حكومة الزيدي بعد 100 يوم: استحقاقات الفرصة الأخيرة قبل انتقال الكرة إلى ملعب الشعب

الحكومة تحدثت عن الانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط والإنفاق الحكومي، إلى اقتصاد يعتمد على الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص، وهو هدف صحيح استراتيجياً. فالعراق بحاجة فعلاً إلى تنويع الاقتصاد، لكن التعهد والتنفيذ عالمان مختلفان.

  • المعضلة الاستراتيجية لحكومة الزيدي.
    المعضلة الاستراتيجية لحكومة الزيدي.

حين يقف أي مسؤول تنفيذي أو قائد سياسي في عين عاصفة السلطة، تسقط الوعود الشفهية ويتصدر ميزان التقييم والتقويم قائمة لغة الأرقام والوقائع؛ فالشعوب لا تُحاسب حكامها بما يَعدون، بل بما يُنجزون، وبمدى شجاعتهم في مصارحة الرأي العام بمسار برنامجهم الحكومي.

ولم تكن المئة يوم الأولى من عمر حكومة علي الزيدي استثناءً من هذا العُرف السياسي، بل جاءت لتشكل اختباراً مبكراً لكابينة وزاريّة "منقوصة" وُلدت من رحم تركة مثقلة بالأزمات الهيكلية والبنيوية.

إنّ الوقوف على حصيلة هذه المدة القصيرة يفرض قراءة تحليلية عميقة ومُنصفة؛ فالحكومة لم تكن تواجه تحديات داخلية وحسب، بل وجدت نفسها في قلب معركة جيوسياسية بالغة التعقيد، يتداخل فيها الإقليمي بالدولي، وتتجلى تعقيداتها في المساعي الأميركية- الإسرائيلية لتوظيف الساحة العراقية كورقة ضغط استراتيجية لمحاصرة طهران، بالتزامن مع ترتيبات الانسحاب العسكري المقرر في نهاية أيلول/ سبتمبر المقبل، ومحاولة دفع بغداد نحو الانخراط في صياغة "شرق أوسط جديد" يهدف إلى تقويض النفوذ الإيراني، وتقديم بديل إقليمي هجين (خليجي- تركي- أميركي- إسرائيلي)، تراه جهات عديدة مشروعاً مُهدداً للهوية السياسية والسيادية للعراق. 

وحكومة الزيدي لم تقدّم شيئاً من ذلك بشكل رسمي ومعلن، وما نراه من تحرك ثقيل الخطى، لا يعدو سوى حركة تكتيكية تكسب وقتاً خالياً من الصدام المباشر مع الواقع، وتعتمد على ردود الفعل في معالجة الأزمات بسياق القرارات محدودة الحسم، وبذلك نرى أنّها لا تمتلك رؤية وتخطيطاً استراتيجياً على المديين القريب والبعيد، وهذا يعكس حالة من عدم الوضوح الذي يشي بغياب للاتفاق داخلياً حول الأولويات، فتكون النتيجة هي ارتجال إداري يُضيّع الفرص ويُعمّق حالة الإحباط الجماهيري بنجاعة الخروج من أزمة الملفات الساخنة التي فتحت الحكومة النار عليها خلال المئة يوم الفائتة وفي مقدمتها:

ملف الفساد وتدوير النظام الإداري والوظيفي من الملاحقة إلى الوقاية

إنّ صولة "فجر الخضراء" وما لحقها من وعود وتحركات قشرية لمحاربة الفساد؛ لم تُحدث فرقاً على أرض الواقع من حيث ( آليات الاستقطاع والتوزيع السياسي للموارد- غياب الشفافية في المشتريات الحكومية والمناقصات- ضعف الرقابة على تنفيذ المشروعات- تسييس المؤسسات الحكومية- الحماية السياسية للمفسدين من فئات معينة) إلخ... من هرم الفساد المؤسساتي المتجذّر في جسد الدولة، فهناك بون شاسع بين "المحاسبة الانتقائية" و"محاربة نظام الفساد".

