"إسرائيل" تطالب بإجراءات تحقق نووي قصوى بلا معنى في صراع وجودي
مخاوف إسرائيلية من تسوية نووية أميركية - إيرانية، ومساعٍ لفرض شروط تفتيش مشددة على طهران، مقابل تمسّك إيران بقدراتها النووية كضمانة لأمنها ووجودها.
-
"إسرائيل" تطالب بإجراءات تحقق نووي قصوى بلا معنى في صراع وجودي
في صيف العام الماضي، رُفعت في طهران، على مبنى حكومي، لافتة ضخمة تحمل صوراً رمزية لمنشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، وصور علماء نوويين إيرانيين استشهدوا في هجمات إسرائيلية خلال حرب الأيام الاثني عشر (2025)، وشعاراً يقول: "العلم قوة".
يقول الصحفي الاستقصائي الأميركي، سيمور هيرش، مؤلف كتاب "خيار شمشون" حول البرنامج النووي الإسرائيلي وطبيعته الانتحارية، إن مصادر أميركية وإسرائيلية أبلغته أن تحركات تجري بهدوء في محادثات سرية بين واشنطن وطهران للتوصل إلى تسوية بشأن برنامجها النووي. المحادثات الحالية دفعت إسرائيليين قلقين، ذوي خبرة عسكرية ونووية، إلى إعداد ورقة موقف بعنوان "كيف ينبغي أن يكون نظام التحقق النووي المحكم في إيران".
يُظهر تداول الورقة بين مجموعة صغيرة من خبراء التحقق أن المحادثات السرية الجارية قد أثارت قلقاً بالغاً لدى "إسرائيل"، التي تواجه إدانات دولية واسعة بسبب عمليات القتل والانتهاكات المستمرة بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، ويصفها معظم العالم بالإبادة الجماعية.
معرفة تقنية ومواقع حصينة
لا تزال "إسرائيل" مقتنعة بأن متشددين في الحرس الثوري الإيراني يُبقون سراً البرنامج النووي فاعلاً. وتتلخص فكرة الورقة في أن أي نظام تفتيش نووي جديد "يتطلب مستوى غير مسبوق من التدخل، يتجاوز بكثير الضمانات الدولية المعتادة".
وبحسب هيرش، تقول الورقة الإسرائيلية: "نظراً لانعدام الثقة، ولأن إيران تمتلك معرفة تقنية عميقة وتاريخاً حافلاً بالمواقع الحصينة، فلا بد أن يقوم نظام [التفتيش النووي] على مبدأ التحقق المطلق". أما إجراءات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والمتعلقة بالمواد النووية المُعلنة، فلن تُرضي "إسرائيل" بعد الآن.
لذلك، يجب، إسرائيلياً، على إدارة ترامب وإيران اتخاذ خطوات إضافية، والسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالاطلاع على جميع المعلومات والمواقع. ويجب أيضًا منح مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحية الوصول إلى أي موقع نووي في إيران، عسكري أو مدني، خلال أربع وعشرين ساعة، "لمنع إخفاء الأدلة". أي لا مجال للتهرب.
يُذكّر هيرش بمخاوف "إسرائيل" بشأن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة، ويُزعم تخزينه في مواقع تحت الأرض. وتشير الورقة إلى ضرورة مزج هذا المخزون بالكامل لخفض مستوى التخصيب أو شحنه خارج البلاد.
حصل هيرش على الورقة، وأطلع عليها مسؤولاً أميركياً، رأى أنها مناقشة مهمة لقضايا التحقق التقنية المتعلقة بـ"إغلاق المنشآت النووية الإيرانية". ورأى أن الورقة لا تتناول قضايا سياسية تتعلق بمنع إيران من تطوير قنبلة نووية. ومع ذلك، أضاف متحدثاً عن الإسرائيليين: "لقد طرحوا شيئاً ما". وهذا يقلل من شأن أهمية الورقة.
ويزعم هيرش أن الجولة الأخيرة من المحادثات الأميركية - الإيرانية أكثر جوهرية وتخصصًا من مناقشات سابقة، شملت جاريد كوشنر، صهر ترامب، وستيف ويتكوف، صديقه المقرب. ولا يملك أي منهما فهماً كافياً للطاقة والأسلحة النووية. ولا تزال إيران قادرة على إنتاج وإطلاق طائرات مسيّرة وصواريخ، رغم صعوبة الأحوال الاقتصادية.
"إسرائيل مرعوبة"!
