العراق تحت الضغط الأميركي والجوار الإيراني
محاولة إيرانية لإدارة ملف سلاح الفصائل العراقية وتأجيل نزعه، وسط ضغوط أميركية وتوازنات إقليمية معقدة.
-
العراق تحت الضغط الأميركي والجوار الإيراني
زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد في أغسطس 2026 أتت بعد فشل الزيارة الأخيرة لقائد "فيلق القدس" الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد، الذي حاول التفاهم مع "الإطار التنسيقي" من أجل التراجع عن سحب سلاح الفصائل التي لم تلبِّ طلب الحكومة العراقية وتأجيلها لمرحلة مقبلة.
أدت زيارة قاليباف إلى صياغة مقترحات تسوية لدفع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى تعديل مهلة 30 سبتمبر لحصر السلاح بيد الدولة. رفضت الحكومة مقترحات الوفد الإيراني بتجميد السلاح الثقيل للفصائل. وأبلغ الزيدي الجانب الإيراني بتمسكه بالالتزامات والتفاهمات الدولية التي أبرمها مؤخراً خلال زيارته إلى الولايات المتحدة. لكن نجحت اللقاءات في دفع أطراف داخل "الإطار التنسيقي" لطرح مبادرة "إدارة السلاح" تدريجياً عوضاً عن نزعه.
أحرزت الزيارة تقدماً في مناقشة تأمين الصادرات النفطية العراقية عبر مضيق هرمز وتسوية الديون المالية المستحقة لطهران. وتمخضت الزيارة عن تأكيد إيراني علني بدعم القرارات الدستورية العراقية، مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بين الحكومة والفصائل المسلحة لضمان عدم حدوث صدام داخلي.
الانسحاب الأميركي مطلباً إيرانياً.. لكن ما المستجد؟
ترى طهران أن التمسك بالموعد يضع حلفاءها في "الإطار التنسيقي" بموقف سياسي ضعيف ومحرج داخلياً أمام القوى العراقية الأخرى التي استجابت للمهلة وسلّمت سلاحها. تريد طهران شراء الوقت لمقايضة الملف دولياً. تأمل في تمديد المهلة "لكسب الوقت" وتأجيل المواجهة حتى تتضح ملامح المفاوضات والصفقات السياسية مع واشنطن. تعتبر أن تفكيك هذه الفصائل يعتبر طعنة لأمنها القومي في هذا الوقت الحساس، في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة والسعودية إلى تفكيك التحالفات الإيرانية في المنطقة التي بُنيت على أساس وحدة الساحات، وهذا ما حاولت الولايات المتحدة، بمساعدة السعودية، العمل عليه في لبنان بعد فصل الملف اللبناني عن الإيراني، إلا أنها لغاية اليوم لم تنجح.
تسعى إذن إيران إلى الحفاظ على أوراق الضغط الإقليمية ومنع انهيار شبكة النفوذ أو إضعاف القوى الحليفة لها في المنطقة، كضرورة دفاعية تعتبر جزءاً من منظومة الردع الخاصة بها في صراعها الإقليمي المستمر مع الولايات المتحدة و«إسرائيل». دفع رئيس البرلمان الإيراني قاليباف نحو خيار "إدارة السلاح" أو تجميده وتأجيل المهلة، لتفادي مواجهة عسكرية دامية ومباشرة بين حكومة الزيدي والفصائل الرافضة للتسليم.
وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد تعهد رسمياً بعدم السماح باستخدام الأراضي أو الأجواء العراقية كمنصة للاعتداء على إيران أو تهديد أمنها. فهو يريد حصر سلاح الفصائل المسلحة بحلول سبتمبر 2026 بالتزامن مع انسحاب قوات التحالف الدولي، وهو ناقش هذا الملف الحساس في طهران. ووقّعت حكومته مع الجانب الإيراني اتفاقيات مهمة تشمل النقل البري الدولي للبضائع، ومد خط سكك حديدية (كرمانشاه - خسروي - خانقين - بغداد)، إضافة إلى التوأمة بين بغداد وطهران. يحرص الزيدي في خطاباته على تأكيد عمق الروابط الجغرافية والدينية والتاريخية، مشيداً بدعم إيران للعراق خلال الحرب ضد تنظيم "داعش". يمكن الاستنتاج بأن زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني قاليباف لبغداد جاءت كمحاولة لإعادة ترتيب الأوراق.
وكانت الهجمات المتبادلة بين الفصائل العراقية والسعودية و"سنتكوم"، والقصف الذي استهدف مقرات الحشد الشعبي، قد وضعت الحكومة العراقية في وضع محرج، مما جعلها ترفض أن يُجر العراق إلى حرب إقليمية واسعة.
الأميركي في العراق يضغط.. يخرج من الباب ليعود كمستشار
تنظر الفصائل العراقية إلى تعهد القوات الأميركية بالانسحاب في سبتمبر بتشكيك مستمر، وتربط نزع سلاحها بالتحقق الفعلي من خروج آخر جندي. التزمت واشنطن رسمياً بإنهاء مهمة التحالف الدولي "العزم الصلب" ومغادرة قواتها. ولقد رصدت التقارير الأمنية والمسؤولون بدء سحب المعدات العسكرية ومنظومات "باتريوت" بالفعل من مطار أربيل وقاعدة عين الأسد قبل أسابيع.