فالحكومة حتى الآن لم تتقدم في هذا الملف سوى بـ "حبوب المُسكّن" الذي أختُزل في صور إلقاء القبض الجزئي، المصالحة مقابل ما يُستردّ، والتدوير الوظيفي. وهذه الإجراءات مهما كانت مدوّية إعلامياً، فإنها تُعالج واقعة صورة الجريمة، ولا تمسّ بالضرورة المعادلة التي جعلت "الفساد" مؤسساتياً، ولا سيما أنّ الحملة تندرج من حيث المعطيات والتوقيت ضمن مشروع المبعوث الأميركي توم برّاك بمعنى؛ أنّه ليس وليداً شرعياً للمصلحة الوطنية، ويكفينا دليلاً على ذلك استبداله إعلامياً بملف "حصر السلاح"، الذي أعتقد جازماً أنْ لا فرق بينه وبين ملف الفساد من زاوية البروباغندا لا حصاد النتائج.

ملف الكابينة الحكومية والخيارات المطروحة

هناك حقيقة مُرّة يجب أنْ نقولها بصراحة: إنّ الفريق الحكومي الحالي المنقوص بعد مئة يوم ليس عيباً صغيراً، بل هو نقص بنيوي" في الكابينة الوزارية والخدمية، وهذا الفراغ ثغرة استراتيجية حقيقية تُلقي بظلالها الثقيلة على كفاية الأداء الحكومي، وتكبح جماح الاندفاع المُعلن الذي يطمح إليه الزيدي، وبخاصة أنّ إدارة دولة بحجم العراق بتعقيداتها الأمنية والاقتصادية من خلال وزراء بالوكالة أو حقائب شاغرة، يمثل استنزافاً لجهود التخطيط، ويجعل القرار التنفيذي مكبّلاً بالتوافقات والمماطلات والخلافات السياسية التي أعدُّها سبباً رئيساً للمشكلة الجوهرية في منظومة الحكم التي تعتمد التحاصص والتوازن الحزبي والطائفي معياراً راجحاً على الكفاية والمهنية، وهذا يُترجم مباشرة ضعفاً في الأداء الحكومي الذي يبدو أن حكومة الزيدي قد استسلمت له.

ملف الاقتصاد والضغوط الخارجية من حيث السياق الجيوسياسي

هنا نصل إلى قلب العاصفة التي بدأت تتشكل ملامحها بعد أزمة مضيق هرمز وما رافقتها من قرارات الخزانة الأميركية سواء على العراق أم ايران، إذ إنّ واشنطن وبموجب سياسة الضغط الأقصى على طهران، فرضت عقوبات شاملة تمتد إلى رقعة واسعة من الدول التي تتعامل مع ايران. والعراق، الذي لديه علاقات اقتصادية عميقة وشراكات استراتيجية مع إيران، واقع في المنتصف، وبخاصة أنّه يستورد من إيران:

- الكهرباء التي تشكل أزيد من (30-40% من احتياجاته العامة)

- الغاز الطبيعي والمواد الأولية والبتروكيماوية

- السلع الاستهلاكية والغذائية

إذ يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالى 9 مليارات دولار سنوياً، وهذا التبادل مرتبط بالعقوبات الأميركية، فعندما تريد الحكومة العراقية شراء كهرباء من إيران، تضطر إلى التعامل مع آليات معقدة لتحويل الأموال (لأن التحويل المباشر محظور). والنتيجة؟ أسعار أعلى، تأخيرات في الدفع، عدم استقرار في الإمدادات. وهنا نسأل: ماذا فعلت حكومة الزيدي إزاء هذا الضغط الخارجي؟

لم نرَ تقديم أي حلول استراتيجية لتقليل الاعتماد على الكهرباء المستوردة من دول الجوار، إلا اللّهم الحديث عن مزيد من الاستيراد العراقي من الخليج ومشروعات الطاقة الشمسية والرياح، وهذه حلول ترقيعية لا تحلّ أزمة، بل قد تُستثمر كورقة فاعلة في تأجيج الشارع وإسقاط النظام السياسي الحليف لإيران من وجهة نظرهم وهو المطلوب!

