القاهرة وطهران.. من "رعاية المصالح" إلى شراكة المصالح
استعادة العلاقات المصرية الإيرانية باتت ضرورة استراتيجية لإدارة الخلافات وتعزيز المصالح المشتركة ومواجهة أزمات المنطقة.
-
القاهرة وطهران.. من "رعاية المصالح" إلى شراكة المصالح
بعض العلاقات لا يفضح غيابها هدوء الأيام، بل تكشفه لحظات الخطر. وحين اشتعل الإقليم، وامتدت ألسنة النار من سمائه إلى ممراته البحرية وأسواق طاقته وموائد شعوبه، ظهرت مفارقة يصعب الدفاع عنها: كانت القاهرة حاضرة في جهود وقف الحرب على إيران، وفي تقريب المسافات بين طهران وواشنطن، وفي البحث عن مخرج يحول دون سقوط المنطقة في الهاوية، بينما بقيت علاقاتها الرسمية مع طهران واقفة عند عتبة "رعاية المصالح".
كان الهاتف بين وزيري الخارجية أكثر انتظاماً من حركة الطيران بين العاصمتين، وكانت الوساطة المصرية أعمق من مستوى التمثيل الدبلوماسي؛ فكأن البلدين يديران معاً أخطار إقليم يكاد ينفجر، ولا يزالان عاجزين عن إدارة علاقتهما بالصورة التي تليق بثقلهما.
هذه ليست مفارقة بروتوكولية، ولا خلافاً حول لقب دبلوماسي أو لوحة تُرفع فوق مبنى. إنها فجوة بين ما تفرضه الجغرافيا وما تسمح به الحسابات القديمة، وبين الدور الذي تمارسه مصر بالفعل والموقع الذي ينبغي أن تحتله. فقد تجاوزت الأحداث السؤال القديم: هل تعود العلاقات المصرية ـ الإيرانية؟ وأصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى متى تستطيع القاهرة وطهران تحمّل كلفة هذا الغياب؟
من السؤال الحائر إلى ضرورة القرار
منذ أن كتبت في "اليوم السابع" المصرية عام 2016 مقال "مصر وإيران.. تساؤلات ومحددات"، كنت أرى أن القطيعة الأطول في تاريخ البلدين لم تعد قابلة للتفسير بمنطق المصالح. وعدت إلى السؤال في "الميادين" عام 2022 تحت عنوان "مصر وإيران.. السؤال الحائر"، ثم دفعت بالفكرة خطوة أبعد عام 2024 في مقال "مصر وإيران: تحالف الضرورة في مواجهة أزمات المنطقة"، قبل أن أتناول أخيراً الحاجة إلى حوار عربي ـ إيراني لا يهرب من التاريخ ولا يتحول إلى أسير له.
لم تكن هذه الدعوة انبهاراً بإيران، ولا مطالبة بانتقال مصر من محور إلى آخر. كانت محاولة لقراءة المصلحة المصرية كما تصنعها الجغرافيا وتختبرها الأزمات: دولة بحجم مصر لا يجوز أن ترى إيران بعيون الآخرين، ولا أن تدير علاقتها بها من نافذة عاصمة ثالثة، ولا أن تترك مساحة بهذا الحجم للرسائل غير المباشرة.
وقد لاقت هذه الرؤية استحساناً من نخب مصرية وإيرانية، ومن شخصيات مصرية في مواقع المسؤولية، ومن دبلوماسيين مصريين سبق لهم العمل في طهران وعرفوا إيران مجتمعاً ودولةً ومؤسسات، لا صورة مصمتة صنعتها سنوات الخصومة. ولم أقرأ ذلك بوصفه ثناءً على موقف شخصي، بل مؤشراً إلى وجود إدراك متزايد بأن العلاقات الطبيعية مع إيران ليست منحة لطهران، وإنما استعادة لأداة من أدوات القوة المصرية.
