إن لم تسكتوا خجلاً فاخرسوا
الأسرى ما زالوا يواجهون حملة قمع وتنكيل أسبوعية يتعرّضون خلالها لضرب مبرح يصل حدّ الجروح والكسور والرضوض في أجساد كثيرين منهم.
-
ليس أشقّ على قلب ذوي الأسير المعذّب من تلقّي نبأ استشهاد أسير في سجون الاحتلال.
ليس أشقّ على قلب ذوي الأسير المعذّب من تلقّي نبأ استشهاد أسير في سجون الاحتلال، كما حدث خلال كتابة هذه السطور، حين بلغنا نبأ استشهاد الأسير عماد سرحان من حيفا، الذي أمضى في السجن ما يقرب من ربع قرن، استشهد في السجن الأسوأ من حيث ظروف الاحتجاز فيه ( سجن جلبوع).
هي حسرة أم بل وكلّ عائلة لم تلمس كفّ فلذة كبدها الأسير منذ سنوات طوال عجاف وكاتبة السطور هذه أم لأسير منذ سبعة أعوام، لم تزره ولم تره منذ ثلاث سنوات بتمامها وكمالها، بسبب منع زيارات الأسرى، تنتظر الأم والعائلة والأصدقاء أيّ خبر أو نسمة مقبلة من صحراء الجنوب الفلسطيني أو من أيّ سجن في شمال الوطن السليب أو شرقه أو غربه أو وسطه،حاملة معها أيّ خبر، يحمله أسير أنهى مدة سجنه وغادر ما اصطلح على تسميته مقابر الأحياء، أو تنبئ عن زيارة سمح لها لمحام وهي شبه مستحيلة في عرف بن غفير وزبانيته المجرمين، أو حتى رؤية محاميه له عبر الشاشة خلال جلسة المحكمة ليطمئنهم عنه حيث يمنعون الأهل من دخول المحكمة بحجّة أنّ الجلسات مغلقة.
وكثيراً ما تلجأ إدارة السجون إلى التلاعب بالمواعيد لتحرم الأسير وذويه من معرفة أيّ خبر.
وحصل كثيراً أن وافقت إدارة السجون على زيارة محام خاص للأسير، بتوقيت يتزامن مع جلسة المحكمة، وهذا يعني الحرمان المزدوج: لمحامي الأسير، حين يخبرونه أي المحامي الموكل إليه بالمتابعة القانونية للأسير أنّ جلسة المحكمة ألغيت لأنّ محامياً من مؤسسة ما سيزور الأسير، وعلى المقلب الآخر يذهب المحامي لزيارة الأسير، فيبلغونه أنّ الزيارة غير ممكنة لأنّ الأسير موجود في جلسة المحكمة. والنتيجة لا زيارة محامٍ ولا جلسة يمكن أن يرى فيها المحامي الأسير موكله لينقل له ما يطمئن قلبه من عائلته أو ما يطمئن عائلته منه.
وبالتالي تتلذّذ إدارة السجون في اجتراح كلّ أشكال المعاناة والحرمان للأسير الفلسطيني وتتفنّن في التعذيب. فقد أفاد أسرى وأسيرات أفرج عنهم مؤخراً أو أسرى التقوا بالمحامين أنهم رغم ما يشاع عن بعض التحسّن في ظروف الأسرى اليوم عما كان منذ بدء الحرب الأخيرة على غزة، أنّ الأسرى ما زالوا يواجهون حملة قمع وتنكيل أسبوعية يتعرّضون خلالها لضرب مبرح يصل حدّ الجروح والكسور والرضوض في أجساد كثيرين منهم، وأنهم منذ السابع من أكتوبر لم يعرفوا شيئاً اسمه شبع بسبب قلّة كميات الطعام المقدّمة إليهم، ناهيك عن رداءة نوعيته، والحرمان من الماء والقيود على الحمام ما أسفر عن أمراض خطيرة وأمراض جلدية تتفاقم يوماً عن يوم.