البُعد الاستراتيجي من منطلق الخيارات الصعبة التي لا تريد الحكومة طرحها

هذا البُعد يطرح السؤال الأصعب: هل لدى حكومة الزيدي استراتيجية واضحة للدفاع عن المصلحة العراقية في هذه الحرب الاقتصادية؟

لعلّ الخيارات المتاحة أمام أي حكومة عراقية في هذا الموقف محدودة وستدور في فلك التالي:

-الخيار الأول: الاستقلالية النسبية من خلال محاولة تقليل الاعتماد على إيران وتفعيل الاكتفاء الذاتي، والبحث عن بدائل حتى إذا اضطُرت إلى تقديم بعض الثمن الاقتصادي المضاعف، أو الإبقاء على حجم التبادل الحالي، لكنّ الفاتورة تكون إما بالآجل وهذا لا يُرضي الإيرانيين، أو بالاستثمار داخل العراق وهذا لا يُرضي الأميركيين.

-الخيار الثاني: الذهاب نحو تركيا والخليج ودول الترانزيت السلعي لـ"إسرائيل"، وهذا ما يرنو إليه مشروع "الحضن العربي" لإعادة تدوير (التطبيع) المضمر.

-الخيار الثالث: الحياد وعدم الانحياز لأي طرف بحكمة استراتيجية تحمي المصالح الوطنية، وهذا بعيد المنال؛ بلحاظ التشرذم في الموقف السياسي الموّحد والثوابت الوطنية- الدينية- المجتمعية للهوية العراقية.

-الخيار الرابع: الخضوع الكامل وتقبّل التبعية الكاملة لأيّ من الأطراف، وهذا يُعدّ حالة من الانتحار السيادي والسياسي للدولة وفق مفهوم "التبعية الصفرية".

لذا فإن حكومة الزيدي ومن خلال سلوكها خلال مئة يوم، كانت تميل نحو الخيارين الأول والثاني، وهو يعدّ نوعاً من البراغماتية الاقتصادية تحت مظلة التوازنات.

ملف الاستثمارات الحكومية والقطاع الخاص: تعهدات من دون إجراءات

الحكومة تحدثت عن الانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط والإنفاق الحكومي، إلى اقتصاد يعتمد على الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص، وهو هدف صحيح استراتيجياً. فالعراق بحاجة فعلاً إلى تنويع الاقتصاد، لكن التعهد والتنفيذ عالمان مختلفان، فماذا فعلت الحكومة إزاء ذلك في مئة يوم؟:

-هل عملت على تسهيل الإجراءات البيروقراطية؟ حتى لآن لم نشهد حركة واضحة، والاستثمار مايزال محاطا بإجراءات معقدة وغير واضحة.

-هل وفّرت الأمان الاستثماري؟ صحيح أنّها في العلن تُحارب الفساد -وهذا إيجابي-، إلا أن عدم الوضوح المالي- القانوني يخلق إرباكاً؛ وبخاصة أنّ المستثمر لا يثق ببيئة عمل كهذه تتغير قراراتها وإجراءاتها ارتجالياً، وتحكمها أجواء مشحونة من المنافع والمصالح الضيقة.

-هل أُعيد بناء الثقة مع رجال الأعمال؟ لم نرَ الحكومة أنّها قامت بحوار استراتيجي- شفاف مع القطاع الخاص لمعرفة احتياجاته وتطلعاته.

وبالتالي كانت النتيجة خلال مئة يوم: أنّ الاستثمار الخاص ما يزال ضعيفاً جداً، ورأس المال العراقي يفضل الذهاب إلى الخارج بحثاً عن بيئة استثمارية أكثر أماناً واستقراراً، ولا تغرنّك عزيزي القارئ الأبراج والمجمعات السكنية والمولات والمطاعم فهي تابعة في معظمها إلى الاقتصاديات الحزبية وصديقاتها الرسمية.

 بناء الدولة وحصر السلاح بين الأولويات وضعف التطبيق

إنّ الرؤية الأميركية لهذا الملف تقتضي تفكيك النفوذ قبل مواجهة السلاح، وبحسب ما تُسرّبه أكثر من قناة لصيقة بمحيط الزيدي، فإن الحكومة ترى أنّ أيّ مشروع لإعادة ضبط المشهد الأمني لن ينجح ما دام بعض مفاصل المؤسسات الأمنية يضم قيادات يُعتقد أنّها تحتفظ بعلاقات وثيقة مع فصائل المقاومة، أو تعمل معها ضمن شبكة تنسيق غير معلنة.