فالدول لا تقيم العلاقات مكافأةً على الاتفاق، ولا تقطعها عقاباً على الاختلاف. العلاقات الدبلوماسية وُجدت، في الأصل، لإدارة التناقضات ومنعها من التحول إلى صدام. ومصر تقيم علاقات كاملة مع دول تختلف معها في ملفات تمس أمنها القومي مباشرة؛ فلماذا تصبح إيران وحدها استثناءً أبدياً؟
حين وصلت فاتورة الحرب إلى القاهرة
أثبتت أزمات عام 2026 أن الحرب على إيران لا تبقى داخل حدودها، وأن الصراع في الخليج لا يقف عند شواطئه. فكل صاروخ يُطلق، وكل ناقلة تتوقف، وكل تهديد يطول ممرات الطاقة، يصل صداه إلى القاهرة في صورة ارتفاع في أسعار الوقود والغذاء والأسمدة، وزيادة في كلفة النقل والتأمين، وضغط على الموازنة، واضطراب في حركة التجارة وقناة السويس.
هكذا أعلنت الجغرافيا، مرة أخرى، أن أمن مصر الاقتصادي ليس جزيرة منفصلة عن أمن الخليج، وأن استقرار إيران ليس شأناً إيرانياً داخلياً، مثلما أن أمن البلدان العربية وسيادتها ليسا شأناً يحق لطهران تجاهله.
وفي ذروة الخطر، تحركت القاهرة بما يليق بدولة تدرك أن انهيار التوازن سيصيبها قبل أن تتبدد سحب الدخان. أجرت اتصالات مكثفة، وساهمت في تقريب وجهات النظر، ودعمت المسار التفاوضي، ودعت إلى حوار إقليمي يعالج شواغل جميع الأطراف وفق مبادئ حسن الجوار والقانون الدولي.
وقد عبّر الجانب الإيراني عن تقديره للدور المصري في تذليل العقبات وخفض التصعيد. وهنا تبرز المفارقة بأوضح صورها: إذا كانت مصر مؤهلة للمساهمة في منع الحرب بين إيران والولايات المتحدة، فكيف لا تكون مؤهلة لبناء علاقة كاملة مع إيران نفسها؟ وإذا كانت طهران تثق بالقاهرة ناقلاً للرسائل ومقرباً لوجهات النظر، فلماذا يتوقف هذا الرصيد عند حدود الوساطة ولا يتحول إلى علاقة سياسية مؤسسية؟
هواجس لا تبددها القطيعة
غير أن الدعوة إلى استعادة العلاقات لا ينبغي أن تتحول إلى خطاب احتفالي يتجاهل أسباب القلق المصري والعربي. فالعلاقات الراسخة لا تُبنى على دفن الخلافات تحت عبارات المجاملة، بل على القدرة على تسميتها ووضعها فوق الطاولة.
وفي هذا السياق، أتذكر حواراً جمعني بأحد المسؤولين المصريين المعنيين بملف الأمن الوطني، عرض خلاله جانباً من التحفظات المصرية تجاه السياسة الإيرانية. وكان جوهر رؤيته أن جانباً مهماً من النفوذ الإيراني في العراق بُني، وفق تقديره، عبر تسييس الانتماء الشيعي وربطه بمفهوم ولاية الفقيه، وأن ثمة خشية في القاهرة من محاولة توظيف الروابط الدينية ومحبة آل البيت لفتح مسارات نفوذ سياسي أو مذهبي داخل مصر.
ولا أستدعي هذا التقدير بوصفه حكماً نهائياً على النيات الإيرانية، ولا باعتباره موقفاً رسمياً معلناً للدولة، وإنما لأنه يكشف طبيعة هواجس موجودة داخل بعض مؤسساتها، ولا يجوز إنكارها أو السخرية منها. فمصر، بتكوينها التاريخي ومرجعيتها الأزهرية ومفهومها الراسخ للدولة الوطنية، شديدة الحساسية تجاه أي نشاط يمكن أن يُفهم منه المساس بوحدتها المذهبية أو تحويل الدين إلى أداة نفوذ سياسي عابر للحدود.
