الصين تفرض هيمنتها على بحريها الشرقي والجنوبي
بهدوء لافت، وإن كان معتاداً بالنسبة إلى الصين، تقوم الأخيرة بتحركات جادة ومتسارعة لفرض هيمنتها على بحري الصين الشرقي والجنوبي، ما يهدد الوجود الأميركي في شرق آسيا وحلفاء واشنطن، كتايوان واليابان والفلبين.
-
ما الذي تفعله الصين في البحار الشرقية؟
كما كان متوقعاً بالنسبة إلى الكثيرين من المحللين، غرقت أميركا حتى أذنيها في الرمال الإيرانية المتحركة، ولم تعد قادرة على التراجع. دفعت العجرفة والمعلومات الصهيونية المضللة الإدارة الأميركية إلى إحراق كل أوراقها دفعة واحدة في مواجهة تصورت أنها ستستمر لساعات، فتجاوزت حتى الآن الشهر، وما زالت مرشحة للاستمرار، مستنزفة مخزونات السلام الأميركية والصهيونية، وفارضة حلين بالنسبة إلى الإدارة الأميركية لا ثالث لهما: إما تحقيق انتصار صريح وتحقيق كل الأهداف المعلنة، كإسقاط النظام الإسلامي والقضاء على منظومات الصواريخ والمسيرات الإيرانية والبرنامج النووي الإيراني، وإما القبول بهزيمة صريحة على أمل تجميلها في الإعلام أو التخفيف من آثارها مستقبلاً. ولا يبدو أن الأميركيين والصهاينة قادرون على تحقيق أي أهداف يمكن اعتبارها انتصاراً ولو كان وهمياً.
لكن الخيبة الواضحة في المواجهة مع الجمهورية الإسلامية، والمتوجة بتدمير القواعد الأميركية في العراق والخليج الفارسي، وفقدان السيطرة على مضيق هرمز، تخفي مشكلة أخرى لا ينتبه لها الإعلام حالياً مع التركيز على الأحداث في الخليج. فبهدوء لافت، وإن كان معتاداً بالنسبة إلى الصين، تقوم الأخيرة بتحركات جادة ومتسارعة لفرض هيمنتها على بحري الصين الشرقي والجنوبي، ما يهدد الوجود الأميركي في شرق آسيا وحلفاء واشنطن، كتايوان واليابان والفلبين.
ما الذي تفعله الصين في البحار الشرقية؟
في فبراير الماضي، وفي وقت سابق على بدء الاعتداءات الأميركوصهيونية على إيران، وقع حادث بين طائرات أميركية قامت بطلعات تدريبية من قاعدتها في أوسان في كوريا الجنوبية فوق البحر الأصفر، حيث دفعت الجيش الصيني إلى إرسال مقاتلات خاصة به رداً على ذلك.
وبحسب وسائل إعلام، فقد جاءت التدريبات الأخيرة وسط تكهنات بأن واشنطن سوف تسعى إلى إعادة تعريف دور قواتها في كوريا الجنوبية، حيث تدفع صوب التركيز على مواجهة التهديدات الصينية، وهو ما سبق أن أكده زافيير برونسون قائد القوات الأميركية في كوريا الجنوبية في 17 نوفمبر من العام الماضي، إذ أشار إلى أن القوات المتمركزة بالفعل في شبه الجزيرة الكورية لا تظهر على أنها أصول بعيدة تتطلب تعزيزاً، بل كقوات متمركزة بالفعل داخل محيط الفقاعة التي ستحتاج الولايات المتحدة إلى اختراقها في حالة حدوث أزمة أو طارئ.
هذا الصدام، وإن لم يتحول إلى اشتباك بين الجيشين، كان في ظل ذروة تصاعد الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، حينما كانت الأولى تحشد قواتها استعداداً للحرب، ويمكننا أن نعتبره بداية الإجراءات الصينية التي تسعى لتأكيد هيمنتها على بحريها الشرقي والجنوبي.
