إعلانا صور والنبطية والحرب على المعنى الأخلاقي للمقاومة

جمهور المقاومة أظهر حتى الآن قدرة ملحوظة على مواجهة الحرب النفسية والإدراكية، وأثبت امتلاكه قدراً كبيراً من المناعة تجاه الكثير من الرسائل التي تستهدف وعيه الجماعي.

0:00
  • المقاومة، بالنسبة إلى جمهورها، تمثل نموذجاً ثقافياً وأخلاقياً.
    المقاومة، بالنسبة إلى جمهورها، تمثل نموذجاً ثقافياً وأخلاقياً.

يتعرّض مجتمع المقاومة في لبنان لحروب نفسية وإعلامية وإدراكية بشكل مستمر ومتواصل، بالتوازي مع الحرب العسكرية الشرسة التي تشنّها "إسرائيل" على لبنان.

خلال هذه  الحرب ، يتركّز جانب أساسي من الحرب الإدراكية على الإيحاء بأن الإجماع حول المقاومة، ولا سيما داخل بيئتها الشيعية، قد تراجع، وأن المقاومة تحوّلت  إلى عبء، وأن الكلفة التي يتحمّلها المجتمع باتت تفوق الجدوى.

ولعلّ أحد المؤشرات الدالة على ذلك هو الاهتمام الكبير الذي أولاه الإعلام المعادي للمقاومة لإعلانين؛ أحدهما حمل اسم مدينة صور والآخر اسم مدينة النبطية، وتضمّنا دعوة إلى جعل المدينتين مفتوحتين وخاليتين من السلاح. وقد اعتبر كثيرون أن مضمون الإعلانين يرقى إلى مستوى الاستسلام للعدو من دون مقاومة، بما يتيح له احتلال المدينتين ومحيطهما.

وقد احتفى الإعلام المعادي للمقاومة بالإعلانين، ومنحهما أبعاداً تفوق حجمهما الواقعي، فشهدنا حالة من التمجيد للموقّعين عليهما وإغداق صفات البطولة عليهم. في المقابل، جرى تجاهل ما أكّده عدد من هؤلاء الموقّعين من أن النص الذي أُرسل إليهم للتوقيع يختلف عن النص الذي نُشر لاحقاً، وهو ما تحدّثوا عنه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرين أنهم تعرّضوا لعملية غش وخداع، ومطالبين بحذف أسمائهم من الإعلان.

وقد بلغت المبالغات في توصيف دلالات الإعلانين حدّ اعتبار صحيفة "الشرق الأوسط" أن العريضتين تشكّلان دليلاً على ما سمّته "تمرّداً" داخل الطائفة الشيعية.

لا شك أن أي متابع لشؤون الشيعة في لبنان يدرك أن الموقّعين يمثّلون شريحة من المجتمع الشيعي لا يوجد أي مؤشر على اتساع حجمها. بل إن الحرب الحالية شهدت، على العكس من ذلك، انضمام نخب شيعية كانت معارضة لسياسات حزب الله الداخلية خلال العقدين الماضيين، إلا أنها أعلنت تأييدها الواضح واللافت للمقاومة في مواجهتها الراهنة للعدوان الإسرائيلي.

والملاحظ أن مضمون العريضتين والمفاهيم التي تضمّنتاها يتماهى إلى حدّ كبير مع السرديات التي يجري الترويج لها عادة في الخطاب الإعلامي والسياسي المعادي للمقاومة، والتي تتمحور حول عدد من العناوين الأساسية:

أولاً: إحداث شرخ داخل مجتمع المقاومة

وهو هدف يعمل عليه العدو منذ سنوات طويلة. وقد شكّلت المجازر التي يرتكبها، بالتوازي مع الإبادة العمرانية  التي تطال عدداً كبيراً من قرى الجنوب، إضافة إلى التهديدات المتواصلة  بتكرار نموذج الإبادة الذي شهدته غزة، محاولة جديدة لتحقيق ما عجز عنه منذ عام 1982.

في هذا السياق ، يتناغم الإعلام المعادي للمقاومة مع أداء العدو، فيركّز بصورة شبه حصرية على الكلفة البشرية والمادية للحرب، ويحاول ترسيخ صورة مفادها أن مصالح المجتمع تتعارض مع الخيار المقاوم.

ثانياً: صناعة الشعور بعدم الجدوى

يكرّر خصوم المقاومة سردية مفادها أن المقاومة خيار فقد جدواه، ويحمّلونها مسؤولية تراجع أو ضياع الإنجازات التي تحققت في مراحل سابقة.

وفي مثل هذه الحالات، يلجأ العدو عادة إلى فصل الأحداث الجارية عن سياقاتها التاريخية والسياسية، بما يوفّر مظلة تبريرية لجرائمه ويُضعف القدرة على فهم أسباب الصراع وخلفياته.

وفي هذا الإطار، تتراجع في اللغة الإعلامية مفاهيم الصمود وأهميته في الحروب اللامتماثلة، لتحلّ محلها سرديات تركّز على أن التضحيات ذهبت سدى، وأن الأفق مسدود، وأن الاستمرار في المواجهة لا يحقق أي مكاسب. 

ثالثاً: إعادة تعريف مفهوم النصر والهزيمة

يتجاهل الفريق المعادي للمقاومة ما تُجمع عليه الأدبيات العسكرية من أن النصر أو الهزيمة لا يُقاسان بعدد الضحايا أو بحجم الدمار الذي يلحق بكل طرف، بل بمدى قدرة كل منهما على تحقيق أهدافه السياسية والاستراتيجية.

