سردية اليوم الـ13 للحرب.. كيف تواجه إيران الإرهاب السردي في زمن الرصاصة الرقمية؟
ما يُميّز الاستهداف الاعلامي اليوم على الجمهورية الإسلامية؛ هو تعدد الأطراف المشاركة فيه، من منصات غربية كبرى إلى شبكات إقليمية، إلى مزارع رقمية، تعمل في حسابات وهمية أو شبه حقيقية.
-
ما يجري في الفضاء الرقمي الإيراني؛ يجب أن يُقرأ بعمق وهدوء.
إنه زمن التحول في كلّ شيء، زمن لا تصبح على ما باتت عليه الشعوب، ومشهدية الحروب الحديثة لم تعد تُدار بالأسلحة وحدها؛ بل باتت تُدار بالمعاني وبالصور وبالقصص، التي تُضخّ في وعي الجمهور المحلي والإقليمي والدولي في آنٍ وبضغطة زرّ، ويمكن فهم ما تشهده الجمهورية الإسلامية من تصاعد في الحملات الإعلامية المتزامنة مع احتجاجات ذات طابع معيشي، بوصفه امتداداً لحرب مفتوحة على السردية الإيرانية، دولةً ونظاماً سياسياً.
فالصراع اليوم يتمحور حول من يملك حقّ تعريف واقع ماجرى ويجري من أحداث داخلية، ومن يملك القدرة على تفسير الأزمات وتوجيه الغضب الشعبي، وتحويله من مطلب اجتماعي مشروع، الى أداة إسقاط وتصفية سياسية في مشروع صِدامي؛ تقوده الولايات المتحدة وربيبتها "إسرائيل" وحفنة من قادة الأنظمة الغربية- وجزء من الأعراب المطبّعين في لعبة تبادل للأدوار، متعددة المستويات والأهداف.
إن الاحتجاجات المدنية السلمية في أي مجتمع، ظاهرة طبيعية، بل ضرورة صحية في سياق إصلاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية؛ غير أن الإشكالية الكبرى تبدأ عندما تُختطف هذه الاحتجاجات من قبل شبكات إعلامية عابرة للحدود، تعمل وفق منطق الحرب النفسية، وتستخدم الأدوات الكلاسيكية والرقمية، لتفكيك السردية الوطنية، وإعادة تركيبها ضمن إطار يخدم أجندات الخصم، ومن هنا تظهر لنا أهمية مفهوم صناعة السردية بوصفه جوهر الصراع المعاصر، في امتلاك الرواية الأولى.
فمثلاً يرى خبراء في التقنيات الرقمية، أن المعطيات المرتبطة بوسم أو هاشتاك (تحرير الشعب الفارسي) أنها تشير إلى نمط غير طبيعي في الانتشار، إذ إن غالبية المحتوى المتداول تحت هذا الوسم؛ اعتمد على إعادة النشر- لا على الإنتاج الأصلي، وهو مؤشر معروف في دراسات الاتصال السياسي، والحرب المعلوماتية التي تدل على وجود حملات منسقة، اعتمدت على ضخّ رسائل جاهزة، بدلاً من تحفيز نقاش اجتماعي حقيقي يصل إلى حلّ منطقي للأزمة. فحين يكون عدد الحسابات المنتجة للمحتوى محدوداً جداً، ويصل الخطاب إلى عشرات الملايين؛ فإننا أمام عملية تضخيم وتخصيب اصطناعي للرأي العام، لا أمام تعبير عفوي نابع من المزاج الشعبي.