لكن المخاوف ليست أحكام إعدام، ولا ينبغي أن تصبح مبرراً لقطيعة لا تنتهي. الطريق إلى تبديدها لا يمر عبر إغلاق السفارات، بل عبر حوار رسمي يميز بين التبادل الثقافي والديني المشروع وبين التوظيف السياسي للمذهب، ويضع ضمانات متبادلة تحمي خصوصية المجتمعين وسيادة الدولتين.
وعلى طهران أن تدرك أن احترام الدولة المصرية يبدأ باحترام خيارات شعبها وثورة الثلاثين من يونيو، والتوقف عن أي خطاب يمكن أن يُفهم باعتباره دعماً لجماعة الإخوان أو تدخلاً في الشأن المصري. كما أن الحديث عن سيادة الدول لا يستقيم مع دعم قوى مسلحة تنازع مؤسسات الدولة قرار الحرب والسلم، أو مع استخدام الإعلام والمذهب أداتين للنفوذ السياسي.
وفي المقابل، يتعين على بعض الأوساط المصرية والعربية التوقف عن التعامل مع إيران بوصفها عدواً بحكم الهوية. فمن حقنا أن نختلف مع نظامها وسياساتها، وأن نرفض أي تدخل في الشؤون العربية، لكن ليس من حقنا أن نستبدل عدواً حقيقياً يحتل الأرض ويقتل الشعب الفلسطيني ويهدد دول المنطقة، بجار إقليمي تجمعنا به تناقضات يمكن إخضاعها لقواعد السياسة.
فلسطين والبوصلة الغائبة
كان المشروع الأميركي ـ الصهيوني المستفيد الأكبر من تحويل إيران إلى الخطر الأول في الوعي العربي؛ فكلما تقدمت صورة "العدو الإيراني"، تراجعت صورة المحتل الصهيوني، واتسعت أسواق السلاح، وتعززت الحاجة إلى القواعد الأجنبية، ووجد التطبيع طريقه إلى الوعي قبل أن يصل إلى الاتفاقيات.
وهذا لا يعني تجاهل الخلاف بين مصر وإيران حول بعض أدوات دعم المقاومة أو حدود أدوار القوى المسلحة. لكنه يعني أن القاهرة وطهران تستطيعان بناء مساحة مشتركة تمنع تصفية القضية الفلسطينية، وترفض التهجير، وتحمي وحدة الأراضي الفلسطينية، وتعيد توجيه بوصلة الإقليم نحو مصدر الخطر الحقيقي: الاحتلال والمشروع الصهيوني التوسعي.
فالعلاقة مع إيران لا ينبغي أن تُقاس بمقدار ما تمنحه لطهران، بل بمقدار ما تستعيده مصر من قدرة على التأثير في ملفات فلسطين ولبنان والعراق والخليج، وما تغلقه من منافذ أمام تحويل الانقسام العربي ـ الإيراني إلى جسر تعبر عليه الهيمنة الأميركية والغطرسة الصهيونية.
من إدارة الأزمات إلى بناء المصالح
الخطوة الأولى لا تحتاج إلى فلسفة معقدة: رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وتبادل السفراء. فقد تجاوزت كثافة الاتصالات واللقاءات صيغة "رعاية المصالح"، وأصبح استمرارها أقل من مستوى الواقع السياسي نفسه.
ثم يأتي إطلاق حوار استراتيجي دائم بين مؤسسات الدولتين، لا يُستدعى عند اشتعال الحرب ثم يُطوى بانطفاء النيران، بل يناقش بانتظام ملفات فلسطين ولبنان والعراق وسوريا واليمن والبحر الأحمر والخليج، وأمن الملاحة والطاقة، والملف النووي، ومستقبل النظام الإقليمي.
ويحتاج البلدان إلى وثيقة مبادئ تضبط العلاقة: احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفض استخدام المذهب أو الإعلام أداةً للنفوذ، وعدم دعم أي نشاط يستهدف أمن الدولة الأخرى، ورفض تحويل أراضي المنطقة إلى منصات للاعتداء المتبادل. فالسيادة لا تتجزأ؛ تحمي الدول العربية من الصواريخ الإيرانية، مثلما تلزمها بألا تتحول أراضيها إلى قواعد لضرب إيران.
