حذر نتنياهو وحملة "فرض السيادة": قراءة في الأبعاد الخفية للوجود الإسرائيلي المفترض في العراق
تبرز فصائل المقاومة العراقية المنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي كركيزة أساسية وقوة ميدانية أولى واجهت المشاريع الأجنبية في البلاد؛ إذ لم تكن تلك الفصائل غافلة عن رصد الدور الأميركي والإسرائيلي طول السنوات الفائتة.
-
الوجود الأميركي والغطاء للقواعد الإسرائيلية.
خلال الشهر الجاري، هزّت تقارير إعلامية أميركية الرأي العامّ العراقي والإقليمي، إذ كشفت "وول ستريت جورنال" أولاً عن قاعدة عسكرية إسرائيلية سرّية في الصحراء الغربية العراقية، ثمّ أكّدت نيويورك تايمز وجود قاعدتين سرّيتين على الأقل في الصحراء الغربية (مناطق قرب النجف وكربلاء والأنبار).
من المفترض أنّ هذه القواعد قد تمّ تشييدها في منطقة صحراوية شاسعة قليلة السكان ضمن محافظة الأنبار (غالباً سنية، وقد شهدت نشاطاً لتنظيم "داعش" خلال السنوات الماضية)، أما دورها فهو دعم العمليات الجوية الإسرائيلية العدوانية ضدّ إيران، وشملت قوات خاصة ومركزاً لوجستياً ومهابط مؤقتة في قاع بحيرة جافة، وقد عملت إحداها لأكثر من عام، واستُخدمت في عدوان حزيران/يونيو 2025.
موقف الحكومة العراقية إزاء تلك القضية كان حذراً، إذ صدر نفي رسمي لوجود قواعد أجنبية غير مصرّح بها، كما وصفت بعض التقارير بأنها مرتبطة بحادثة 5 آذار/مارس، حين رصدت القوات الأمنية تحرّكات لمفارز مجهولة وغير مرخّصة في عمق الصحراء، واشتبكت معها ميدانياً. وتزامناً مع هذا النفي، أطلقت السلطات عمليات أمنية تحت مسمّى "فرض السيادة" في عمق الصحراء الغربية، بمشاركة تنسيقية بين قوات الجيش العراقي وهيئة الحشد الشعبي.
في المقابل، يسود الشارع العراقي حالة من الغضب والاستياء العارم من جرّاء ما يراه انتهاكاً لسيادة بلاده، وسط تساؤلات عميقة ومثيرة للقلق يطرحها المواطنون حول مدى قدرة الدولة، وكفاءة مسؤوليها في الشقّين المدني والعسكري.
حكومة نتنياهو حذرة على غير العادة
لم يأتِ الكشف عن هذه التفاصيل من الجانب الإسرائيلي، بل جاء نتاج تحقيقات صحفية غربية استندت إلى مصادر أميركية وإقليمية وعراقية. أما خيوط الاكتشاف الأولى، فقد تجمّعت جزئياً بفضل راعي غنم عراقي يُدعى "عواد الشمري" قبل شهرين، والذي أبلغ عن تحرّكات ونشاطات مشبوهة شملت جنوداً ومروحيات وخياماً، مما قاد إلى اندلاع اشتباكات أسفرت عن استشهاد جندي عراقي ومواطن مدني.
حتى اللحظة، يرفض "جيش" الاحتلال الإسرائيلي التعليق على هذه التقارير، بما في ذلك الحادثة المرتبطة بالراعي العراقي، كما لم يصدر أيّ تصريح بالنفي أو التأكيد من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. هذا الصمت المطبق يتناقض مع السلوك المعتاد للمسؤولين الإسرائيليين؛ إذ يُعرف عن نتنياهو ومساعديه ميلهم إلى "التباهي بالقدرات الاستخباراتية" و"استعراض الإمكانات العسكرية الاستثنائية". ومع ذلك، فإنّ هذا الصمت في الواقع يحمل أبعاداً ودلالات أكثر تعقيداً مما تبدو عليه المؤشّرات الأولية.
