الضربة المؤجَّلة على إيران مأزق الهيمنة الأميركية في عالم يتغيّر (1- 2)
أيّ اشتباك مع إيران يضع مضيق هرمز ـــــ وبدرجة أقل باب المندب ـــــ في حالة تهديد مباشر، وحتى من دون إغلاق رسمي يكفي رفع مستوى الخطر لتقفز كلفة التأمين، وتتعطّل سلاسل التوريد، وتتحوّل الأسعار إلى رهائن لقرار سياسي يُتخذ خارج المنطقة.
-
لا تتأجّل الضربة على إيران لأنها مستحيلة، بل لأنها مكلفة أكثر مما تحتمل حسابات اللحظة.
حين تتحدّث الإمبراطوريات عن القصف، فهذا ليس إعلان قوة، بل اعتراف بأنّ السياسة فشلت، وأنّ الشرعية تتآكل، وأنّ العنف يُستدعى ليملأ فراغ المعنى.
وحين يصل العالم إلى هذه اللحظة، يكون الشرق الأوسط هو الساحة الأولى للاختبار.
حين تتآكل الهيمنة وتُستدعى القوة
ليس السؤال عن ضربة أميركية محتملة لإيران سؤالاً عسكرياً، ولا حتى استراتيجياً بالمعنى الضيّق، بل هو سؤال عن لحظة تاريخية ضاغطة تتكثّف فيها أزمات النظام الذي تقوده الولايات المتحدة: هيمنة تتآكل، شرعيّة تتبدّد، وعجز متزايد عن إدارة الصراع إلّا بالانزلاق إلى فوضى مفتوحة.
الفيلسوفة السياسية حنّة أرندت فرّقت بين القوة التي تنبع من الفعل المشترك والقبول العامّ، والعنف الذي يظهر حين تنهار هذه القاعدة ويصبح الإكراه هو اللغة الوحيدة الممكنة. في هذا المعنى، لا تعبّر الضربة عن فائض قوة، بل عن عجز عن إنتاج توافق.
والمنظّر القانوني الألماني كارل شميت ربط السيادة بمن يقرّر في "حالة الاستثناء"، أي بمن يملك تعليق القواعد. والسؤال هنا: من يملك اليوم حقّ تعليق استقرار الشرق الأوسط باسم "الضرورة"؟
أما الفيلسوف الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي، فذكّر بأنّ الهيمنة لا تُحفظ بالقوة وحدها، بل بالرضا. وحين تفقد القوة قدرتها على إنتاج الرضا، تتحوّل إلى عبء، وتستدعي العنف لتعويض الشرعية المفقودة.
من هذه الزاوية، لا نقرأ الضربة المحتملة بوصفها تعبيراً عن تجدّد الهيمنة، بل بوصفها عرضاً لانكسارها، ومحاولة لتعويض تراجع الشرعية باستعراض القوة.
في هذا القسم، نفكّك ثلاث طبقات حاسمة: لماذا تبدو الضربة غير مرجّحة رغم ضجيج الخطاب؟ كيف يمكن أن تعيد رسم خرائط الاشتباك من الخليج إلى المتوسط؟ ولماذا يمكن أن تتحوّل من "رسالة ردع" إلى إيقاع استنزاف طويل عبر محور المقاومة من لبنان إلى اليمن مروراً بالعراق، بما يعيد المنطقة كلّها إلى منطق الصراعات المفتوحة على حساب منطق التسويات؟
الضربة المؤجَّلة: حسابات التردّد الأميركي
لم يعد الإقليم مستعدّاً لأن يكون ـــــ كما كان تاريخياً ـــــ مسرحاً لتصفية الحسابات الكبرى بين القوى العظمى. هذا التحوّل ليس عاطفياً ولا أخلاقياً، بل حساب مصلحة بارد لدى العواصم التي تعرف أنها ستكون أوّل من يدفع ثمن النار.
لذلك جاءت تحذيرات السعودية وعُمان وقطر من أنّ أيّ ضربة ستطال الطاقة والملاحة والقواعد الأميركية لا بوصفها تقديرات تقنية، بل بوصفها إعلان رفض سياسي لتحويل المنطقة إلى مسرح استثناء دائم.
لم يكن تصريح رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم بأنّ أيّ عمل عسكري ضدّ إيران سيقود إلى فوضى لا تُعرف عواقبها مجرّد تعبير عن قلق خليجي، بل كان رسالة سياسية واضحة إلى واشنطن مفادها أنّ الضربة لن تكون "عملية نظيفة"، بل حدثاً يخلخل التوازنات الهشّة في الخليج ويعيد تعريفه من منطقة استقرار نسبي إلى ساحة ارتداد مباشر.
هذه المواقف تعبّر عن لحظة نادرة في الشرق الأوسط: لحظة تقول فيها دول المنطقة "نعم للتحالف، لا للانتحار"، وتعيد فيها تعريف التحالف لا بوصفه تفويضاً مفتوحاً بالحرب، بل شراكة مشروطة بالحد الأدنى من العقلانية السياسية.