حذّر المسؤول الأميركي من أن التقدم المُحرز مع طهران، وإن كان "عظيماً"، فإنه محدود للغاية! وأنه يعتقد أن البيت الأبيض "لن يلجأ إلى حيلة 'لقد انتصرنا' خلال الحملة الانتخابية". وقال: "لن نخفف الضغط هذه المرة لأن الضغط الاقتصادي الحالي يؤتي نتائجه. لن نخفف الضغط حتى نضمن تحقيق هدفنا". وبعد أن ألمح ترامب، في خطاب مؤخراً في نبراسكا، إلى قدرة إيران على "تدمير" لوس أنجيليس وسان دييغو إذا ما طوّرت قنبلة نووية، قال إن الحرب الدائرة "ستنتهي قريباً جداً".
وقال المسؤول الأميركي إن "الإسرائيليين يريدون فشل مفاوضات التحقق النووي لتجنب التوصل إلى تسوية لا تبلغ حد القضاء التام على برنامج الأسلحة الإيراني". إن الخوف الإسرائيلي العميق من تسوية أميركية مع إيران لا ترقى إلى مستوى الهدف المنشود، رغم استبعاد ذلك في عهد ترامب، يفسر إعداد ما وصفه المسؤول بـ"قائمة المتطلبات الإسرائيلية القصوى" للضمانات، الواردة في الورقة الإسرائيلية، لأي اتفاق نووي مع إيران.
وأوضح المسؤول الأميركي لهيرش أن التضارب بين مطالب إسرائيل الأمنية والمطلب الدولي بفتح مضيق هرمز يُعقّد الدبلوماسية. وتتمثل الخطوة الأولى في تحديد وجهة النظر الإيرانية حول "التنمية السلمية"، التي تُعنى بالطاقة النووية للاستخدام المحلي، والرد عليها.
في الوقت نفسه، تمتلك إسرائيل عشرات الأسلحة النووية التي لم تعترف بها رسميًا قط، رغم أن مفاعلها في ديمونا معروف بشكل واسع بأنه بدأ إنتاج الرؤوس الحربية النووية أواخر الستينيات.
ويرى الإسرائيليون، وفقًا لمؤلف ورقة "التحقق النووي"، أن إدارة ترامب، المتلهفة إلى اتفاق نووي قبل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني القادم، تُستدرج من قِبل النظام الإيراني. وأضاف أنه مقتنع بأن القيادة الإيرانية "تكسب الوقت لتحسين" الاقتصاد، وبعد تحقيق ذلك، "ستعزز الدفاعات" حول مواقعها النووية الرئيسة الثلاثة في نطنز وأصفهان وفوردو. وتعرضت هذه المواقع لقصف جوي أميركي وإسرائيلي مكثف عامي 2025 و2026.
وأضاف الإسرائيلي أن إسرائيل "مرعوبة" لأن "الإيرانيين يعتقدون أن السبيل الوحيد للبقاء هو الهجوم". وقال إن القيادة الإيرانية تعلمت، كما فعل الملاكم الأميركي العظيم محمد علي، متى تستخدم أسلوب "الاستدراج" قبل اللجوء إلى الهجوم.
مغالطات نووية
هناك الكثير من المغالطات التي تقوم عليها ورقة "التحقق النووي" الإسرائيلية.
أولاً، بحسب هيرش، يُظهر شرط "إسرائيل" بشأن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة أنها، رغم تبجحها بالحديث عن عملية سرية للعثور على المواد المخصبة وإزالتها أو تدميرها، تدرك ابتداءً استحالة تنفيذ هذه المهمة.
ثانياً، أن فكرة الورقة الرئيسة هي أن أي نظام تفتيش نووي جديد "يتطلب مستوى غير مسبوق من التدخل، يتجاوز كثيرًا الضمانات الدولية المعتادة". وأن إجراءات الوكالة الدولية للطاقة الذرية الخاضعة لإرادة واشنطن، والمتعلقة بالمواد النووية المُعلنة، لن تُرضي إسرائيل بتاتًا، رغم تجاوزها بروتوكولات معاهدة منع الانتشار النووي.
ثالثاً، رغم كل الشفافية الإيرانية بشأن البرنامج النووي وقبولها ببروتوكولات تفتيش إضافية، تستمر "إسرائيل" منذ ثلاثة عقود في إطلاق الصراخ والتحذير من توصل إيران إلى القنبلة النووية بعد أسابيع. ورغم استمرار نفي تقارير الاستخبارات الأميركية وجود برنامج نووي عسكري في إيران، تأخذ إدارة ترامب أكاذيب نتنياهو على محمل الجد، وشنّت حربين على إيران في 2025 و2026، ويفرضون حصارًا ماليًا واقتصاديًا منذ 47 عامًا، وبلغ ذروته بحصار بحري في الأشهر الماضية.
