هل يدفع الفشل العسكري الأميركي نحو انفراج دولي مع إيران؟
الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران بحاجةٌ إلى إعادة ضبطٍ تقوم على الواقعية والدبلوماسية وضبط النفس، خصوصاً في إدارة مضيق هرمز.
-
هل يدفع الفشل العسكري الأميركي نحو انفراج دولي مع إيران؟
عقب النتائج الجيوسياسية الناجمة عن فشل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في تحقيق أهدافها المعلنة، بل وانتكاسها وتضاؤلها إلى مجرّد محاولة فتح مضيق هرمز، ثبت أنّ النصر السريع على إيران، الذي وعد به ترامب ونتنياهو كان وهماً.
يرى الدكتور لايل غولدشتاين، مدير برنامج آسيا بمؤسسة "أولويات الدفاع" في واشنطن ومبادرة الصين بجامعة براون، والذي درّس عقدين في كلية الحرب البحرية الأميركية، أنّ الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط تتطلّب إعادة ضبط وأهدافاً أقلّ طموحاً. بل ودافع عن انفراج دولي مع إيران، بموقع Proceedings الذي دعا الباحثين إلى تقديم ردود متأنية إثراءً للنقاش.
في 17 حزيران/يونيو 2026، وقّعت واشنطن وطهران مذكّرة تفاهم. ومنذ ذلك الحين، انتُهكت المذكّرة وخُرق وقف إطلاق النار. وتنازع الطرفان حول بنودها المتعلّقة بمضيق هرمز، وتحديداً مدى سلطة إيران على المضيق. ولا يزال صنّاع السياسة الأميركية والاستراتيجيون البحريون قلقين بشأن فكرة سيطرة إيران على ممر مائي بالغ الأهمية للاقتصاد العالمي.
ومع ذلك، يرى غولدشتاين إمكانية اتباع نهج جديد لأمن الشرق الأوسط – ولو قصير الأمد – بعد عقود من الإخفاق، ويقترح أنّ تنحية مخاوف تقليدية بشأن حرية الملاحة جانباً قد يكون مناسباً الآن، تحت ظروف معقّدة. وأنّ ذلك قد يُسهم في إنهاء الصراع مع إيران ودعم مصالح أميركا الأهمّ في الاستقرار والسلام والازدهار.
حكمة من كلاوزفيتز
أولاً يمكن تلخيص صعوبة الموقف بكلمات المنظّر العسكري البروسي، كارل فون كلاوزفيتز (1780-1831): "قيمة الهدف تحدّد حجم التضحيات التي تُقدّم لأجله، وكذلك مدّة الحرب". يمتلك الجيش الأميركي القوات اللازمة للسيطرة (ولو مؤقتاً) على مضيق هرمز، لكنّ التكاليف قد تبلغ عشرات السفن المعطوبة أو الغارقة، ومقتل آلاف الجنود الأميركيين. والحفاظ على قوة دائمة كبيرة في الخليج – لضمان حرية الملاحة في المضيق – قد يكلّف مئات مليارات الدولارات.
لكنّ المنطق السليم يرى هذه الأكلاف غير مقبولة، خاصة وأنّ جزءاّ ضئيلاً من التجارة عبر المضيق يصل إلى موانئ أميركا.
ومبرّرات الحرب الأولية – وقف تطوير إيران للأسلحة النووية، وتدمير صواريخها الباليستية، وقطع دعمها لحلفائها الإقليميين، ومنهم حزب الله والحوثيون – سرعان ما تراجعت لصالح إعادة فتح المضيق بمجرّد اندلاع النزاع.
لا يشعر معظم الأميركيين بقلق بالغ إزاء برنامج طهران النووي. فقد أعلنت وكالات الاستخبارات الأميركية أنّ هذه الطموحات خامدة، وثبت أنّ انتشاراً نووياً إقليمياً محدوداً يمكن نسبياً احتواؤه وإدارته. ولا يميل الأميركيون إلى إعادة فتح جراحٍ قديمة، مثل تفجير ثكنات مشاة البحرية في لبنان عام 1983، كمبررٍ لاستمرار الحرب.
لذا، لا مفاجأة أن تكون هذه الحرب هي الأكثر إثارة لاستياء الرأي العامّ بتاريخ أميركا. يتفق الرأي العامّ الأميركي مع تأكيد كلاوزفيتز على تحديد "قيمة الهدف" أولاً، وهم غير مقتنعين بهذه الحرب. فالخليج والشرق الأوسط إجمالاً، يُعتبران وسيظلّان ثانويين بالنسبة لمصالح أميركا الحيوية.