كما أن معايير النصر والهزيمة في الحروب اللامتماثلة تختلف بطبيعتها عن تلك المعتمدة في الحروب التقليدية بين الجيوش النظامية، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر بقوله: "الجيش النظامي يخسر إذا لم ينتصر، أما حرب العصابات فتنتصر إذا لم تخسر".

وفي هذا النوع من الحروب، يكفي حركات المقاومة ألا تُهزم، وألا يتمكن الطرف المعادي، الذي يمتلك عادة تفوقاً نارياً وتكنولوجياً، من كسر إرادتها أو القضاء على قدرتها على الاستمرار، أو إضعاف عامل الصمود لدى المجتمع الحاضن لها.

إلا أن الخطاب المعادي للمقاومة يتجاوز هذه الحقائق، ويعمد إلى إعادة تعريف النصر والهزيمة وفق معايير تجعل الخسائر البشرية والمادية دليلاً تلقائياً على الهزيمة، بغض النظر عن النتائج السياسية والاستراتيجية للحرب. وقد جرى الترويج لهذه المقاربة بكثافة في لبنان خلال الحرب الحالية، سواء في الخطاب السياسي أو الإعلامي.

رابعاً: تكريس الإحساس بالعجز

يُعدّ الإحساس بالعجز من أخطر المفاهيم التي تعمل عليها الحروب الإدراكية، وهو يحضر بقوة في الخطاب المرافق للحرب الإسرائيلية الحالية على لبنان.

وتُصاغ في هذا السياق سرديات تهدف إلى دفع الناس إلى الاعتقاد بأن المقاومة لن تتمكن من إنهاء الاحتلال الإسرائيلي المستجد، وأن ميزان القوى محسوم بصورة نهائية لمصلحة "إسرائيل"، بما يجعل أي محاولة للمواجهة أو التغيير عملاً غير مجدٍ.

واللافت أن هذا الخطاب ليس جديداً، بل سبق أن ساد خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، قبل أن يفقد الكثير من مصداقيته بعد إنجاز التحرير عام 2000. ومع ذلك، لا تتوقف الآلة الإعلامية عن إعادة إنتاجه بصيغ مختلفة، في محاولة لترسيخ الشعور بالعجز والإحباط لدى الجمهور.

خامساً: تفكيك الذاكرة الجماعية

يعمد الإعلام المعادي للمقاومة إلى العودة إلى محطات تاريخية بارزة أثبتت خلالها المقاومة جدواها وحققت إنجازات مفصلية، ولا سيما في عامي 2000 و2006، إلا أن هذه العودة لا تهدف إلى قراءة تلك الأحداث في سياقها الحقيقي، بل إلى إعادة تفسيرها بما يغيّر دلالاتها المستقرة في الوعي الجماعي.

ففي ما يتعلق بتحرير عام 2000، يجري الترويج لروايات تقول إن "إسرائيل" انسحبت لأسباب داخلية أو نتيجة ظروف دولية وإقليمية، وأن المقاومة لم تكن العامل الحاسم في فرض الانسحاب.

أما بالنسبة إلى حرب تموز 2006، فلا تزال تتكرر سردية التركيز على الكلفة البشرية والمادية المرتفعة، مع تجاهل حقيقة أن العدو نفسه أقرّ بالإخفاقات التي مُني بها، واعترف، عبر العديد من تقاريره ولجانه، بالنتائج الاستراتيجية التي أفرزتها الحرب.

سادساً: استهداف المعنى الأخلاقي للمقاومة

تصبّ جميع المسارات السابقة في هدف مركزي يتمثل في استهداف المعنى الأخلاقي للمقاومة، عبر السعي إلى تقويض صورتها بوصفها تجربة تختزن مجموعة من القيم والمفاهيم المرتبطة بالكرامة والحرية والاستقلال والتضحية والصمود.

فالمقاومة، بالنسبة إلى جمهورها، تمثل نموذجاً ثقافياً وأخلاقياً يرى فيه كثيرون قدرة على إحياء الأمة وتغيير مصيرها والدفاع عن استقلالها. ومن هنا، تنبع أهمية استهداف هذا البعد المعنوي من قبل خصومها، لأنه يتعارض مع مشاريع الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية التي سعت القوى الغربية إلى تكريسها في المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ويُعد هذا الهدف من أكثر الأهداف مركزية لدى أعداء المقاومة، لذلك يعملون باستمرار على إيجاد عوامل تؤدي إلى تحقيقه من داخل البيئة الحاضنة نفسها، إدراكاً منهم أن اهتزاز المعنى الأخلاقي للمقاومة يجعل بقية عناصر قوتها أكثر هشاشة وقابلية للتأثر.

ومع ذلك، يمكن القول إن جمهور المقاومة أظهر حتى الآن قدرة ملحوظة على مواجهة الحرب النفسية والإدراكية، وأثبت امتلاكه قدراً كبيراً من المناعة تجاه الكثير من الرسائل التي تستهدف وعيه الجماعي. وقد شكّل استمرار عامل الثقة بين المقاومة وبيئتها الحاضنة أحد أبرز أسباب تعثر هذه المحاولات، ولا سيما على مستوى الجبهة الداخلية.

وفي هذا السياق، لم ينجح الإعلانان اللذان حملا اسمي صور والنبطية في تحقيق الأثر الذي سعى مروّجوهما إلى إظهاره، إذ بقي تأثيرهما محدوداً ولم يتجاوز في الواقع دائرة الموقّعين عليهما. 

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.