حين تصبح القوة الأعظم هي الأكثر انتهاكاً للقانون الدولي
النظام الدولي الراهن يتداعى، والوقت حان لتركه ينهار، وللسعي إلى تأسيس نظام دولي جديد يُدار وفق أسس وقواعد فلسفية وأخلاقية مختلفة.
-
الدولة الأقوى في عالمنا تسعى أيضا لهدم المؤسسات الدولية.
الولايات المتحدة دولة حديثة النشأة لا يزيد عمرها على قرنين ونصف، لكنها لا تشبه أياً من الدول التي ظهرت عبر العصور، خصوصاً إذا نظرنا إليها من منظور ما تتمتع به من مكونات القوة الشاملة. فإذا أخذنا النفقات العسكرية كمؤشر، فسوف نجد أن ميزانيتها تتجاوز مجموع ميزانيات الدول العشر التي تليها في الترتيب.
ولأن الرئيس ترامب يعتقد أن هذه الميزانية، على ضخامتها، لا تتناسب مع ما تستحقه الولايات المتحدة من مكانة في النظام الدولي، قرر زيادتها لتبلغ تريليوناً ونصفاً تريليون من الدولارات اعتباراً من العام المقبل، وهو رقم يساوي حجم الإنفاق الكلي لما يقرب من نصف دول "الجنوب العالمي" مجتمعة.
فإذا انتقلنا إلى بقية مؤشرات القوة الشاملة، بمكوناتها الصلبة والناعمة والذكية، لتبيّن لنا بوضوح أن الولايات المتحدة ما تزال تحتل موقع الصدارة على سلّم القوة في النظام الدولي المعاصر، ما يجعلها الدولة الأكثر قدرة على التأثير في مساره سلباً وإيجاباً، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أنها ستظل قادرة على الاحتفاظ بموقع الصدارة لفترة طويلة، أو أنها الأجدر بقيادة النظام الدولي، خصوصاً على الصعيدين القانوني والأخلاقي.
قبل الحرب العالمية الأولى، كانت الولايات المتحدة قوة صاعدة تتطلع لممارسة قدر من النفوذ على جوارها الجغرافي المباشر، ما يفسّر صدور "مبدأ مونرو" (1823)، الذي استهدف منع الدول الأوروبية من التدخل في شؤون الأمريكيتين وساعد في أن يجعل من نصف الكرة الشمالي منطقة نفوذ خالصة تنفرد الولايات المتحدة بالهيمنة عليها.
وحين اضطرت الأخيرة للمشاركة في الحرب العالمية الأولى، اعتقد الرئيس ويلسون أن الوقت قد حان لتأسيس منظمة عالمية لإدارة العلاقات الدولية، تستند إلى نظام للأمن الجماعي تتعهد الدول الأعضاء بموجبه بتقديم ضمانات متبادلة، وبعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. ولأن الفكرة لاقت ترحيباً واسعاً من جانب الدول المشاركة في مؤتمر فرساي، فقد أوكلت إلى ويلسون رئاسة اللجنة التي تولّت صياغة عهد "عصبة الأمم"، غير أن قوة التيار الانعزالي حالت دون تمكنه من إقناع الكونغرس بالتصديق على معاهدات الصلح، ما حال دون أن تصبح الولايات المتحدة عضواً في أول منظمة عالمية في تاريخ البشرية تسعى لتحقيق السلم والأمن الدوليين، ما تسبّب في إضعافها ثم انهيارها بعد أقل من عقدين على تأسيسها.
أسفرت الحرب العالمية عن تغييرات جذرية في موازين القوى الدولية. فقد هُزمت دول المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان)، وتمكنت الدول الكبرى المتحالفة والمنتصرة (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والصين وبريطانيا وفرنسا) من إقامة نظام جديد للأمن الجماعي يديره مجلس تشغل هي فيه المقاعد الدائمة، ويكون لها حق الاعتراض على قراراته (الفيتو)، ولأن التوازنات الناجمة عن الحرب لم تصمد طويلاً، بسبب انقسام الدول المتحالفة إلى معسكرين متصارعين، أحدهما رأسمالي تقوده الولايات المتحدة والآخر اشتراكي يقوده الاتحاد السوفياتي، تعطّل نظام الأمن الجماعي من قبل أن يتمكن من استكمال الآليات المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، واندلعت بينهما حرب باردة، أُديرت من خلال أداتين رئيسيتين: توازن رعب نووي، ساعد وجوده على فرض احترام الخطوط العسكرية الحمراء، من ناحية، وفيتو، ساعد استخدامه في مجلس الأمن على فرض احترام الخطوط السياسية الحمراء.