الأخطر من ذلك، أن تحليل مضمون الخطاب؛ أظهر انتقالاً سريعاً من المطالب الاقتصادية، إلى إطار سياسي تصادمي، قائم على ثنائيات حادة موجهة من قبيل: (الشعب مقابل النظام) و (الحرية مقابل الدين) و (الدولة مقابل التطبيع)، وهي ثنائيات باتت معروفة ومكشوفة في أدبيات تغيير الأنظمة. إذ يجري (تبسيط- تضخيم) الواقع المعقد، وتحويله إلى صراع على الهوية الوطنية لا يقبل الحلول الوسط، ولا الإصلاح التدريجي؛ بل يدفع باتجاه القطيعة الشاملة، وبالتالي ستصبح دولة المواطن فجأة دولة الحاكم والسياسي، والتخريب والحرق والقتل واستباحة الحرمات من لوازم (الثورة)؟! عن أي ثورة تتحدثون؟ نحن نريد الخبز، يجيبهم العقل الجمعي المُغذى رقمياً: هذا مقابل ذاك، فهي ثورة ضد النظام، وهلمّوا بنا لإسقاطها، وحيّ على الهرج والمرج، وإليكم المكافآت الكاش بالعملة الصعبة.
إن الكشف عن إدارة الوسوم- الهاشتاكات وتربّعها على عرش الترند الطويل من قبل حسابات خارجية، بعضها مرتبط بشبكات إعلامية إسرائيلية، وبعضها الآخر مدعوم من دول محيطة بالجمهورية الإسلامية؛ يضع هذه الحملات وسواها في سياق ما يمكن تسميته (الإرهــاب السـردي)، وهو نمط من الحرب الناعمة، يهدف إلى زعزعة الاستقرار، من خلال استهداف الثقة بين المجتمع والدولة، بواسطة تحطيم الرابط المقدس- الوطني بينهما، فضلاً عن العمليات المسلحة وحرب الشوارع والفتن الطائفية وتغذية الاحتقان الداخلي- الشعبي.
لفهم هذه الاستراتيجية بشكل أدقّ؛ لا بد من العودة إلى التجربة الإيرانية في حروب السرديات السابقة، وتحديداً في حروب "الوعد الصادق" و "إسناد الجبهة الفلسطينية".
إذ نجحت الجمهورية الإسلامية وحلفاؤها من دول المحور، في تحويل المواجهة العسكرية المحدودة، إلى انتصار معنوي واسع، من خلال بناء سردية مقاومة متماسكة؛ ربطت بين الفعل العسكري والدفاع عن السيادة والكرامة الوطنية. وقد لعب الإعلام المقاوم (الحديث) دوراً محورياً في هذه العملية، من خلال تقديم رواية قائمة على (الحقيقة) أولاً، ثم التدرج الزمني والوضوح الأخلاقي- الوطني، وربط الأحداث بسياقها الإقليمي والدولي.
كما أن حرب الاثني عشر يوماً؛ تمثل أنموذجاً متقدماً في هذا المجال، إذ لم تكن المعركة محصورة في الميدان؛ بل امتدت إلى الفضاء الإعلامي بشكل مكثف، فكان اليوم الأول (معركة الصدمة) واليوم الثاني (معركة التفسير) واليوم الثالث (معركة تثبيت للمعنى) بالدفاع من أجل العزّة والكرامة الإنسانية- الإسلامية.
ومع كل يوم كانت تتغير الأدوات وتتبدل الرسائل، لكنّ الهدف بقيّ واحداً: وهو منع العدو من احتكار الرواية. واليوم حين نرى ما يجري من ركوب لموجة الاحتجاجات، التي بدأت سلمية وتحولت إلى مشروع دولي؛ يمكن قراءته بوصفه (اليوم الثالث عشر) من تلك الحرب.
أي بمعنى أنها محاولة من الحلف الدولي على إيران لتعويض فشله العسكري ذاك، من خلال تصعيد الهجوم السردي، ووضع الشعب الإيراني المعاقَب والمحاصر اقتصادياً، في قِدر يغلي حقداً ودموية ووحشية على شعب صمد ولم يركع.
إن ما يُميّز الاستهداف الإعلامي اليوم على الجمهورية الإسلامية؛ هو تعدد الأطراف المشاركة فيه، من منصات غربية كبرى إلى شبكات إقليمية إلى مزارع رقمية تعمل في حسابات وهمية أو شبه حقيقية.
وهو ما يجعل إيران في مواجهة (إرهــاب دولي) متعدد الأطراف، لا يستخدم العنف المادي فقط؛ بل يوظف العنف الرمزي من خلال تشويه الصورة، وإعادة تعريف المفاهيم وضرب الثوابت والمقدسات لدى المجتمع الفارسي.