الطاقة والملاحة: حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح
الضربة على إيران لا تعني قصف منشأة أو قاعدة فحسب، بل تعني تلقائياً إدخال سوق الطاقة العالمي كلّه في منطقة الخطر. فإيران ليست دولة هامشية في معادلة النفط والغاز، بل عقدة مركزية في توازن العرض العالمي وفي أمن المضائق البحرية التي تمرّ عبرها شرايين الاقتصاد الدولي.
أيّ اشتباك مع إيران يضع مضيق هرمز ـــــ وبدرجة أقل باب المندب ـــــ في حالة تهديد مباشر، وحتى من دون إغلاق رسمي يكفي رفع مستوى الخطر لتقفز كلفة التأمين، وتتعطّل سلاسل التوريد، وتتحوّل الأسعار إلى رهائن لقرار سياسي يُتخذ خارج المنطقة.
لهذا ضغطت دول أوروبية كبرى، وفي مقدّمتها ألمانيا وفرنسا، خلف الكواليس لتفادي التصعيد، ليس بدافع السلام وحده، بل لأنّ اقتصاداتها الهشّة بعد صدمة أوكرانيا لا تحتمل صدمة طاقة جديدة، ولا مزيداً من التضخّم الذي قد يُعيد فتح أزمات اجتماعية مؤجّلة في قلب القارة.
أمن الكيان الصهيوني: حين يتحوّل الردع إلى عبء
"إسرائيل" ليست خارج حسابات التردّد الأميركي، بل في قلبها. فـ "تل أبيب" تدرك أنّ أيّ مواجهة واسعة مع إيران لن تكون حرب "الجبهة الواحدة"، بل حرب الجبهات المتعدّدة، وأنّ الردع الذي بُني على الحسم السريع يتحوّل في هذا السيناريو إلى عبء استراتيجي يوسّع دائرة المخاطر بدل أن يحدّها.
تجربة غزة ولبنان خلال السنوات الأخيرة كشفت حدود القوة الصلبة، وأظهرت أنّ التفوّق العسكري لا يترجم تلقائياً إلى أمن، بل قد يتحوّل إلى عامل استنزاف طويل حين يُواجه بقدرات مقاومة غير متماثلة تُراكم الوقت بدل أن تسعى إلى الحسم.
وهذا ما يفسّر لماذا يميل بعض صنّاع القرار في "تل أبيب" إلى إدارة الصراع بدل تفجيره: لأنّ التفجير قد يُسقِط آخر أوهام السيطرة، ويفتح سلسلة اشتباكات لا يمكن التحكّم بإيقاعها ولا بسقوفها.
العرب بين الحافة والهاوية
مصر ليست متفرّجاً على هذا المشهد، بل طرفاً يتقاطع أمنه القومي مباشرة مع أيّ انفجار إقليمي واسع، سواء عبر البحر الأحمر، أو حدود غزة، أو عبر ارتدادات الاقتصاد العالمي على الداخل المصري.
لذلك تتحرّك القاهرة بهدوء محسوب بين واشنطن وطهران، لا بوصفها وسيطاً معلناً، بل بوصفها دولة تدرك أنّ خفض منسوب التصعيد ليس خياراً دبلوماسياً فقط، بل شرطاً من شروط حماية توازنها الداخلي ومكانتها الإقليمية في آن.
دول الخليج، من جهتها، لا تتحرّك فقط بدافع التحصّن من ارتدادات الحرب، بل بدافع إعادة تعريف موقعها في النظام الإقليمي: تهدئة مع إيران لتقليل كلفة الاشتباك، وتنويع في الشراكات الدولية لتقليل كلفة الارتهان.
أما العراق ولبنان واليمن، فهي ليست مجرّد ساحات هشّة، بل عقد ارتداد مباشر لأيّ ضربة، حيث يمكن لأيّ شرارة أن تنتقل بسرعة عبر محور المقاومة، من جبهة إلى أخرى، لتتحوّل إلى نار إقليمية يصعب احتواؤها.
حين تصبح القوة بلا سياسة
في المحصّلة، لا تتأجّل الضربة لأنها مستحيلة، بل لأنها مكلفة أكثر مما تحتمل حسابات اللحظة. مكلفة للإقليم الذي سيحترق أولاً، ومكلفة للاقتصاد العالمي الذي يعيش على حافة الهشاشة، ومكلفة لـ "إسرائيل" التي لم تعد تملك ترف الحروب المفتوحة، ومكلفة لواشنطن التي تعرف أنّ كلّ حرب جديدة تُنقص من قدرتها على إدارة عالم يتغيّر أسرع مما تريده.
هكذا تتحوّل "الضربة" من خيار عسكري إلى مأزق سياسي، ومن رسالة ردع إلى علامة خوف، ومن تهديد إلى مرآة تعكس حدود القوة حين تُفصل عن الشرعيّة، وحدود الردع حين يُفصل عن السياسة.
من هنا، لا يبدو السؤال الحقيقي هو: هل ستقع الضربة؟ بل: ماذا يعني للعالم أنّ التفكير في الضربة صار لغة السياسة؟
هذا السؤال لا يتوقّف عند حدود الشرق الأوسط، بل يفتح الباب على ما هو أوسع: على مستقبل النظام الدولي نفسه، وعلى ما إذا كان العالم مقبلاً على تعددية منظّمة… أم على فوضى بلا مركز ولا قواعد.