ولأن المعسكر الغربي حظي بأربعة أخماس المقاعد الدائمة في مجلس الأمن، رجحت كفته السياسية، وبالتالي لم يكن في حاجة للإسراف في استخدام الفيتو، على عكس الحال بالنسبة للاتحاد السوفياتي الذي لم يكن أمامه في بداية الحرب الباردة سوى اللجوء المكثف للفيتو لحماية مصالحة، وخصوصاً أن حكومة تايوان ظلت حتى عام 1971 تتمتع رسمياً بوضع الممثل الشرعي لدولة الصين في الأمم المتحدة، وحين تم تصحيح هذا الوضع المعوج كانت الصين الشعبية قد انشقت عن المعسكر الشرقي!
تشير الإحصاءات الرسمية للتصويت في مجلس الأمن إلى أن الولايات المتحدة لم تلجأ إلى ممارسة حق الفيتو طوال الفترة الممتدة من تأسيس الأمم المتحدة عام 1945وحتى منتصف ستينيات القرن الماضي، بينما استخدمه الاتحاد السوفياتي 26 مرة خلال الفترة الزمنية نفسها، ما سمح للولايات المتحدة باستغلال هذا الوضع إعلامياً، عبر الادّعاء بأن الاتحاد السوفياتي ينتهج سياسة تتنافى مع مقاصد الأمم المتحدة وأصبح يشكل عقبة كأداء تحول دون تمكين المنظمة الدولية من أداء وظائفها وفرض احترام القانون الدولي على الجميع.
غير أن هذا الوضع بدأ يتغير تدريجياً اعتباراً من منتصف السبعينيات، ثم انقلب على عقبيه تماماً بعد ذلك، فقد أصبحت الولايات المتحدة منذ ذلك التاريخ فصاعداً، الدولة الأكثر استخداما للفيتو، ثم أصبحت في مراحل لاحقة، خصوصاً إبّان الحقبة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي مباشرةً الدولة الوحيدة القادرة على استخدام الفيتو في نظام دولي أحادي القطبية، ولأهداف تتنافى تماماً، ليس مع الأغراض التي شُرّع الفيتو من أجلها فحسب، وإنما لأهداف تتناقض كلياً مع ميثاق الأمم المتحدة نصاً وروحاً.
فقد استخدمته يوم الـ 4 من يونيو/حزيران 2025 ضد مشروع قرار يطالب بوقف فوري ودائم لإطلاق النار في غزة ورفع القيود عن دخول المساعدات الإنسانية، ثم تكرر المشهد نفسه مرة أخرى في الـ 18 من سبتمبر/أيلول 2025، حين استخدمته ضد مشروع قرار يطالب بوقف إطلاق النار في غزة، رغم حصوله في الحالتين على موافقة جميع الدول الأخرى، ما يعني أنها استخدمت حقاً إجرائياً لتمكين دولة مارقة من الإفلات من العقاب ومواصلة جرائمها.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الإسراف في استخدام حق الفيتو لحماية دولة تحتل أراضي الغير وتمارس سياسات الفصل العنصري والتهجير القسري وترتكب جرائم ضد الإنسانية، ليس الشاهد الوحيد على مخالفة الولايات المتحدة للشرعية الدولية وتحدّيها لإرادة المجتمع الدولي، فقد قطعت شوطاً طويلاً في تعمّد هدم العديد من مؤسسات النظام الدولي أيضاً. فقد رفضت منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأشيرة دخول لإلقاء كلمته أمام الدورة الحالية للجمعية العامة، التي افتُتحت أعمالها يوم الثلاثاء الماضي (22/9/2026), ما شكّل انتهاكاً جسيماً لنص الفقرة الخامسة من المادة 105 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تكفل تمتّع ممثلي الدول الأعضاء بامتيازات وحصانات تمكّنهم من ممارسة وظائفهم بصورة مستقلة، وخرقاً فاضحاً لنص المادة 13 من اتفاقية المقر، الموقّعة