فمن المحتمل أن تكون الصحف الأميركية قد وقعت في فخ المبالغات الإعلامية مدفوعة بـ"شهوة السبق الصحفي" عند تناولها لطبيعة الوجود الإسرائيلي في صحراء الأنبار العراقية. فإلى الآن، لا توجد أدلة قطعية تؤكّد وجود "قواعد عسكرية" بالمعنى الحرفي للكلمة، وقد يكون الوجود ضمن "منطقة عمليات مؤقتة" هدفها الأساسي تأمين سلامة الطيارين الإسرائيليين في حال تمكّنت الدفاعات الجوية الإيرانية أو العراقية من إسقاط طائراتهم، إلى جانب مهام ثانوية تتعلّق بجمع المعلومات الاستخباراتية ودعم العمليات الجوية.
ومثل هذه الحقائق المحدودة قد تمنع نتنياهو من توظيف الحدث وتسويقه كـ"نصر عسكري استراتيجي يغيّر موازين القوى على الأرض".
لكنّ الأهمّ من ذلك يكمن في حرص حكومة الاحتلال على تجنّب استفزاز الحكومة والشارع العراقيين على حدّ سواء؛ ولا سيما أنّ "تل أبيب" تسعى جاهدة لخلق "بيئة عراقية داخلية" مناهضة للفصائل المنضوية تحت مظلة محور المقاومة. وبالتالي، فإنّ الإعلان الرسمي عن وجود عسكري إسرائيلي فوق الأراضي العراقية سيعطي دفعة قوية للمسار المناهض للصهيونية ويزيد من شعبيته ونفوذه داخل العراق.
ومن جهة أخرى، تبدو "إسرائيل" اليوم، وأكثر من أيّ وقت مضى، حريصة على عدم إثارة غضب طهران؛ خاصة بعد أن اختبرت طوال الأشهر الماضية قدرة إيران على الصمود، وإمكانية تحويل حياة ملايين الإسرائيليين إلى جحيم عبر الصواريخ الباليستية التي كانت تطلق يومياً لتقطع مسافات تتجاوز 2000 كم، ناجحة في اختراق منظومة القبة الحديدية والسقوط داخل الأراضي المحتلة.
لكن هذا أيضاً لا يمنع ملاحظة أنّ اليمين الإسرائيلي يشعر بالارتياح والسرور لتداول هذه الأخبار وكشفها للرأي العامّ. فالشارع الإسرائيلي يعاني حالياً من تراجع حادّ في منسوب الثقة تجاه المؤسسة العسكرية، ويبحث عن أيّ شكل من أشكال "الانتصار" لتحقيق نوع من التعويض النفسي. ولا شكّ أنّ تقارير وسائل الإعلام الأميركية التي تتحدّث عن وجود قواعد إسرائيلية في العراق من دون علم حكومته، تساهم بشكل مباشر في تلبية هذا الاحتياج النفسي لدى المستوطنين.
الوجود الأميركي والغطاء للقواعد الإسرائيلية
ثمّة زاوية استراتيجية بالغة الأهمية غفل عنها الكثير من المراقبين عند التعاطي مع تقارير "الوجود العسكري الإسرائيلي" في العراق؛ وتتمثّل في الارتباط الجغرافي واللوجستي الوثيق بين المواقع المفترضة لهذه الأنشطة السرية، وبين مناطق النفوذ التقليدي للقوات الأميركية في محافظة الأنبار، وتحديداً على مقربة من قاعدة "عين الأسد" الجوية.
هذه القاعدة التي شكّلت لسنوات ثقلاً مركزياً للقوات الأميركية وقوات التحالف الدولي ضدّ "داعش"، وإن كانت قد شهدت انسحاباً جزئياً لتلك القوات مطلع العام الجاري 2026.
تتجاوز المسألة مجرّد الصدفة الجغرافية إلى مستوى أكثر تعقيداً من التنسيق الاستخباري والأمني؛ إذ تشير المعلومات إلى أنّ الولايات المتحدة لم تكن بعيدة عن المشهد، بل كانت على علم بوجود قاعدة إسرائيلية واحدة على الأقل منذ أواخر عام 2025.