لذا تبرز مسؤولية الجمهورية الإسلامية في صناعة سرديتها الخاصة، لا بوصفها ردّ فعل انفعالياً؛ بل بوصفها استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على عدّة مرتكزات:
أولها: أن الاعتراف بوجود مشكلات داخلية وامتصاص نقمة المطالب الشعبية، كحقيقة ثابتة من دون حلول مستدامة؛ سوف يفتح الباب أمام العدو ثانيةً لملء الفراغ السردي.
ثانيها: الفصل بين الاحتجاج بوصفه حقّاً مدنياً وبين التوظيف الخارجي، بوصفه عملاً عدائياً التصدي له واجب. ثالثها: الاستثمار الذكي في الإعلام الرقمي (الخارجي- الداخلي) القادر على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها.
وكذا الحال بالنسبة للإعلام المقاوم: فهو مطالب اليوم بتطوير أدواته السردية، بحيث لا يكتفي بخطاب التعبئة التقليدي؛ بل ينتقل إلى خطاب تفسيري تحليلي يشرح للجمهور: كيف تعمل الحملات المنسقة، كيف تُصنع الترندات الوهمية، وكيف يجري توظيف الذكاء الاصطناعي في توليد الصور والمقاطع المضلّلة؛ لأن رفع الوعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة الحروب الناعمة وبخاصة عند الشباب.
ولا يمكن إغفال أهمية البعد الإقليمي في السردية الإيرانية، فالصراع الدائر حالياً لا يخصّ الجمهورية الإسلامية وحدها؛ بل سيمتد إلى الرقعة السوداء التي رفع صورتها نتنياهو في الأمم المتحدة، وربما أبعد من ذلك، لأنه مشروع طائفي بحت يستهدف (النظام الإسلامي)، وهو ما يستدعي بناء سردية مشتركة، تبرز الترابط بين الساحات الإسلامية، وتكشف وحدة الأدوات المستخدمة ضدها. فعدو اليوم هو نفسه من صنع داعــش والقاعدة والإرهاب ووصفها بالدولة الإسلامية- السنية.
إن المعركة اليوم ليست معركة إسقاط دولة، ولا معركة قمع احتجاج؛ بل معركة وعي ومعنى، ومن ينجح في امتلاك السردية، ينجح في توجيه مسار الأحداث، حتى في ظل الأزمات الاقتصادية والضغوط الدولية.
من هنا فإن ما يجري في الفضاء الرقمي الإيراني؛ يجب أن يُقرأ بعمق وهدوء؛ لا بعصبية ولا بتبسيط، لأن التحدي الحقيقي لا يَكمنُ في الوسم، ولا في عدد المنشورات؛ بل في القدرة على حماية العقل الجمعي من الاختراق، وعلى تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وكفى بالشعب الإيراني فخراً أن أبناءه التقنيين صفعوا إيلون ماسك ومن خلفه من مستثمري الحروب وتجّارها، حينما استطاعوا التحكم بنسبة الوصول إلى إنترنت الأقمار الاصطناعية (ستارلينك)، الذي فشل في اختبار واقعي لحقيقة صنيعته، التي كشفت جانباً منها أحداث إيران، بأن هذه التقنيات وما يسمّى الثورة العلمية، الجزء الأكبر من تنشئتها: هو التحكم في مصائر الخلق. فانبهر العلماء والتقنيون بهذه القدرة. وحسبك سيدي القارئ فخراً بهم أنهم (مسلمون)،وأن الجمهورية الإسلامية التي واجهت حروباً عسكرية واقتصادية قاسية، تمتلك اليوم رصيداً كبيراً من الخبرة في مواجهة الحروب السردية، غير أن طبيعة هذه الحرب المتغيرة؛ تفرض عليها وعلى إعلامها وشركائها، أن يكونوا أكثر مرونة وابتكاراً، وأن يدركوا أن (اليوم الثالث عشر) من حرب الاثني عشر يوماً سيطول، وقد يكون أخطر من أي يوم سابق. لأن القوة الصلبة فيه (كلمات)، وأن ساحته (عقول الناس) لا حدود الجغرافيا والدين.