ينص الاتفاق على التحول من وجود عسكري أميركي ميداني إلى علاقات أمنية ثنائية استشارية تقليدية.
تخشى الفصائل أن يكون الانسحاب مجرد "إعادة تموضع" عسكري لحفظ أمن المصالح الغربية دون خروج حقيقي، والالتفاف عبر صفة "مستشارين وفنيين" يمتلكون حصانة وحرية حركة.
تشتكي الفصائل أيضاً من الوجود والتهديدات التركية والتحركات العسكرية في المنطقة التي، برأيها، تستوجب الإبقاء على ترسانتها المستقلة لحماية سيادة البلاد.
تمتلك إيران نفوذاً سياسياً كبيراً عبر حلفائها في "الإطار التنسيقي" البرلماني، حيث ترتبط بغداد وطهران بملفات حيوية لا تتأثر بالسلاح، مثل استيراد الغاز، والتبادل التجاري، ومشاريع السكك الحديدية.
يضمن دمج الفصائل رسمياً في أجهزة الدولة، كالجيش والحشد الشعبي، استمرار قنوات التنسيق الاستخباراتي والأمني مع طهران، ولكن تحت مظلة القانون العراقي.
إلا أن التشكيك في نوايا واشنطن يمثل جوهر الخلاف الحالي، حيث يرى المعارضون لنزع السلاح أن انتقال القوات من القواعد الاتحادية، مثل عين الأسد، إلى إقليم كردستان بين عامي 2025 و2026 كان مجرد إعادة تموضع وليس انسحاباً.
منذ فترة وجيزة، غادرت الوحدات العسكرية التابعة لبريطانيا وفرنسا وألمانيا المتمركزة في أربيل، مما يثبت إنهاء الهيكل القيادي المشترك لعملية "العزم الصلب". وبدأت الأرتال اللوجستية بالتحرك الفعلي لإخلاء القواعد في الشمال، متجهة نحو الحدود السورية والمنشآت الإقليمية الأخرى خارج العراق. وفيما يتمسك علي الزيدي بتاريخ 30 سبتمبر 2026 موعداً نهائياً لإعلان السيادة الكاملة، سيقتصر الوجود الأميركي على بعثة استشارية فنية وتدريبية خاضعة لإشراف قيادة العمليات المشتركة العراقية.
الموضوع لا يزال إشكالياً، إذ تخشى الفصائل أن يتم الإبقاء على مئات العسكريين بذريعة "تدريب القوات العراقية" أو "صيانة الأسلحة الأميركية"، مثل طائرات "F-16"، مما يبقي على وجود استخباري وعملياتي ملموس. الخوف من "بقاء المستشارين" يمثل الثغرة القانونية والأمنية الأكبر التي تثير قلق الفصائل وطهران، والضمانة الحقيقية تكمن في طبيعة المهام وحجم الحصانة الممنوحة لهؤلاء المستشارين.
في عام 2011، انسحبت أميركا بالكامل دون ترك أي مستشارين عسكريين تقريباً بسبب رفض بغداد منحهم الحصانة القانونية. لكن غياب التنسيق واجتياح تنظيم "داعش" عام 2014 منح واشنطن "الشرعية الدولية" للعودة بطلب رسمي من الحكومة العراقية. ينص الاتفاق الجديد على تحول العلاقة إلى "ثنائية استشارية". وتخشى الفصائل أن يتحول هؤلاء المستشارون إلى خلايا لجمع المعلومات الاستخبارية وإدارة الطائرات المسيّرة لمراقبة النفوذ الإيراني.
من أجل ذلك، تسعى الحكومة لوضع سقف عددي منخفض جداً للمستشارين، مع تقييد حركتهم داخل منشآت عراقية خالصة، لمنع تحول تواجدهم إلى "غطاء" لعمليات عسكرية خارجية.
أميركا تضغط على العراق في شأن العقوبات الاقتصادية على طهران، وتمسك بالنفط العراقي ليس كـ"مادة خام"، بل تمسك بـ"ثمنه"، حيث ينص القانون والاتفاق الدولي منذ عام 2003 على إيداع أموال النفط العراقي في "صندوق تنمية العراق" (DFI) لدى "بنك الاحتياطي الفيدرالي" في نيويورك. بالتالي، واشنطن تملك قانوناً سلطة تجميد هذه الأموال أو قطع مبيعات الدولار عن بغداد بحجة "مكافحة غسل الأموال"، وهو السلاح الذي تستخدمه كأداة ضغط سياسي مباشر من أجل الإذعان.
يريد العراق الخروج من دوامة التبعية الاقتصادية والارتهان للمالية الأميركية، ويجد نفسه عالقاً بين "العصا الأميركية" التي تحكم قبضتها على أمواله ومصارفه، وبين "المتنفس الإيراني" الذي يمده بالطاقة والسلع الحيوية، مما يجعله خاضعاً للضغوط الأميركية من أجل حماية نظامه المصرفي واقتصاده من الانهيار الكامل.