في 31 مارس الماضي، ذكرت القيادة الجنوبية للجيش الصيني أنها أجرت دوريات استطلاع بحرية وجوية حول منطقة سكاربورو شول في بحر الصين الجنوبي، وهي منطقة تعتبرها الفلبين تابعة لها، لكن الصين تعتبرها كذلك جزءاً من أراضيها. وكان من الواضح أن الصين تقوم بالرد على التدريبات العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة الأميركية والفلبين في الشهر نفسه، وقبلها المناورات التي قام بها الجيشان في 27 يناير الماضي، إضافة إلى عدد من المناورات التي تجريها الفلبين في المنطقة مع حلفائها، كالولايات المتحدة واليابان وأستراليا، منذ عام 2023، لكن الجديد هذه المرة أن الصين، وبعد ثلاثة أيام فقط، قررت إطلاق حملة بناء جزر اصطناعية في المنطقة البحرية ذاتها، محوّلة شعاب أنتيلوب في جزر باراسيل إلى أكبر قاعدة عسكرية لها في بحر الصين الجنوبي، والتي ستتضمن مدرجاً إضافياً للطائرات، ومنشآت صاروخية ومحطات مُراقبة. وتشير وول ستريت جورنال إلى أن عمليات البناء تسمح للصين بإنشاء بحيرة داخلية قادرة على استقبال سفن حربية، بما في ذلك غواصات، وربما حاملات طائرات، ما يمنح الصين نقطة ارتكاز بحرية متقدمة في حال اندلاع نزاع واسع. وكانت عودة الصين لسياسة بناء الجزر الصناعية بعد توقف استمر 10 سنوات مثيرة لقلق وإزعاج الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
وكان التطور الأخير الذي أثار الذعر في تايوان على وجه الخصوص هو قيام الصين بحجز مساحات واسعة من المجال الجوي البحري تقع على بُعد مئات الكيلومترات من جزيرة تايوان لمدة زمنية تقارب الأربعين يوماً، تنتهي في 6 مايو القادم، ويهدف هذا الحجز إلى إبلاغ الطيارين والسلطات الجوية بالمخاطر والقيود المؤقتة في المجال الجوي. وتغطي المناطق التي حجزتها الصين مساحة إجمالية تفوق مساحة الجزيرة الرئيسة لتايوان، وتشمل مجالاً جوياً بحرياً يمتد شمال شنغهاي وجنوبها.
كما تمتد من البحر الأصفر المواجه لكوريا الجنوبية جنوباً نحو مياه بحر الصين الشرقي المواجه لليابان. وإذا أضفنا التحركات الصينية في بحر الصين الجنوبي، فإن الصين تقوم علياً بتطويق تايوان بصورة فعلية. ومما زاد من المخاوف التي انتابت الدول الحليفة لواشنطن، أن الصين لم تعلن عن إقامة مناورات أو تدريبات عسكرية، كمبرر لحجز هذه المساحة الكبيرة، إضافة إلى قيام كوريا الشمالية (تربطها بالصين اتفاقية دفاع مشترك منذ عام 1961، وهي الدولة الوحيدة التي ترتبط بالدفاع المشترك مع الصين) بتجارب صاروخية في بحر اليابان بتوقيت التحركات الصينية.
ولم يتوقف التوغل الصيني على بحريها الشرقي والجنوبي، فقد امتد إلى مناطق أخرى قريبة من مضيق ملقا في إندونيسيا، حيث تكررت حالات عثور الصيادين الإندونيسيين على مسيرات بحرية غير مأهولة بالقرب من مضيق لومبوك ومضيق مكاسار، وهي مضائق تربط ما بين الأرخبيل الإندونيسي بالأساس، لكنها تعتبر بديلاً مهماً لمضيق ملقا، وتعتقد الصين أنه يمكن استخدام المضيقين لمراقبة حركة الغواصات الغربية والاسترالية والأميركية، وترى أنهما يعدان بديلاً لحركة غواصاتها في حال نشوب صراع مع أي الولايات المتحدة، والتي ستلجأ لمحاولة إغلاق مضيق ملقا، كما أن المضيقين من بين المضائق المهمة التي تمر عبرها التجارة إلى الصين وباقي شرق آسيا.
ترافقت مع هذه الأحداث مع زيارة غير متوقعة استمرت لأسبوع لتشنغ لي وون زعيمة حزب الكومنتانغ التايواني، وهو أكبر حزب معارض في تايوان، والذي يطالب بالوحدة مع الصين عبر صيغة دولة واحدة ونظامين. وقد جددت معارضتها لاستقلال تايوان، ودعت إلى إقامة علاقات سلمية بين بكين وتايبيه لتجنب الحرب.