حرمان من الملابس، فلبسوا ملابس شتوية في عزّ حرّ الصحراء، وعانوا من البرد في عزّ الشتاء،حرمان من الشاي والقهوة وأيّ شيء يمكن أن يشربه الأسير، فهذه أشياء لم يروها منذ ما يزيد عن عامين ونصف العام وكذلك الفواكه. إضافة إلى ذلك الاكتظاظ في غرف السجن. إذ تضمّ الغرفة 12- 15 أسيراً بينما كانت في السابق تضمّ ستة أسرى، والإهمال الطبي للمرضى والموجّهين.
وما زال الأسرى والأسيرات يتعرّضون للتحرّش من قبل السجّانين والسجّانات على حدّ سواء، بغرض إذلال الأسرى وإهانتهم وكسر شوكتهم، والتفريغ عن سادية الصهاينة وإشباع رغباتهم الشاذّة في التعذيب وانحرافاتهم الجنسية. وتحول إدارات السجون بإيعاز من بن غفير دون حصول الأسرى على أيّ زيارة من محام أو مؤسسة دولية أو حقوقية حتى لا يقدّم الأسرى أيّ شكوى ضدّ سلوكيات السجّانين. ففي سجن واحد من سجون الاحتلال هناك قائمة من خمسة وعشرين أسيراً يتعرّضون بشكل متكرّر للتعذيب والتحرّش من قبل سجّانيهم.
هذه السلوكيات التي لا تدلّ على نزعات فردية شاذّة بل تدلّ على تربية جمعية وذهنية تصبغ المجتمع الصهيوني، جنوداً ومستوطنين، كباراً وصغاراً، ذكوراً وإناثاً. وليس أكبر من الإبادة المرتكبة في فلسطين ولبنان وغيرهما جرماً.
تلك الوحشية متوقّعة من عدو الأرض والإنسان والأخلاق. أما أن تبلغ الوقاحة مبلغاّ لدى أبناء الجلدة وإخوة الدم أن يصفوا المقاوم "بالإرهابي"، وكما في لبنان في فلسطين أيضاً. فقد بلغ الأمر مبلغاً غير مسبوق في تجاوز الخطوط الحمر حين ذهبت الدبلوماسية الفلسطينية في السويد إلى تحريض البرلمانيين السويديين ضدّ الأسرى الفلسطينيين ووصمتهم "بالإرهاب".
ففي وقت يتضامن خمسون برلمانياً سويدياً مع خمسين أسيراً فلسطينياً اتصلت سفيرة فلسطين في السويد رلى محيسن بالبرلمانيين السويديين لتخبرهم أنّ الأسرى قد يكونون "إرهابيين متورّطين في قتل مدنيين إسرائيليين".
لكنّ البرلمانيين السويديين وبّخوها على هذا الموقف المستهجن، وتناقلت وسائل التواصل الخبر وشنّت حملة على السفيرة. السفارة هناك بدلاً من أن تعتذر عن زلّة السفيرة التي سوّدت وجه الشعب الفلسطيني أمام السويديين، أصدرت بياناً تشكّك في وطنية منتقدي الموقف الهزيل للسفيرة وتدافع عنها ببيان إنشائي كان أشرف للسفارة لو أنها صمتت بدلاً مما جاء في البيان.
وكأنّه لا يكفي الأسرى وذووهم ما يمارسه الاحتلال الفاشي عليهم من حرمان وقهر وتعذيب ومنع زيارات وعزل، ولا يكفي ما تمارسه السلطة من تشويه وقطع رواتب وإذلال ذويهم على أبواب الدوائر الحكومية وغير الحكومية، ومحاربتهم في لقمة عيش أطفالهم وفي تساوق قاهر مع المحتل الذي يسرق الأرض وما فيها وما عليها.
لا يحتاج وحل الاحتلال لزيادة بلل من دبلوماسي هنا ولا متواطئ هنا ولا مطبّع هناك. آن أوانكم أن تخرسوا إن لم تصمتوا خجلاً. اسكتوا كي لا تفضحوا أنفسكم وعاركم أكثر.