أسطورة حرية الملاحة
بحسب الباحث لا يشغل شرق المتوسط الاستراتيجيين العسكريين، [مما يهمّش "إسرائيل" في التحليل الكلّي]، بل تشغلهم الملاحة عبر مضيق هرمز، وهذه القضية ستُحدّد مصير المفاوضات الأميركية الإيرانية. تُصرّ إيران على تنظيم الملاحة في المضيق مستقبلاً، بينما تُعارض الحكومة الأميركية بشدّة. وصرّح وزير الخارجية، ماركو روبيو، أواخر حزيران/يونيو 2026: "ينبغي العودة إلى وضع المضيق قبل هذا الصراع".
لكن، يُرجّح أن يسود المنطق العملي (البراغماتي)، بسبب تضرّر مستوى معيشة الأميركيين بشدّة من جرّاء الضرر الاقتصادي الناجم عن إغلاق المضيق مطوّلاً. حتى الرئيس ترامب يُقرّ بمخاطر اقتصادية طويلة الأجل، وصرّح في حزيران/يونيو 2026 بأنه لا يريد أن يُقارن بالرئيس السابق هربرت هوفر، الذي أثقلت رئاسته آثار الكساد العظيم (1927-1930).
بحسب غولدشتاين، آن لواشنطن أن تُقرّ ببعض الحقائق الجوهرية.
أولاً، هناك ظروف جغرافية صعبة. فمضيق هرمز ضيّق للغاية، إذ لا يتجاوز عرضه 21 ميلاً في أضيق نقطة. تمتلك إيران أكثر من 1600 كيلومتر من السواحل، في كلا اتجاهي المضيق، ما يعني أنّ قواتها قادرة على شنّ هجمات من خارج حدود المضيق. كما أنّ جبال زاغروس الشاهقة، بعشرات القمم يتجاوز ارتفاعها 3050 متراً، تجعل إيران حصناً طبيعياً.
ثانياً، تُساعد التقنيات الجديدة على الدفاع عن المناطق الساحلية. وتتجلّى ثورة الطائرات المسيّرة بوضوح في الصراع الإيراني، رغم أنّ إيران لم تلجأ عموماً إلى نشر واسع النطاق لصواريخ كروز (الجوّالة) أو الألغام البحرية. وحتى لو تراجعت هذه القدرات، فإنها تشكّل دفاعاً عميقاً متعدّد الطبقات، يصعب على الولايات المتحدة اختراقه لفترة طويلة نظراً لطبيعته غير المتناظرة.
ثالثاً، تَحذَر شركات الشحن والتأمين البحري وتبدي تردّداً كبيراً في تعريض سفنها وشحناتها وطواقمها للخطر. فإذا كانت مصالح أميركا الحيوية على المحكّ لنقل هذه الشحنة، فربما نشهد تكراراً لمأساة حرب القوافل بمعركة الأطلسي خلال الحرب العالمية الثانية، حيث واجهت السفن التجارية مخاطر مماثلة. هذه المخاطر غير قائمة، خاصة وأنّ الولايات المتحدة لا تعتمد مباشرة على التجارة عبر المضيق، كما أنّ البدائل منخفضة التكلفة متاحة بسهولة، كالدبلوماسية ودفع رسوم رمزية.
"التوازن البحري" و"دوائر النفوذ"
إنّ قبول هذه الحقائق، ومقولة كلاوزفيتز بشأن "قيمة الهدف"، يعني ضرورة التوصّل إلى تسوية مع طهران. وكما كتب روبرت مالي وستيفن ويرثايم، قد يتحوّل "أشدّ المدافعين عن حرب وحشيّة" (مرة أخرى) إلى "صانع سلام". ويضربان بزيارة ريتشارد نيكسون للصين مثالاً لذلك. اختارت واشنطن العداء المرير والصراع العسكري المتقطّع مع إيران لنحو نصف قرن. لقد حان الوقت لتجربة بديل سلمي.
كذلك، ثمّة سبب للاعتقاد بأنّ طهران ستُظهر عقلانية واعتدالاً في تنظيمها لمضيق هرمز. فقد أجرت إيران مفاوضات مستمرة مع عُمان بشأن كيفيّة إدارة المضيق، مما يُظهر جدّيتها في التنظيم متعدّد الأطراف. كما يجدر التفكير في نماذج التنظيم المتباينة القائمة لعبور المضائق، من ملقا إلى السويس إلى بنما إلى الدردنيل. في جميع هذه الحالات، ساد التوازن بين البراغماتية ومصالح الدول المحلية، من دون لجوء متكرّر للقوة.