في المقابل، ورداً على هذه الأحداث، أعلنت الولايات المتحدة مشاركتها مع الفلبين في تدريبات عسكرية في مواقع متعددة من الأرخبيل الفلبيني، وبمشاركة 17 ألف جندي، مشيرة إلى أن هذه التدريبات لن تكون ثنائية، إنما ستشارك فيها دول أخرى حليفة، كاليابان وكندا وأستراليا وفرنسا ونيوزيلندا يوم 20 أبريل الجاري وتمتد حتى 8 مايو القادم، تحت اسم "باليكاتان – كتفاً بكتف"، في إشارة إلى التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها في المنطقة.
ما الذي تريد الصين تحقيقه من كل هذه التحركات؟
منذ فترة، تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى الإبطاء من التطور الصيني الذي لم يعد يكتفي بمجرد التطور الصناعي، إنما اتخذ بالفعل خطوات التمدد والهيمنة مستخدماً صيغاً اقتصادية وثقافية، عبر مبادرة الحزام والطريق التي أعلن عنها، في مقابل اكتشاف الأميركيين أنهم رغم سيطرتهم على النظام المالي، إلا أنهم أضعف من الناحية الاقتصادية، كنتيجة سلبية لهيمنة الدولار، وهو ما يهدد وضعهم كقوة عظمى في العالم تم استهلاكها في عدد من القضايا والحروب التي أضعفت اقتصادهم، ووجهت إليهم إنذاراً بأن هذا الصعود الصيني الهادئ لن يكتفي بمجرد مكاسب اقتصادية ولن يتوقف عندها.
كان الرد الأميركي على هذا الوضع هو تجاوز مرحلة معاهدات الدفاع الثنائية بينها وبين دول المنطقة مثل اليابان، والفلبين، وكوريا الجنوبية، إلى المعاهدات والتحالفات الجماعية في محاولة لإنشاء ما أطلقت عليه الصين ناتو آسيوياً، مثل تحالف (QUAD) الذي تأسس بمشاركة الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، وهو إطار أمني/استراتيجي، يركز على أمن المحيطين الهندي والهادئ.
وتحالف (AUKUS) الذي أعلن عنه في 2021، والذي ضم الولايات المتحدة وبريطانيا إلى جانب أستراليا، وهو مشروع نقل تكنولوجيا عسكرية استراتيجية لأستراليا يشمل: غواصات نووية، ذكاء اصطناعياً، حرباً إلكترونية، تقنيات تحت البحر، وقدرات صاروخية متقدمة، ما يعد عمليًا جعل أستراليا بمنزلة قاعدة أمامية متقدمة في مواجهة الصين. في 2023 تم عقد التفاهم الثلاثي الأميركي الياباني الكوري الجنوبي، وبالرغم من العداوة التاريخية بين الكوريين واليابانيين، إلا أن الولايات المتحدة تمكنت من جمعهما في إطار ثلاثي للتنسيق الأمني المنتظم في مواجهة الصين وكوريا الشمالية. وأخيراً في عام 2024 ظهرت مبادرة شبكة الدفاع الصناعي (PIPIR)، وهي مبادرة أميركية أطلقت لتعزيز تصنيع السلاح والإمداد العسكري بين الولايات المتحدة وشركائها في المحيطين الهندي والهادئ، مع مشاريع مشتركة للصواريخ والطائرات المسيّرة والذخائر.
وبالتأكيد لم تكن الصين غافلة عما يمكن أن تسببه هذه التحالفات من مشكلات. وبهذا الشكل، فقد أقامت أميركا قوس من الحلفاء حول الصين مستخدمة سياستها المعروفة بـ"تطويق الأزمة". فالصين أصبحت محاصرة من الشمال الشرقي (كوريا/ج)، ومن الشرق (اليابان، تايوان)، ومن الجنوب الشرقي (الفلبين، أستراليا)، ومن الجنوب الغربي (الهند).