عام 1947، التي تُلزم الولايات المتحدة بمنح ممثلي الدول تأشيرات دخول "من دون مقابل وفي أسرع وقت ممكن". ولم تجد الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مواجهة هذا الخرق الفاضح، من سبييل سوى التصويت على قرار يتيح للرئيس الفلسطيني إلقاء كلمته عن بُعد، تم إقراره بأغلبية 152 دولة، ولم ترفضه سوى 3 دول، الولايات المتحدة و"إسرائيل" وأوروغواي، وامتناع 4 دول عن التصويت، ما يعكس عزلة الولايات المتحدة. المفارقة هنا أن الأخيرة لم تتردد في منح نتنياهو، المطلوب للمثول أمام محكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تأشيرة ستمكّنه، لا من دخول الولايات المتحدة فحسب، وإنما أيضاً من مخاطبة المجتمع الدولي من فوق منبر الأمم المتحدة نفسها، ما يمثل قمة الصلف والتحدّي.
تدل تصرفات الولايات المتحدة، وخصوصاً في ظل إدارة الرئيس ترامب، على أن الدولة الأقوى في عالمنا المعاصر لا تتعمّد إهانة المجتمع الدولي فحسب، وإنما تسعى أيضا لهدم المؤسسات الدولية التي لا ترضي عنها، سواء كانت تابعة لمنظومة الأمم المتحدة أم لا، وهو ما يظهر بوضوح من موقفها من كل من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وهي أحد الفروع المشكّلة عام 1949 بقرار من الجمعية العامة، أي منذ ما يزيد على ثلاثة أرباع القرن، والمحكمة الجنائية الدولية، وهي مؤسسة دولية مستقلة نشأت بموجب معاهدة روما التي دخلت حيّز التنفيذ عام 2002. ففيما يتعلق بالأونروا، أوقفت الولايات المتحدة تمويلها في عهد الرئيس ترامب، ما شكل ضوءاً أخضر شجّع الكيان الصهيوني على قتل المئات من موظفيها وهدم العشرات من مبانيها ومكاتبها المنتشرة في القطاع والضفة. أما فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية، فقد أصدر ترامب في فبراير/شباط 2025، أمراً تنفيذياً حمل عنوان "فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية"، يتيح له تجميد أموال القضاة والموظفين الذين شاركوا في إعداد أمر التوقيف الذي صدر في حق الرئيس الحالي لوزراء الكيان ووزير دفاعه السابق، ومنعهم من دخول الولايات المتحدة، ما يعني حرص الأخيرة على تضييق الخناق على مؤسسة العدالة، بوضع عراقيل تحول دون تمكينها من أداء وظيفتها القانونية، بدلاً من تضييق الخناق على مرتكبي جرائم الإبادة والتهجير القسري، ما يُلقي ضوءاً ساطعاً على ما وصلت إليه الولايات المتحدة من انحطاط أخلاقي في عهد ترامب.
حين تصبح القوة الأعظم في العالم المعاصر، التي قامت بالجهد الأكبر في تأسيس النظام الدولي الراهن، والتي تستضيف مقر الأمم المتحدة، والتي تملك أكثر الأدوات تأثيراً ونفوذاً على المسرح الدولي، هي نفسها المتهمة بتقويض الأسس والقواعد القانونية والأخلاقية التي يقوم عليها هذا النظام، خصوصاً إذا كان الدافع وراء سلوكها المنحرف يتعلق بمساعدة وإنقاذ كيان توسعي متهم بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، فنحن إزاء مفارقة مفادها أن النظام الدولي الراهن يتداعى، وأن الوقت حان لتركه ينهار، وللسعي إلى تأسيس نظام دولي جديد يُدار وفق أسس وقواعد فلسفية وأخلاقية مختلفة.