"RS": بعد 25 عاماً على 11 أيلول.. واشنطن لم تتعلّم بعد أسباب تصاعد الكراهية ضدها

أظهرت "الحرب على الإرهاب" مخاطر البحث عن حلول عسكرية للمشاكل السياسية. ولم يفهم صنّاع السياسات الرسالة بعد.

  • صورة لجندي أميركي في بغداد
    صورة لجندي أميركي في بغداد

مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر مقالاً يتناول حصيلة 25 عاماً من "الحرب على الإرهاب" التي أطلقتها الولايات المتحدة بعد أحداث الـ 11 من أيلول/سبتمبر 2001، ويجادل بأن واشنطن أخطأت في تشخيص أسباب التطرف عندما ركزت على الأيديولوجيا الدينية وتجاهلت دور سياساتها الخارجية والقمع والفقر والتهميش.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

قبل 25 عاماً، سيطر 19 خاطفاً على 4 طائرات أميركية وصدموها برموز للقوة الأميركية، ما أسفر عن مقتل أكثر من 3000 شخص، فيما كان الأميركيون يشاهدون الأحداث تقع في الوقت الحقيقي. لقد كان الحدث صدمة عاطفية غيّرت البلاد.

من بعض النواحي، لم تكن نتائج الهجمات بحاجة إلى توضيح، إذ دُمّرت مباني مركز التجارة العالمي، فضلاً عن الخسارة الهائلة والعشوائية في الأرواح، التي كانت مرعبة للجميع. لكن معنى الهجمات ودوافع المهاجمين كانت أقل وضوحاً.

وقد أدت الجهود المبذولة آنذاك لتفسير دوافع الهجوم وفهم "لماذا يكرهوننا؟" إلى إعادة نقاش سابق حول النضال الإسلامي المسلّح إلى صلب الحياة العامة الأميركية. وفي العقد الذي سبق الهجمات المذكورة، كانت جماعة السياسات في واشنطن منقسمة بشأن كيفية التعامل مع الحركة الإسلامية، ولا سيما أولئك المتطرفين الذين سعوا إلى استخدام العنف لفرض رؤية دينية ضيقة على مجتمعات مترددة.

ولقد كان أساس النقاش السياسي في تسعينيات القرن المنصرم يدور حول سبب التطرف العنيف: هل العقيدة الدينية هي مصدر التطرف، أم أن الفقر والتهميش وسوء الحكم الاستبدادي هي المسؤولة؟ ونظر المعلّقون والسياسيون من اليمين السياسي إلى الأمر بأسلوب يُذكّر بالحرب الباردة، وحددوا الصراع مع "الأصولية الإسلامية" ضمن إطار أيديولوجي، مثلما "واجهوا" الشيوعية الدولية، حيث كان لا بد من مواجهتها باستخدام القوة. وبالتالي، ينبغي للسياسة الخارجية الأميركية أن تعطي الأولوية للأمن، وأن تدعم الحلفاء الإقليميين في جهودهم للقضاء على كل من المعارضة الإسلامية والمتشددين العنيفين.

لكن المعارضين رفضوا هذه الرؤية عن خطر جديد، واعتبروا الادّعاءات الكامنة خلفها غير دقيقة ومضلّلة، وأن العمل استناداً إلى افتراضات معيبة كهذه سيؤدي إلى سياسة خارجية لا تخدم المصالح الأميركية ولا مصالح السكان العرب والمسلمين الأكثر تأثراً بشكل مباشر. ولذلك، فإن أفضل استراتيجية للتعامل مع كل من العنف المسلّح والمعارضة غير العنيفة هي التنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي.

لقد سعت كل من إدارات جورج بوش الأب وكلينتون وجورج بوش الابن إلى إيجاد أرضية مشتركة بين هذين المنظورين، عبر معالجة المخاوف الأمنية وضرورة الإصلاح. إلا أنّ تلك الهجمات قلبت هذا التوازن رأساً على عقب. فقد منحت صدمة ذلك اليوم إدارة جورج بوش الابن حرية مطلقة لإعادة صياغة السياسة الخارجية الأميركية، وأزاحت الجانب الأمني من النقاش ومن توصيات السياسيين. فلقد كان الدافع وراء هذه الإدارة هو الاعتقاد بأن هذه الحرب الجديدة على الإرهاب تشبه الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، أي إنها صراع وجودي بين الحرية والاستبداد، وفي مواجهة هذا التهديد الخطير، لا مجال للمجاملات.

يقرّ العديد من الخبراء اليوم بأن الرد العسكري على هجمات الـ 11 من أيلول/سبتمبر 2001 كان له نتائج عكسية، إذ ازداد، في العقدين التاليين، عدد الجماعات والمقاتلين الذين أعلنوا ولاءهم للجهاد، كما اتسعت رقعة عملياتهم الجغرافية. وحتى مع تحقيق القوات الأميركية مكاسب ضد تنظيم القاعدة، ظهرت جماعات جديدة أكثر تطرفاً وعنفاً، مثل تنظيم "داعش".

مع ذلك، أظهر الانهيار المفاجئ للحكومة الأفغانية عام 2021 وعودة طالبان إلى السلطة بوضوح حدود القوة العسكرية الأميركية. وعلى الرغم من كل الجهود الحثيثة التي بذلتها الحكومة الأميركية وغيرها لكبح جماح "التطرف الإسلامي" ومواجهة فكر العنف والتطرف، تفاقمت المشكلة ولم تتراجع.