لكن المشكلة لم تكن مجرد الحصار العسكري، فقد سعت إدارة ترامب إلى التجاوز لمرحلة عزل الصين اقتصادياً، بداية من تفعيل ممر الهند – الشرق العربي – أوروبا (IMEC)، الذي ينظر إليه كبديل لمبادرة الحزام والطريق، وبالرغم من أن المشروع أعلن عنه في 2023 كتطوير لاتفاقية (I2U2) والتي جمعت بين الهند والكيان الصهيوني والإمارات العربية، إضافة إلى الولايات المتحدة سنة 2022، إلا أن ترامب اتخذ قراراً في بداية ولايته لمحاولة وضع المشروع في موضع التنفيذ. وكان من بين أهم أهداف التأسيس لهذا الممر: تعزيز دور الهند كشريك موازن للصين، دمج الشرق العربي أكثر في البنية الاقتصادية الهندية والغربية، وخلق شبكة لوجستية تنافس الممرات الصينية.
وهو ما اعتبرته الصين محاولة من واشنطن لبناء طوق اقتصاديًا ولوجستيًا في مواجهتها. وجاءت مبادرة باكس سيليكا (Pax Silica) التي أعلنت عنها أميركا في ديسمبر من العام الماضي، والتي ضمت، إضافة إليها وبريطانيا والكيان الصهيوني، الدول الحليفة لها في الخليج الفارسي، كالإمارات وقطر، وكذلك الدول الحليفة لها في شرق وجنوب شرق آسيا، كاليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ثم الهند، وهناك توقعات بأن تنضم الفلبين وسنغافورة واليونان وهولندا إلى المبادرة. وقد اهتمت المبادرة بالتعاون بين الدول الموقعة في مجالات أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والمعادن النادرة والحرجة، والطاقة والبنية الداعمة، واللوجستيات المرتبطة بالصناعة المتقدمة، أي أن الولايات المتحدة تسعى لإكمال الحصار حول الصين ببناء طوق ودرع تكنولوجي في مواجهتها كذلك.
ما التغيرات التي أدى إليها الصمود الإيراني في مواجهة الاعتداءات الأميركوصهيونية؟
لم تكن الاعتداءات الأميركية الصهيونية على إيران مفاجِئة، فكل من يقرأ الخريطة الجغرافية للتحالفات الأميركية، يدرك تماماً أن هذا الحصار الذي كانت أميركا تسعى لإحكامه حول الصين، لا قيمة له بدون إيران، القادرة بحسب موقعها الجغرافي على تفريغه من محتواه تماماً.
لكن الفشل الأميركي الواضح في إخضاع إيران، وقيام الأخيرة بفرض هيمنتها على مضيق هرمز وتوجيه ضربات قاسية إلى القواعد الأميركية في الخليج الفارسي، ناهيك بضرباتها للداخل الصهيوني، وبروز قوة حزب الله في لبنان مرة أخرى ودخولها على خط المعارك وما تقوم به من استنزاف قاس للجيش الصهيوني، ثم التلويح بقوة أنصار الله واحتمال قيامهم بإغلاق مضيق باب المندب، أثبت لهؤلاء الحلفاء في شرق وجنوب شرق آسيا ترهل الآلة العسكرية الأميركية، وأن الاعتماد عليها في مواجهة الصين يمثل مخاطرة كبرى، وبديهي أن من يفشل في إخضاع إيران لن يتمكن بالتأكيد من الصمود أمام الصين القادرة على إيلام الداخل الأميركي ذاته.
يضاف إلى ذلك بعض التصريحات الأميركية التي يفهم منها رغبتها في التركيز على النصف الغربي من الكرة الأرضية عبر مشروع أميركا الشمالية الكبرى، والموجه بالأساس إلى البرازيل، والتي يجري حصارها ببطء باعتبارها القوة الاقتصادية المدعومة من الصين وروسيا في أميركا الجنوبية.
وإذا كانت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب العشوائية قد تثير ارتباك من يهتمون بتحليلها، فان تصريحات وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ونائب الرئيس جي دي فانس، تؤكد بوضوح أن أميركا سيكون عليها الاهتمام بدعم حلفائها عبر شراء الأخيرين للمعدات والأسلحة، لكنها لن تتورط بكل تأكيد في أي مواجهة مع الصين على الأقل في الفترة الحالية.