اقتصادياً، يمكن البدء بالقطاعات غير الخاضعة للعقوبات؛ من الدواء والزراعة والصناعات الغذائية والبتروكيماويات، إلى النقل والسياحة والخدمات الطبية، مع إنشاء قنوات مالية وقانونية منضبطة تحمي الاقتصاد المصري وتراعي التزاماته الدولية.
أما ثقافياً، فلا يحتاج البلدان إلى اختراع ذاكرة مشتركة؛ فالذاكرة موجودة وتقاوم السياسة منذ قرون: عمر الخيام في صوت أم كلثوم، والشيخ مصطفى إسماعيل في الوجدان الإيراني، و"نهج البلاغة" بشرح محمد عبده، وتراث فارسي أعادت مطبعة بولاق إحياءه. المطلوب ألا تُترك هذه الجسور رهينة للدعاية أو التوظيف المذهبي، بل أن تتحول إلى تبادل جامعي وفني وثقافي يعيد تعريف كل شعب بالآخر بعيداً عن صور الخوف.
العلاقة مع إيران ليست ضد الخليج
ثمة من يتعامل مع أي تقارب مصري ـ إيراني باعتباره خصماً من رصيد مصر العربي أو تهديداً لعلاقاتها الخليجية. وهذه معادلة زائفة؛ فأمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري، لكنه لا يُصان بتحويل المنطقة إلى خط تماس دائم، بل بإقامة توازن يحمي السيادة ويمنع الحرب.
لقد أعادت دول خليجية فتح قنواتها مع طهران، وأدركت أن الحوار المباشر أقل كلفة من صراع الرسائل والوسطاء. ومصر لا تحتاج إلى أن تختار بين الخليج وإيران؛ بل تستطيع، بحكم وزنها العربي وابتعادها عن الحساسية المذهبية، أن تكون جسراً بينهما، وأن تطرح مفهوماً للأمن الإقليمي لا يقوم على هيمنة إيران، ولا على الحماية الأميركية، ولا يقبل بتحويل الكيان الصهيوني إلى شرطي للمنطقة.
حين يصبح الغياب موقفاً
لا تحتاج مصر وإيران إلى قصة حب سياسية، ولا إلى تحالف يلغي اختلافاتهما، ولا إلى اتفاق مسبق على كل ملفات الإقليم. تحتاجان إلى شجاعة الاعتراف بأن القطيعة لم تُنهِ الخلاف، بل تركته بلا إدارة؛ ولم تحمِ الأمن القومي، بل قلّلت قدرة كل طرف على فهم الآخر والتأثير فيه؛ ولم تعزل إيران، بل غيّبت مصر عن مساحة كان ينبغي أن تكون حاضرة فيها بثقلها وتاريخها.
لقد أثبتت القاهرة أنها تستطيع الحديث مع طهران حين تنقطع قنوات الآخرين، وأنها تملك من الرصيد والصدقية ما يؤهلها للمساهمة في وقف الحرب. لكن الوساطة، مهما بلغت أهميتها، تظل إدارة للحظة الخطر، بينما العلاقة الكاملة استثمار في منع الخطر قبل وقوعه.
آن الأوان للانتقال من "رعاية المصالح" إلى شراكة المصالح؛ علاقة لا تطلب من مصر التخلي عن عروبتها، ولا تمنح إيران حق التدخل في المجال العربي، بل تلزم الدولتين بقواعد الجوار والندية والسيادة، وتعيد إليهما القدرة على المشاركة في كتابة مستقبل المنطقة بدل انتظار ما تكتبه واشنطن والكيان الصهيوني لهما.
فحين يطول الغياب، لا يعود حياداً، بل يتحول إلى موقف؛ وحين تُغلق أبواب الدبلوماسية، لا تختفي الخلافات، بل تبحث عن نوافذ تدخل منها الحروب.
والتاريخ، في النهاية، لا يسأل لماذا تأخر وصول السفراء؛ إنه يسجل فقط أسماء الذين أبقوا الباب مغلقاً، حتى دخلت النار من النوافذ.