رابعاً، إشارة المسؤول الأميركي إلى امتلاك إسرائيل برنامجًا نوويًا عسكريًا وعشرات الرؤوس النووية التي لم تعترف بوجودها رسميًا، [نسي المسؤول الأميركي أن رئيس وزراء "إسرائيل" الأسبق، إيهود أولمرت، اعترف بها في حديث صحفي ثم عاد ونفى]. ومعلوم بشكل واسع أن مفاعل ديمونا بدأ إنتاج الرؤوس الحربية النووية أواخر الستينيات. بل وأجرت "إسرائيل" تفجيرات نووية تحت البحر بالتعاون مع حكومة جنوب أفريقيا العنصرية. وهذا يعني ضرورة فتح ملف البرنامج النووي العسكري الإسرائيلي ووضعه قيد التفكيك بإشراف دولي في أي اتفاق نووي جديد حول البرنامج النووي الإيراني.
خامساً، إن خوف "إسرائيل"، المسلحة بثلاث مئة رأس نووي، من تسوية أميركية مع إيران لا ترقى إلى الإجراءات المقترحة، رغم استبعاد التسوية في عهد ترامب، يفسر هذا الخوف "متطلبات التحقق القصوى" الواردة في الورقة لأي اتفاق نووي مع إيران، بحسب المسؤول الأميركي.
سادساً، ليست العقدة في التوصل إلى اتفاق نووي بين إيران وإدارة ترامب، بل تم التوصل عدة مرات إلى اتفاق نووي: أحدها في حزيران 2025، وأخرى في شباط 2026، وكلاهما بوساطة عمانية، والثالثة مذكرة تفاهم تؤدي إلى اتفاق يشمل كل القضايا في نيسان 2026 بوساطة باكستانية قطرية. لكن إدارة ترامب تفاوض بنية الخداع والغدر، وليس التزامًا ووفاءً.
الدرس العراقي الباهظ
بعد حرب 1991، تمكنت الفرق الدولية، اسميًا والأميركية فعليًا، المختصة بالرقابة على التسلح النووي والكيميائي والبيولوجي، من اختراق كافة المواقع والمؤسسات العراقية، عسكرية ومدنية ورئاسية، وتأكدت من خلو العراق من كافة أشكال التسلح هذه.
ورغم ذلك، كانت المفارقة الساخرة أن تمهّد إدارة بوش الابن لغزو واحتلال العراق، بمزاعم كاذبة حول سعي العراق لجلب اليورانيوم الخام من النيجر، نفاها سفير أميركا في النيجر فعاقبوه بكشف هوية زوجته الموظفة في الاستخبارات المركزية لتدميرها مهنيًا، ومزاعم أخرى حول إحياء التسلح الكيميائي العراقي.
وقدم وزير الخارجية الأميركي، كولن باول، شهادة كاملة الكذب في مجلس الأمن الدولي، وأبرز مكونات - عراقية زائفة - تُستخدم في تصنيع الأسلحة المحظورة. لاحقًا، وقبل وفاته بالسرطان بقليل، اعترف باول بالكذب واعتذر عنه!
إن الخضوع لمطالب تشديد الرقابة والتفتيش الإسرائيلية يضر بمسألة الغموض النووي، البالغة الأهمية لحماية إيران من استهدافها نووياً إذا اطمأنت "إسرائيل" تمامًا إلى انعدام امتلاك إيران سلاحاً نووياً أو قدرات لصنعه.
قصارى القول، لقد تفاوض الغرب سنوات مع إيران حول برنامجها النووي، ولن تقدم شيئاً أكثر مما في "خطة العمل الشاملة المشتركة" (اتفاق 2015 النووي)، إلا في التفاصيل الصغيرة.
المعلوم أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية لا تقبل بوجود جمهورية إسلامية مستقلة الإرادة، نووية أو غير نووية. وعندما يمثل العدوان الأميركي الإسرائيلي تهديدًا وجوديًا، فليس أمام إيران إلا التمسك بأسباب الحفاظ على وجودها، خاصة القدرات النووية، والتي تعتبرها كل الدول النووية ضمانة لوجودها ومصالحها الحيوية.