ومن الواضح أن التطورات الأخيرة في الحرب بالخليج الفارسي والشرق العربي قد أعطت الصين الضوء الأخضر لمحاولة فرض هيمنتها الصريحة على مجالها الحيوي، والذي يمتد من البحر الأصفر مروراً ببحر الصين الشرقي وبحرها الجنوبي وحتى مضيق ملقا، والذي يفصله عن بحر أندمان بالمحيط الهندي، لكن التحركات الصينية في مضيقي لومبوك وماكاسار بالرغم من أنهم يربطان المحيط الهندي بكل من بحر جاوة وبحر بالي، وهما مضيقان إندونيسيان، فإن الصين تحاول كذلك الإشارة إلى أنها ستتحكم في حركة المرور التجاري بهذين المضيقين، وهكذا تتمكن بالمشاركة مع إيران واليمن من الهيمنة على 60% تقريباً من التجارة العالمية، عبر السيطرة على حركة المرور بالسلسلة الأهم من المضائق تبدأ من مضيق كوريا الذي يربط بحر اليابان ببحر الصين الشرقي، ثم مضيق تايوان الذي يربط بحر الصين الشرقي ببحرها الجنوبي، ثم المضائق الإندونيسية ومضيق ملقا، والذي يربطه ببحر أندمان بالمحيط الهندي، بينما تهيمن إيران على حركة المرور في مضيق هرمز (الأهم على الإطلاق في العالم)، ويهيمن اليمن بقيادة أنصار الله على حركة المرور في مضيق باب المندب.
من المؤكد أنه لا يوجد أي تنسيق معلن بين هذه الدول بخصوص الهيمنة على حركة المرور التجاري بين المضائق بهذا الشكل، لكن الاعتراف الصيني بهيمنة إيران على مضيق هرمز، والذي صدر بأسلوب واضح وصريح في الرد على إعلان الرئيس الأميركي ممارسة الحصار على إيران لإجبارها على رفع يدها عن مضيق هرمز، والتحذير المباشر بعدم المساس بناقلات النفط الصينية المغادرة والمتجهة لإيران، ربما يشير إلى هذا التنسيق أو على الأقل تلاقي المصالح في هذه النقطة. وفي حالة نجاح هذه الدول في إجبار العالم على الاعتراف بالأمر الواقع بهذا الشكل، فإن الولايات المتحدة لا يمكنها الادعاء بأنها قوة عظمى، حتى ولو أعلنت عن تدريبات مشتركة مع حلفائها أو دعمتهم تسليحياً.
إن سباق التسلح الذي تقوم به اليابان في الفترة الأخيرة، والذي أعلنت من خلاله عن رصد ميزانية تقدر بـ225 مليار دولار بهدف زيادة قدراتها الدفاعية عبر تخصيص 17 مطاراً وميناءً للاستخدام العسكري والأمني، وإعلانها عن نشر أنظمة صواريخ بجزيرة يوناغوني (أقصى جنوب محافظة أوكيناوا) قرب جزيرة تايوان بحلول عام 2030، وموافقة أميركا على مساعدتها في تطوير منظومات صواريخ انزلاقية فائقة السرعة، مقابل 340 مليون دولار، يشير إلى أن ما بعد الفشل الأميركي في إيران سيكون مختلفاً بكل تأكيد، وهو ما فسره الباحث الكوري الشمالي ليم إيول تشول (من معهد دراسات الشرق الأقصى في جامعة كيونغنام في كوريا الشمالية) بأن الاختبارات الصاروخية الأخيرة لكوريا الشمالية، تعد رسالة مباشرة إلى واشنطن تشير إلى أن كوريا الشمالية قادرة على شل أسطول من السفن وحاملات الطائرات الأميركية بفاعلية.
على أن جوهر هذه الرسالة لا يرتبط فقط بكوريا الشمالية (الحليف الرسمي الوحيد للصين)، وإنما بالمساعي التي تقوم بها الصين لإنهاء الوجود الأميركي في المنطقة، والذي يبلغ 95 ألف جندي موزعين بين اليابان وكوريا الجنوبية، وفرض الإرادة الصينية على مجالها الحيوي، أي أن الإدارة الأميركية أصبحت حالياً مجبرة بين القتال حتى النهاية للبقاء في الشرق العربي والشرق الأقصى أو الخروج من كليهما، ويبدو أنها بدأت في الاقتناع بأن عليها الخروج والاكتفاء بدعم الحلفاء.
