أهداف ترامب من ربط ملفي إيران والتطبيع مع "إسرائيل"
ترى الحكومة الإسرائيلية أنّ أحد أهدافها بعد الحرب؛ تطوير التطبيع مع الدول العربية، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، عبر توسيع علاقاتها السياسية وبناء شبكات أمنية واقتصادية جديدة تعزّز موقعها الإقليمي.
-
يرى ترامب أنّ مفتاح التغيير في الشرق الأوسط يبدأ من السعودية.
دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب دول المنطقة للانضمام إلى اتفاقيات التطبيع، وشملت دعوته دولاً ترتبط بعلاقات واتفاقيات مع "إسرائيل" مثل مصر وتركيا والأردن، وفي البيان الذي نشره قبل أيام على منصته "تروث سوشال"، ربط ترامب بين المفاوضات مع إيران وبين توسيع "اتفاقيات أبراهام"، وذكر السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة والبحرين الموقّعتين على الاتفاقيات.
تصريحات ترامب لا تنفصل عن شعار فرض "السلام" من خلال القوة، بيد أنّ القوة وحدها لم تنجح في فرض رؤيته على المنطقة، لأنه ببساطة لم يحقّق انتصاراً عسكرياً على إيران، وفشل في إخضاعها عبر الحرب والتهديد بالتدمير الشامل، كما فشل حتى الآن في تحقيق أهدافه عبر المفاوضات، ويبدو أنه لجأ إلى أسلوب الابتزاز، ولكن ليس للطرف الإيراني غير القابل للابتزاز، بل لأطراف المنطقة الراغبة في إنهاء الحرب خشية على مصالحها.
ما يريده ترامب يتساوق تماماً مع إرادة بنيامين نتنياهو، الساعي لتغيير الشرق الأوسط، وكما فشل ترامب بالقوة العسكرية في تحقيق أهدافه، لم ينجح نتنياهو في حسم حروبه مع غزة ولبنان وإيران، ولم يحسم أيّ جبهة ولم يحقّق النصر المطلق، وبدا الطرفان؛ ترامب ونتياهو، كمأزومين يبحثان عن مخرج يستطيعا تسويقه لقواعدهم الجماهيرية قبيل الاستحقاقات الانتخابية لهما نهاية العام الجاري، عبر الإيهام بأنّ المنطقة تتحضّر لصفقة إقليمية شاملة مركزها "إسرائيل"، كمحور إقليمي يضمّ دول الخليج، مصر، الأردن، تركيا وباكستان، يهدف لعزل إيران وحلفائها.
ما يريده ترامب ونتنياهو ليس مجرّد تقارب سياسي، بل العمل على بناء محور إقليمي جديد يؤدّي لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق المصالح الإسرائيلية والتبعية الكاملة للسياسات الأميركية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنّ الرؤية الجديدة لا تريد من دولة كمصر أن تكون في حالة "سلام" بارد مع "إسرائيل" ، بل بناء علاقات طبيعية على المستويات كافة، ومنها التطبيع الشعبي والإعلامي والثقافي، إلى جانب التنسيق والتعاون في الملفات الاقتصادية، والأمنية والسياسية حول القضايا الرئيسية في المنطقة كغزة، والبحر الأحمر، وإيران...
وعلى صعيد تركيا كدولة محورية أخرى ذكرها ترامب، فيسعى الأخير لمعالجة العلاقات المتوترة بين تركيا و"إسرائيل" على خلفيّة حرب الإبادة في غزة، للبحث عن التفاهم حول القضايا المشتركة، في سوريا وإيران والطاقة والتجارة...
يرى ترامب أنّ مفتاح التغيير في الشرق الأوسط يبدأ من السعودية، التي تربط التطبيع مع "إسرائيل" ببدء مسار لحلّ القضية الفلسطينية، الأمر الذي يرفضه نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرّفة.