ولم يقتصر الدور الأميركي على الصمت السلبي، بل تعدّاه إلى إجراءات حمائية مباشرة لتأمين الهبوط والإقلاع والتحرّكات الإسرائيلية؛ إذ كشفت مصادر أمنية عن ممارسة واشنطن ضغوطاً متكرّرة على سلطات الطيران والدفاع الجوي العراقي لإيقاف تشغيل أو "تعطيل مؤقت" لمنظومات الرادارات العراقية في قطاعات معيّنة من الأجواء الغربية، تحت ذريعة تنفيذ "عمليات خاصة بالتحالف" أو "أعطال فنية وصيانة دورية"، وهو ما وفّر غطاءً تقنياً لحجب الرؤية عن الدفاعات الجوية العراقية ومنعها من رصد التحرّكات المريبة.
من جانب آخر، تؤدّي الطبيعة الطبوغرافية لصحراء الأنبار دوراً حاسماً في إنجاح هذا النوع من العمليات الكمونية والسرية. فهذه الرقعة الجغرافية الشاسعة تتميّز بـ:
- العزلة الديموغرافية: مساحات هائلة وقاحلة وشبه خالية من السكان، مما يقلّل من فرص الرصد البشري العفوي.
ـ التضاريس المعقّدة: تحتوي الصحراء على أودية عميقة وتشكيلات صخرية (مثل وادي حوران والأبيض) توفّر مخابئ طبيعية ممتازة للآليات والخيام والمروحيات بعيداً عن أعين الأقمار الاصطناعية التقليدية.
- الإرث العسكري: كونها كانت مسرحاً لعمليات عسكرية طويلة نفّذها الجيش الأميركي ضدّ تنظيم "داعش"، لذا فإنّ المنطقة تحتوي بالفعل على مهابط طائرات مروحية ترابية مهيّأة، ونقاط مراقبة سابقة، وطرق إمداد غير مأهولة تمّ إنشاؤها وتأمينها سابقاً.
بناءً على هذه المعطيات، يمكن القول إنّ الوجود العسكري الأميركي في غرب العراق —سواء في ذروته السابقة أو عبر بقاياه ومراكز سيطرته الحالية بعد انسحابات 2026— قد تحوّل عملياً إلى "غطاء استراتيجي". هذا الغطاء سمح لقوات أخرى (تحديداً إسرائيلية) بالدخول والتمركز وإدارة عمليات أمنية واستخبارية فوق الأراضي العراقية، مع إبقاء الحكومة المركزية في بغداد في حالة "عمى معلوماتي" كامل.
دور فصائل المقاومة العراقية: المتصدّي الأول
هنا، تبرز فصائل المقاومة العراقية المنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي كركيزة أساسية وقوة ميدانية أولى واجهت المشاريع الأجنبية في البلاد؛ إذ لم تكن تلك الفصائل غافلة عن رصد الدور الأميركي والإسرائيلي طول السنوات الفائتة.
وعقب أحداث السابع من أكتوبر، انخرطت بفاعلية تحت مسمّى "المقاومة الإسلامية في العراق" في عمليات إسناد صاروخية وجوية استمرت حتى نهايات عام 2024. وقد ارتكزت استراتيجيتها العسكرية بشكل كامل على تكنولوجيا الطيران المسيّر، وصواريخ كروز بعيدة المدى فائقة السرعة (وفي مقدّمتها صاروخ الأرقب الموجّه)، لتضرب في عمق الأراضي المحتلة مستهدفةً منشآت حيوية وعسكرية حسّاسة في "إيلات، حيفا، تل أبيب، ومواقع استراتيجية في الجولان السوري المحتل".
أما دورها العسكري الأبرز، فكان الاستهداف الصاروخي المتكرّر للقواعد الأميركية مثل "عين الأسد" في الأنبار وقاعدة "الحرير" في أربيل، إلى جانب القوات الأميركية المنتشرة في شمال شرق سوريا والمناطق الحدودية، وهي الضربات التي أسفرت في عدة محطات عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود الأميركيين (عملية برج 22 بتاريخ 28/1/2024، أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين في الأردن، باستخدام الطيران المسيّر).