وسواء أكان ذلك بحكم القناعة العقائدية، أم بحكم التراكم التاريخي لعلاقات الميدان التي نسجتها أعوام القتال المشترك ضد "داعـش"، فإن واشنطن تبدو مقتنعة بأن إعادة تشكيل القيادات قد تمثل الخطوة الأولى نحو "الانفجار الداخلي" وهذا إما ضعف في قدرة الحكومة نفسها على فرض قراراتها، أو خشيتها من ردود فعل سياسية معينة إذا تحركت بقوة، وفي كلتا الحالتين تعكس مشكلةً جوهرية في قوة الدولة.

المعضلة الاستراتيجية لحكومة الزيدي

هناك ضغط خارجي حقيقي من واشنطن، لكنّ الحكومة لا تريد أنْ تعترف به صراحةً للشعب، لأنّ الاعتراف سيعني القول: "نحن تحت ضغط خارجي، والخيارات أمامنا محدودة"، وهذا قد يقلّل من "صورة القوة" التي تحاول الحكومة إظهارها، ولا سيما مع ضعف الدعم السياسي للزيدي الذي لا يعرف حتى الآن إلى أيّ مدى يمكنه الاعتماد على الكتل البرلمانية الكبرى، لذلك أرى انّه اختار "طريقاً وسطاً" يتمثل بتحرك بطيء، وقرارات محدودة، وانتظار لوجهة "الرياح السياسية".

الخطاب المفقود: لماذا الحكومة لا تحاور شعبها؟

ربما الخطأ الاستراتيجي الأكبر الذي ارتكبته الحكومة؛ هو غياب الحوار المباشر والشفاف مع الشعب، إذ كان ينبغي عليها أنْ تخرج في الأسبوع الأول من تولّيها السلطة، لتخاطب الشعب مباشرة، لا من خلف طاولة حكومية جافة، وتقول هذا ما ورثنا: (خزينة خاوية، مؤسسات ضعيفة، ضغوط خارجية هائلة، نحن جزء من حرب اقتصادية- عسكرية فُرضت علينا). لذا ما سنفعله: كذا وكذا. وهذا هو الثمن الذي قد يضطر الشارع لدفعه مؤقتاً. وهذا هو الوقت الذي نتوقع فيه رؤية النتائج الأولى.

لكن هذا الخطاب الصريح لم يأتِ. والنتيجة؟ أنّ الشارع ملأ الفراغ بخياله، خوفاً، إحباطاً، عدم ثقة، وسخطاً.

وبإزاء ما تقدم سرده، فإنّ حصيلة المئة يوم الأولى لحكومة علي الزيدي لا تستحق تقييماً متفائلاً. نعم، هناك نشاط ظاهري وبعض القرارات لتمشية الأمور اليومية، لكنّ البرنامج الحكومي غير واضح ولا توجد رؤية متكاملة مُعلنة للشعب حول ما تريد الحكومة أنْ تحققه، فالملف الاقتصادي يتدهور، الرواتب تفقد قيمتها، البطالة ما تزال مرتفعة، الخدمات الأساسية ضعيفة، والضغوط الخارجية لم تُعالج، أما الفساد فما يزال جزءاً من النسيج الإداري والحكومة تلاحقه بشكل انتقائي ولم تبنِ له نظاماً رادعاً، فضلاً عن الكابينة المنقوصة.

لذا فإنّ المئة يوم الأولى ليست محكمة نهائية، فهناك فرص أمام الحكومة ينبغي استثمارها، فهي ليست كياناً منفصلاً عن الشعب. قوتها من قوة شعبها، شرعيتها من ثقة شعبها. وعندما يفقد الشعب الثقة فإن أيّ حكومة تفقد سلاحها الأساسي، والعراق لا يبحث عن المعجزات لأنّه ذكي بما يكفي لفهم التحديات، لكنّه يُريد مسؤولاً يحترم عقله، يحاوره بصراحة، ويقوده نحو مستقبل واضح المعالم، وبخاصة أنّ الكرة الآن في ملعب الحكومة، وعليها استثمارها قبل أنْ تُصبح كرةً في ملعب الشعب.