ووفقاً لردود الفعل من الدول الرئيسية التي شملها تصريح ترامب، والتي لا ترتبط بعلاقات رسمية مع "إسرائيل"، وهي السعودية وقطر وباكستان، فإنها ربطت بين مساري التطبيع والقضية الفلسطينية، وليس بين التطبيع وملف إيران، الأمر الذي يضع دعوة ترامب في إطار محاولات الابتزاز، وتحميل المسؤولية للدول الإقليمية التي رفضت الدعوة، في حال قرّر ترامب العودة للحرب على إيران.
من جهة أخرى جاءت دعوة ترامب بعد تصاعد الانتقادات داخل الحزب الجمهوري للتسوية المحتملة مع إيران، ويرى ترامب أنّ دعوته لتوسيع حملة التطبيع وسيلة لصناعة قصة نجاح جديدة، تثير نقاشات داخلية حولها، وتصرف الأنظار عن الإخفاق في إخضاع إيران عبر طاولة التفاوض بعد الإخفاق في ساحة المعركة، في ضوء تحذير الصقور في حزبه من التداعيات على الحزب وعلى ترامب نفسه في حال تمّ التوقيع على صفقة مع إيران لا تعكس هزيمتها.
تعكس دعوة ترامب لتوسيع "اتفاقيات أبراهام" الأزمة الاستراتيجية التي يعاني منها ترامب، والمتمثّلة في فشله في هزيمة إيران وإخضاعها عسكرياً ودبلوماسياً، والتي ستكون لها انعكاسات هائلة على الولايات المتحدة ونفوذها كقوة عظمى، كما ستكون لها تداعيات آنية على ترامب وحزبه قبيل الانتخابات النصفية، وفي حال تورّط ترامب في استئناف الحرب على إيران أو عقد اتفاقاً معها لا يلبّي طموحاته، فالخسارة له ووللولايات المتحدة من خلفه أصبحت أمراً لا مفرّ منه، الأمر الذي دفعه للهروب إلى الأمام ومواجهة الضغوط الداخلية عليه، عبر طرح مجرّد فكرة هولامية، فلا هي خطة ولا مبادرة، بل مجرّد تغريدة تضاف إلى سجله المليء بالتغريدات التي تحمل الشيء ونقيضه.
أما في حال راهن ترامب على تحويل الاتفاق مع إيران إلى بوابة لتوسيع التطبيع في المنطقة، فإنّ رهانه، يعتمد على تطوّرات الحرب/المفاوضات مع إيران، التي ستحدّد طبيعة المشهد السياسي في المنطقة، وفي حال خسارة الولايات المتحدة للحرب، عبر الفشل في إخضاع الطرف الإيراني، فقد تتوسّع دائرة تطبيع العلاقات في المنطقة مع إيران وليس مع "إسرائيل ".
إسرائيلياً، ترى الحكومة الإسرائيلية أنّ أحد أهدافها بعد الحرب؛ تطوير التطبيع مع الدول العربية، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، عبر توسيع علاقاتها السياسية وبناء شبكات أمنية واقتصادية جديدة تعزّز موقعها الإقليمي، فـ"إسرائيل" لا تتعامل مع "الاتفاقيات الإبراهيمية" باعتبارها اكتملت في العام 2020، حينما أبرمت، وإنما كمسار يحتاج إلى استكمال وتطوير بعد الحرب، لذلك فإنّ دعوة ترامب جاءت بتنسيق مسبق مع نتنياهو، وعزّزها ليندسي غراهام، عبر تصريحات لا تخلو من التهديد للدول التي ترفض التطبيع مع "إسرائيل".
على الرغم من أنّ "إسرائيل" ترى أنّ الاتفاقيات الإبراهيمية بقيت في مستواها الرسمي والأمني وأنّ شركاءها القائمين لم ينسحبوا من العلاقة معها بالرغم من الحرب، لكنها تدرك في الوقت نفسه أنّ الحرب أضعفت مجالات التطبيع المدني، ورفعت كلفة التقدّم مع دول جديدة، وأعادت المسألة الفلسطينية إلى قلب الحسابات الإقليمية، الأمر الذي تريد استبداله بالمسألة الإيرانية، عبر المقايضة والابتزاز بالاستعانة الدائمة بحليفها الموثوق ترامب.