إيران في العقل العربي: من "خطر إقليمي مزعوم" إلى "رمز للسيادة العابرة للطوائف"

الشارع العربي كان منحازاً لإيران خلال الشهرين الماضيين، بصورةٍ أربكت مراكز الأبحاث الغربية، بل ودفعت ببعض المحطات الخليجية إلى توجيه اللوم صراحةً للجمهور العربي المؤيد للضربات الإيرانية المُوجهة للقواعد الأميركية.

0:00
  • فشل واشنطن و
    فشل واشنطن و"تل أبيب" في ترويض الوعي الجمعي.

في الثامن والعشرين من فبراير/شباط عام 2026، شنّت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي حملة جوية هي الأعنف ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي العملية التي لم تكتفِ باستهداف أجزاء واسعة من البرنامج النووي الإيراني والمنشآت العسكرية الحيوية، بل وصلت ذروتها باغتيال القائد الأعلى علي خامنئي وقيادات سياسية أخرى رفيعة المستوى، في محاولة فاشلة لخلق فراغ سياسي داخل البلاد.

إلا أن هذا العدوان العسكري قوبل برد إيراني قوي، تجلّى في إطلاق مئات الصواريخ والمسيرات التي استهدفت العمق الإسرائيلي والقواعد الأميركية في المنطقة، كما اعتمد أيضاً على "سلاح السردية" الذي استطاع تحويل أي خسارة مادية مُحتملة إلى "حالة من الاستبسال" التي اجتاحت الوجدان الجمعي لشعوب المنطقة ككل، بما يشمل الشعب العربي.

فبينما كانت الطائرات الأميركية والإسرائيلية تقصف الأطفال في إيران، وتحاول تخريب تجربة ثورية عمرها 47 عاماً، كانت صور الصواريخ الباليستية المصنوعة محلياً في إيران ثم إغلاق مضيق هرمز تأخذ المعركة إلى سياقات أخرى، حينها بدأ جدار الصمت في الشارع العربي يتصدّع، وأُعيد رسم خرائط التأثير بعيداً عن الحسابات الرسمية للأنظمة العربية التي تراوح موقفها ما بين التواطؤ وتقديم المعونة العدو أو الصمت المطبق.

وفي خضم هذا التحول، كان من الطبيعي أن يتشكل واقع سياسي مغاير على المستوى الشعبي، تتقدم فيه إيران إلى واجهة المشهد بوصفها "المقاوم الوحيد" في نظر قطاعات واسعة من الجماهير، رغم الكلفة الباهظة التي تحملتها.

فشل واشنطن و"تل أبيب" في ترويض الوعي الجمعي

لقد كشفت الحرب بوضوح عن فجوة سحيقة بين ما تنفقه القوى العظمى وحلفاؤها على حملات "الشيطنة" والبروباغندا، وبين حقيقة ما يترسب في وعي الإنسان العربي، فرغم تخصيص حكومة الاحتلال مئات الملايين من الدولارات في عام 2026 لتمويل حملات إعلامية رقمية ومؤثرين عبر منصات التواصل الاجتماعي لتصوير إيران كعدو أول وتهديد وجودي، إلا أن النتائج التي عكستها استطلاعات الرأي أثبتت فشلاً ذريعاً لهذه الاستثمارات الضخمة.

فوفقاً لـArab Opinion Index 2025 (الذي امتد تأثيره إلى 2026)، يرى 44% من العرب أن "إسرائيل" تمثل التهديد الأكبر لأمنهم القومي، ويرى 21% أن الولايات المتحدة في المرتبة الثانية، بينما تأتي إيران في المرتبة الثالثة بنسبة لا تتجاوز 6-8% فقط. هذا الترتيب لم يتغير بعد الحرب، بل تعزز في بعض الدول العربية، حيث ارتفع التعاطف مع ثبات إيران في مواجهة الهجوم الخارجي. ففي "استطلاعات المقياس العربي للرأي (Arab Barometer)"، ارتفع التأييد لإيران في تونس إلى 55%، وفي العراق وفلسطين ارتفع إلى نسبٍ أعلى.

هذا التحول لم يكن محض مصادفة، بل جاء ثمرة لصمود الدولة الإيرانية وقدرتها على تكريس معادلة "الرد بالمثل"، مدفوعة بظهير إعلامي استراتيجي لمحور المقاومة نجح في تحويل الهجمات والاعتداءات إلى "أوسمة صمود" تعزز الحاضنة الشعبية وتُفشل أهداف الحرب.

فمشهد اغتيال القيادات الإيرانية لم يُقرأ في الشارع العربي إلا كدليل على أن هذا النظام هو الوحيد الذي دفع ثمن المواجهة المباشرة فعلياً، وأن أعلى القيادات بداخله على استعداد لتقديم أرواحها قبل أي مواطن آخر. هذه القراءة جعلت من "النصر المعنوي" حقيقة واقعة تتفوق على لغة الأرقام العسكرية، وأثبتت أن الشعوب التي تعاني بسبب الهيمنة الأجنبية واحتكار العواصم الغربية للتكنولوجيا، ستنحاز تلقائياً لمن يجرؤ على "إيلام العدو" أو يُثبت قدرته على تصنيع سلاحه ذاتياً، وهو ما يفسر الارتفاع المفاجئ في شعبية إيران في جميع دول منطقة الشرق الأوسط.

