحقيقية. إنه مسرح يغلب عليه الطابع السهلي، بمدرّجاته الهضابية المندفعة نحو السهول، من هضبة الأناضول والهضبة الإيرانية. ومن خلفها، تتحرّك الفواعل الأكبر: الصين وروسيا من الشرق، والولايات المتحدة من وراء البحار بقاعدتها الإسرائيلية.

هذا المسرح هو الذي يفسّر لماذا تخشى تركيا – بهضبتها الأناضولية القاسية – من أيّ فراغ في سوريا، لأنّ عودتها إلى مسرح التاريخ لا يمكن أن تحصل إلا من بوابة الشام. وهو الذي يفسّر لماذا تسعى إيران لتأمين حزام أمني يمتدّ من الخليج إلى المتوسط. وهو الذي يفسّر لماذا تقف مصر – بوادي النيل وعبقريته المكانية – على أهبة الاستعداد لاستعادة دورها الإقليمي. فكلّ من هذه القوى الثلاث تدرك، بوعيها الجيوسياسي، أنّ مصيرها مرتبط بهذا المسرح، وأنّ أيّ تراجع فيه يعني تراجعاً في وجودها كقوة إمبراطورية.

"إسرائيل": الفيروس الإحلالي للقوى البحرية

في هذا السياق، تأتي ضربة أبو الضهور لتعكس دوراً أعمق لـ"إسرائيل" في معادلة الصراع. فـ"إسرائيل"، التي سيطرت كـ"فيروس إحلالي" على الولايات المتحدة – القوة البحرية العظمى – ليست سوى وجه جديد للقوى البحرية التي تناوبت على الهيمنة منذ رحلات ماجلان واكتشاف رأس الرجاء الصالح: من الهولنديين إلى الإسبان إلى الفرنسيين إلى البريطانيين، وأخيراً الأميركيّين.

هذا الدور جعل من "إسرائيل" "فيروساً إحلالياً" – ليس بمعنى الطفيل المتطفّل، بل بمعنى الكيان الذي يسخّر جسد المضيف (الولايات المتحدة) لخدمة أهدافه التوسّعية، بينما يوفّر له في المقابل قاعدة متقدّمة في قلب المنطقة. العلاقة بين واشنطن و"تل أبيب" ليست علاقة ندية، بل علاقة تسخير، حيث تتحكّم "إسرائيل" في السياسة الأميركية تجاه المنطقة عبر شبكات نفوذ تمتدّ من الكونغرس إلى البيت الأبيض.

وهذا ما جعل الحرب على إيران – رغم أنها لا تخدم المصالح الأميركية المباشرة – حقيقة واقعة، لأنها تخدم مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يرى في أيّ قوة إقليمية صاعدة تهديداً وجودياً. فـ"إسرائيل" ترى نفسها أحقّ بقيادة العالم والهيمنة عليه من القوى المتآكلة، وهي الوريث الشرعي للقوى السابقة. وأيّ تموضع عسكري تركي في سوريا، من منظورها، هو تجاوز للخط الأحمر الذي لا ينبغي تجاوزه.

الخلاصة: الجغرافيا تنتقم

ما نشهده اليوم في غرب آسيا – من هرمز إلى أبو الضهور – هو تجسيد حيّ لما يمكن تسميته "صدام الجغرافيا". فالجغرافيا ليست مجرّد خلفيّة للأحداث، بل هي محرّكها الأول والأعمق. وكما قال ديغول، فإنّ التاريخ هو ظلّ للجغرافيا. فالهضبة الإيرانية تصمد، وهضبة الأناضول تسعى للعودة، والقوى البحرية تتآكل، والفيروس الإحلالي يحاول البقاء. وفي خضمّ هذا الصدام، تبقى الشام هي المسرح الذي تُحسم عليه مصائر الإمبراطوريات. فمن يسيطر على هذا المسرح يسيطر على قلب العالم، ومن يسيطر على قلب العالم يسيطر على مصير التاريخ، وما الهجوم الأخير سوى تأكيد استباقي لمنع ملء فراغ قد يحصل بالعجز الأميركي عن حسم أثر جغرافية هرمز.

والسؤال الذي يبقى معلّقاً: هل تدرك قوى غرب آسيا الأصيلة حضارياً وتاريخياً أنّ الجغرافيا ليست مجرّد ساحة للصراع، بل هي أيضاً إطار للتعاون، واختباره بالتخلّص من الفيروس الإحلالي؟ أم أنها ستستمر في لعبة الصدام حتى تدرك – متأخرة كعادتها – أنّ الجغرافيا لا تنتقم فقط، بل تتحوّل إلى مسرح، إلى كولوسيوم كوني، حيث يُعرض الصراع ويُدار ويُستهلك في آن واحد؟