ونتيجة لهذا الدور المحوري، تحوّل قادة ومقاتلو الحشد إلى هدف مباشر لغارات أميركية-إسرائيلية منسّقة ومتكرّرة. وهنا يمكن التوقّف عند الهجمات الجوية الأميركية العنيفة التي ضربت مواقع ومقارّ تابعة للفصائل في محافظة الأنبار تحديداً خلال شهر آذار/مارس الماضي —وهي الفترة التي تزامنت مع ذروة النشاط الاستخباري الإسرائيلي المفترض في المنطقة— وقد ارتقى من جرّاء ذلك القصف عشرات الشهداء من أبناء الفصائل العراقية، وكان في مقدّمتهم القائد الميداني اللواء سعد دواي.
لقد أثبتت فصائل المقاومة العراقية، وفي طليعتها (كتائب حزب الله، حركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء)، بالدم والبارود أنها جاهزة دوماً للدفاع عن السيادة الوطنية. وفي الوقت الذي تلوذ فيه بعض الأطراف السياسية بالتحفّظ والمواقف الدبلوماسية الحذرة، كانت الفصائل على الأرض تمشّط الصحراء وتخوض المواجهات.
هذا التباين يضعنا أمام سؤال جوهري ومشروع: إذا كان هناك إجماع وطني حقيقي على رفض القواعد الأجنبية الإسرائيلية والأميركية التي تنتهك حرمة البلاد، فلماذا لا يُمنح الدعم والأولوية القصوى لمن وقف في خطوط الصدّ الأولى ويتصدّى فعلياً لهذا التغلغل؟!.
من مفاعل "تموز" إلى صحراء الأنبار: عقيدة التوسّع الإسرائيلي وجدار المقاومة
سواء ثبت وجود قواعد عسكرية إسرائيلية في صحراء العراق بالصورة المنقولة اليوم أم لم يثبت، فإنّ المؤكّد والثابت تاريخياً هو أنّ النشاط العدواني الإسرائيلي ضدّ العراق والمنطقة ليس وليد اللحظة، بل يمتدّ لعقود طويلة. فمنذ أن تجرّأ الطيران الإسرائيلي على قصف العمق العراقي عام 1981 لتدمير مفاعل "تموز" النووي، وصولاً إلى الاختراقات الاستخباراتية المستمرة وشبكات التجسس التابعة للموساد في إقليم كردستان، والتي تُستغلّ كمنطلق لاستهداف الداخل الإيراني، بحسب اعترافات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب ذاته.
لسنا بحاجة اليوم لإثبات أنّ "إسرائيل" تتآمر وتستبيح دول المنطقة؛ فهذا أمر مفروغ منه، والاحتلال يثبت يومياً أنه كيان غارق في دماء الأبرياء بجرائمه في قطاع غزة ولبنان وغيرهما من الساحات العربية. لكنّ الغاية الأساسية من النقاش حول هذه الأخبار والاختراقات هو فهم الطبيعة التوسّعية الحتمية لهذا الكيان، والتي تجعل من مواجهته ضرورة وجودية.
إنّ الردّ الحقيقي على الصلف الصهيوني يتطلّب أن تكون الدول العربية على قدر التحدّي، وعندما تتوارد الأخبار عن اختراقات إسرائيلية لصحراء العراق أو أيّ بقعة عربية أخرى، فإنّ الموقف السليم لا يتجسّد في التباكي، بل في تقديم الدعم المطلق والمبدئي لكلّ من يرفع السلاح في وجهه؛ بدءاً من طهران، ومروراً بفصائل المقاومة العراقية وحزب الله في لبنان، وصولاً إلى قوى المقاومة داخل قطاع غزة. فهذا المحور الممتد هو خط الدفاع الأول والوحيد الكفيل بردع الأطماع الصهيونية.