​انحسار الاستقطاب الطائفي وبروز العدو المشترك كقوة توحيد

​أحدثت معركة الأربعين يوماً هزة عنيفة في جدار الفتنة الطائفية التي غُذيت لعقود من الزمن، إذ تراجعت نغمة "الخطر الشيعي" أمام هول المشهد العسكري والعدوان الخارجي المباشر،و وجد الشارع العربي نفسه أمام مفارقة أخلاقية كبرى تمثلت في رؤية دولة إسلامية تُقصف بوحشية من قبل تحالف تقوده واشنطن و"تل أبيب"، ما دفع قطاعات واسعة من "السنة" إلى تجاوز الخلافات المذهبية العميقة وتبني سردية محور المقاومة كخيار ضرورة أمام ما اعتبروه "تغوّلاً إمبريالياً".

ولم تكن هذه الحالة عاطفية مؤقتة فحسب، بل تجلت في تراجع حدة الخطاب الطائفي في مناطق التوتر التقليدي مثل لبنان والعراق، إذ أصبح التركيز منصباً على رفض التطبيع والتحالفات الأمنية مع العدو الإسرائيلي، وهذا التحول الدراماتيكي في الرأي العام أثبت أن الشعور بالتهديد الوجودي القادم من الخارج يتفوق دائماً على الخصومات الداخلية والمذهبية إذا ما وضعت في ميزان الكرامة الوطنية، وهو ما جعل من الحرب، رغم مرارتها الشديدة، فرصة لإيران لتفكيك الصور الذهنية النمطية وتصحيح المعلومات المغلوطة التي تراكمت في العقل العربي على مدار عقود، بفعل عقود من حملات التشويه التي إدارتها عواصم غربية وخليجية.

وعليه، خرجت إيران بصورة "البطل القومي العابر للطوائف والحدود" الذي أعاد تذكير العرب بنماذج تاريخية مثل جمال عبد الناصر في عام 1956، حينها، أيضاً، لم تُحسَب الأمور بالقياسات العسكرية، بل بالقدرة على الوقوف في وجه الطغيان وتغيير المعادلات السياسية، لا على الصعيد الإقليمي وحده، بل على الصعيد الدولي أيضاً.

نشاط سياسي عربي في ظل الحرب

على المستوى النخبوي، شهدت الساحة العربية حالة واسعة من الحِراك السياسي بالتزامن مع تصاعد الأجواء العسكرية في غرب آسيا، حيث برز انقسام حاد بين تيارين رئيسيين:

التيار الأول: تيار متأثر بالرواية الغربية السياسية والإعلامية، وقد أيد هذا التيار الهجوم العسكري تحت شعار "تغيير النظام"، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير واسع لإيران وقتل آلاف من أبناء الشعب الإيراني. والمفارقة أن هذه التيارات، رغم ليبراليتها المزعومة، تتلقى تمويلاً سخياً من أنظمة عربية خليجية ذات طابع ملكي، بعيدة كل البعد عن أي شكل ديمقراطي حقيقي.

أما التيار الثاني: فقد تمثل في قوى قومية ويسارية، وقفت دفاعاً عن حق إيران في الرد على الاعتداء، ودعمت الثورة الإيرانية، وأبرزت تاريخها الطويل في الانحياز للقضية الفلسطينية. كما أسهمت في تفكيك الروايات المذهبية التي تُستخدم لتأجيج الفتنة بين الشعوب.

بين هذين التيارين الرئيسيين، برزت تيارات أخرى قدمت سرديات متنوعة، تراوحت بين الدعم والتحريض. ومن أبرزها تيار "الإسلام السياسي السني،"، الذي انقسم بدوره إلى فرعين:

أ- تيار سلفي متشدد، مرتبط بدوائر دينية خليجية، أعاد إنتاج الخطاب التقليدي الواهي الذي يقوم على شيطنة إيران على أساس مذهبي بحت.

ب- تيار أكثر براغماتية، وأقل تعصباً على المستوى المذهبي، ورأى أن انتصار إيران – أو على الأقل قدرتها على توجيه ضربات موجعة لحكومة نتنياهو – قد يحدّ من الدور الإسرائيلي في كل من قطاع غزة وسوريا، ما يتيح لحركة حماس التقاط أنفاسها، وللنظام السوري فرصة التحرك في مساحة أوسع.

بشكلٍ عام، يمكن القول إن الشارع العربي كان منحازاً لإيران خلال الشهرين الماضيين، بصورةٍ أربكت مراكز الأبحاث الغربية، بل ودفعت ببعض المحطات الخليجية إلى توجيه اللوم صراحةً للجمهور العربي المؤيد للضربات الإيرانية المُوجهة للقواعد الأميركية، وربما اتخذت بعض الأنظمة العربية إجراءات عقابية وأمنية لكبح تلك المشاعر المتنامية والمؤيدة لإيران.

كما مثّلت الحرب فرصة لعودة النخب العربية المؤيدة للمقاومة والرافضة لقوى الاستكبار الدولي إلى صدارة المشهد العام، وهو ما يُعد مكسباً سياسياً وثقافياً مهماً خلال تلك الفترة. ولا شك أن هذه الحالة الشعبية والنخبوية تفتح آفاقاً واسعة لبناء مشاريع مستقبلية تهدف إلى توسيع حضور محور المقاومة في المنطقة العربية بصورةٍ عامة.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.