مستقبل الكيان الصهيوني!
من المعروف حجم العلاقات بين الكيان الصهيوني وبين كل من تايوان والهند، فالأولى تتعاون مع الكيان الصهيوني في مجالات كالتكنولوجيا والرعاية الصحية والفضاء، بينما قام ناريندرا مودي رئيس وزراء الهند بالتوقيع على حزمة من الاتفاقيات أثناء زيارته للكيان الصهيوني في 25 و26 فبراير الماضي، شملت مجالات التجارة، المدفوعات الرقمية، الاستثمار، وسلاسل التكنولوجيا والدفاع، إضافة إلى الدفع باتجاه تسريع اتفاقية التجارة الحرة بين الطرفين.
وبالرغم من أن العلاقات بين الكيان الصهيوني وكل من اليابان والفلبين قوية كذلك، وخصوصاً فيما يتعلق بالتكنولوجيا، فإن آثار هذه الحرب على الدول الثلاث سوف تكون قاسية للغاية، فبالنسبة إلى تايوان التي أصبحت عودتها إلى البر الصيني مسألة وقت لا أكثر، وخصوصاً في حال حقق حزب الكومنتانغ الانتصار في الانتخابات القادمة سنة 2028، فإن هذه العودة سوف تؤثر بقدر كبير في علاقة التعاون بينها وبين الكيان الصهيوني، والتي يصفها الباحث خير الدين الجابري: "تتفوق إسرائيل في البرمجيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني التطبيقي، بينما تتميز تايوان في العتاد وإنتاج أشباه الموصلات. هذا التكامل التقني والصناعي أصبح اليوم العمود الفقري لعلاقاتهما".
تعتمد الشركات الإسرائيلية على وحش صناعة أشباه الموصلات التايواني TSMC لتصنيع رقائقها الحاسوبية، بينما يدمج المهندسون التايوانيون معايير الأمان التي تُطوّر في "تل أبيب". وكلا الطرفين أصبح مترابطاً بشكل كامل"، كما ستنهي بشكل واقعي اتفاقية التجارة الحرة التي وقعتها مع الولايات المتحدة الأميركية.
أما على المستوى الهندي، فهيمنة كل من الصين وإيران واليمن على حركة المرور التجاري بالمضايق سالفة الذكر، وخصوصاً مضيقي هرمز وباب المندب، قد تؤدي في الغالب إلى تغيرات سياسية، تهدد اتفاقياتها التجارية مع كل من أوروبا وأميركا وحتى مع الكيان الصهيوني.
وبمعنى أكثر وضوحاً، فإن الفشل في إخضاع إيران أو إسقاط نظامها الإسلامي سيجعل الكيان الصهيوني مجبراً على والانزواء في جغرافيته مرة أخرى، معتمداً على معاهدات السلام مع بعض الدول العربية والدعم الأوروأميركي، وكلاهما غير مضمونين في المرحلة القادمة، وخصوصاً مع التغيرات الاقتصادية والسياسية في العالم.
في مصر، يردد الفلاحون مثلاً شائعاً بينهم، هو "الأيام دول"، وهو مثل مأخوذ من الآية القرآنية الكريمة: [وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] (آل عمران/140). وبينما كانت الرجعية العربية المدعومة أميركياً تحاول سابقاً التوهين من الزعيم العربي جمال عبد الناصر عبر وصفه بالعنتريات الصوتية والفشل الواقعي، رغم كل الإنجازات التي حققها، كالبناء الصناعي، والتطور الزراعي، وإنشاء السد العالي، وطرد الاستعمار من القارة الأفريقية والمنطقة العربية. وها هي الأحداث الحالية قد منحتنا الفرصة لمشاهدة عنتريات رئيس القوة العظمى الداعمة لهذه الرجعية وتابعه في الكيان الصهيوني، مقابل فشلهما الواقعي الصريح، ما صار مثار غضب وسخرية العالم وحتى في الداخل الأميركي والصهيوني، لكنها بلا أي إنجازات هذه المرة.