ستُثار اعتراضات عديدة على التفاوض مع طهران والسماح لها بتنظيم أو مراقبة حركة الملاحة عبر المضيق. فما هو الأثر المتوقّع على التجارة البحرية والنظام البحري العالمي؟ كيف ستستغلّ القوى العظمى المنافسة، ولا سيما الصين وروسيا، هذه الفرصة؟ هل يُنذر اتفاق مع إيران بسيطرة الصين على بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان مستقبلاً؟ أم ينذر بتوسّع النفوذ الروسي في القطب الشمالي؟
تأتي هذه التساؤلات في وقتها المناسب، لكنّ التحليل الموضوعي يجب أن يتجاوز المخاوف المبالغ فيها وتضخيم التهديدات. لن تتأثّر أيّ ممرات بحرية أخرى باتفاق مع إيران. فالصين، كقوة تجارية عظمى، لم تُبدِ اهتماماً بفرض رسوم عبور على بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان. وحتى الآن، مارست الصين نفوذاً على طهران نحو الاعتدال. سيبقى بحر الصين الجنوبي مفتوحاً للتجارة البحرية رغم الوجود البحري الصيني المتزايد باستمرار. لا تسعى روسيا إلى التوسّع في القطب الشمالي، بل إلى زيادة التجارة والشحن الدولي عبر طريق ساحلها على بحر الشمال.
أكّدت الحرب على إيران ما كان يخشاه كثيرون منذ زمن طويل، وهو أنّ إيران قد تُهدّد المضيق أو تسيطر عليه. لقد كشفت هذه الحرب عن حقيقة مُرّة، والآن بعد أن أصبحت واقعاً، يجب على الاستراتيجية البحرية الأميركية التوقّف عن التشبّث بالأوهام وأن تُدرك حقائق النظام الناشئ متعدّد الأقطاب. وكما كتب لايل غولدشتاين وفيتالي كوزيريف في كتاب: "الحرب الباردة الجديدة في البحر"، قد يبدو هذا بمثابة "مفهوم استراتيجي بحري قائم على مفهومي: التوازن البحري ودوائر النفوذ، والذي يتيح للولايات المتحدة التراجع إلى الخلف بثقة وأمان بدل التمدّد بالمناطق الساحلية الآسيوية والأوراسية".
نهج "إقليمي" بديل
أما النهج الأكثر واقعية فيُقرّ بأنّ "سيطرة" إيران على الممرّ المائي الحيوي بدرجات متفاوتة، يمكن لأميركا وحلفائها التعايش مع العديد منها. في 19 تموز/يوليو 2026، اقترح مركز أبحاث في لندن توسيع نطاق آلية التحكّم متعدّدة الأطراف المقترحة لإدارة مضيق هرمز لتشمل إلى جانب عُمان وإيران، السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. وهذه الفكرة لاقت استحساناً واضحاً في طهران، مما يُظهر جدوى هذا النهج "الإقليمي" البديل المركّز على المنطقة.
فيما يتعلّق باستراتيجية البحرية الأميركية مستقبلاً، تشير الدكتورة جينيفر كافانا إلى المنظّر البحري جوليان كوربيت لأجل مسار أفضل للأمام. يرى كوربيت إمكان القوات البحرية إحداث تأثير كبير بسيطرة مؤقتة على الممرات البحرية الرئيسة لحماية التجارة الحيوية أو نقل أصول عسكرية ضرورية. وتوضح كافانا: "بهذا النطاق الأكثر تواضعاً، لا يزال بإمكان أميركا إدارة المجال البحري والتدخّل مباشرة بالقوة عند الضرورة للدفاع عن مصالحها الأساسية"، من دون التورّط بالضرورة في حرب.
إنّ لمفهوم "حرية الملاحة" صدىً قوياً، وقد اكتسب هذا المبدأ مكانة شبه دينية في واشنطن وعواصم حلفائها في العقود الأخيرة. لكنّ الواقعيّين يدركون جيداً أنّ الخطابات الرنّانة التي تدعم النيّات الحسنة قد تُضلّل الأمة أحياناً كثيرة.
يخلص غولدشتاين؛ الآن، حان وقت تجربة بدائل دبلوماسية وعسكرية جديدة، تُفضّل هذه المرة ضبط النفس عسكرياً والاستقرار والسلام، إلى جانب تعريف أضيق كثيراً للمصلحة القومية.
المفارقة أنّ نهجاً أميركياً أكثر تواضعاً وانعزالاً يجعل أميركا ترفع رأسها أعلى بين الدول!