تشخيص المشكلة على نحو خاطئ

إن إخفاقات الحرب الأميركية على الإرهاب متجذرة في تشخيص خاطئ للمشكلة. ولقد روّجت إدارة بوش فكرة أن خاطفي الطائرات كانوا مدفوعين بكراهيتهم للقيم الأميركية، ورفضت أي تصور بأن سياسات الولايات المتحدة أسهمت في المشاعر المعادية لأميركا وفي التطرف العنيف. وقالت الإدارة إنهم يكرهوننا لما نحن عليه، لا لما نفعله.

ومن خلال تأطير تحدي التشدد الإسلامي ضمن خطاب الإرهاب والصراع الحضاري، تبنى القادة الحكوميون اعتقاداً شائعاً في اليمين السياسي بأن استخدام القوة العسكرية هو أهم شيء في كسب الحرب على الإرهاب، بينما اتبع صانعو السياسة الأميركيون استراتيجية عسكرية لإحداث تغيير سياسي في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا، على حساب البدائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها. وبذلك انتهى عملياً نقاش تسعينيات القرن المنصرم، لأن الطرف المؤيد لسياسة المواجهة كان قد ساد بالفعل.

ورغم أن الهدف من الاستراتيجية العسكرية الأميركية كان حرمان الجماعات الإرهابية من ملاذ آمن، فإن النتيجة العملية كانت عكس ذلك تماماً. فلقد أدت التدخلات العسكرية الأميركية إلى زعزعة استقرار مناطق بأكملها، وتوليد حالة من الفوضى وانعدام القانون ازدهرت فيها الجماعات المسلحة. كما أسهمت هذه التدخلات في تأجيج المشاعر المعادية لأميركا، وسمحت للجماعات المسلحة بتصوير نفسها كمدافعة عن الوطن في وجه عدو محتل.

كذلك، جسّد غزو العراق عام 2003 هذا التوجه، وأصبح الاحتلال الأميركي قضية رأي عام للجهاديين، ونفخ، من دون قصد، روحاً جديدة في الحركة المسلحة. كذلك تُظهر السياسة الأميركية في منطقة الساحل والقرن الأفريقي واليمن نتائج مماثلة. وفي كل حالة، أدى التدخل العسكري إلى خلق الظروف التي ازدهرت فيها النزعة الإسلامية المتشددة. وهذا بدوره برّر المزيد من التدخلات الأميركية، ما أدى إلى حلقة مفرغة من الصراع الدائم.

ولقد اعتمدت الاستراتيجية العسكرية الأميركية أيضاً على الأنظمة الاستبدادية الإقليمية لشن الحرب على الإرهاب. وقد مثّل هذا الجانب من السياسة الأميركية مفارقة جوهرية. فبينما زعمت الولايات المتحدة أنها تهدف إلى الدفاع عن الحرية، فإن الواقع يشير إلى أن وكالات الحكومة الأميركية أعطت الأولوية لدعم الجيوش وأجهزة الأمن التابعة لحلفائها من الأنظمة الاستبدادية. ولم يُبذل سوى القليل لتعزيز المساءلة الديمقراطية أو حماية السكان المدنيين من الانتهاكات التي ترتكبها هذه الحكومات نفسها. وهكذا، فإن شن الحرب على الإرهاب يعني تقليص الحريات المتاحة للسكان الذين يعيشون تحت الحكم الاستبدادي، كما أنه لم يعالج العلاقة بين القمع الحكومي والتطرف.

ويعكس فشل الاستراتيجية العسكرية الأميركية ميلاً إلى التعامل مع الأعراض بدلاً من معالجة الأسباب. كما شهدت ميزانيات وزارة الدفاع ووكالات الاستخبارات المختلفة وقيادة العمليات الخاصة المشتركة زيادة هائلة في فترة ما بعد أحداث الـ 11 من أيلول/سبتمبر 2001، بينما لم تُستثمر مبالغ مماثلة في جوانب أخرى من القوة الأميركية. ولم يكن هناك توسع مماثل في مهام أو ميزانيات وزارة الخارجية الأميركية أو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، كما كان التمويل المخصص لتعزيز الديمقراطية ضئيلاً مقارنة بالإنفاق العسكري، ولم يُبذل سوى القليل لمعالجة الركود الاقتصادي والتهميش المغذّيين للتطرف.

وفي حين أن هذا النهج غير المتوازن في مكافحة الإرهاب يمثل جزئياً استمراراً للسياسة الأميركية السابقة، فإنه كان أيضاً نتيجة لنموذج الحرب الذي أعطى الأولوية للقوة العسكرية على كل شيء آخر. وكانت النتيجة انعدام الانضباط وخيبات الأمل، إذ فشلت العمليات العسكرية في حل المشكلات، وسئم الأميركيون من حروب حكوماتهم.

وبينما نتذكر تلك الهجمات المروّعة، يمكننا تكريم من قضوا نحبهم باستخلاص الدرس الأساسي من "الحرب على الإرهاب"، وهو أن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية لتحقيق الأهداف السياسية لا يخدم مصالح الأمن القومي الأميركي. وكما هي الحال في الحرب الحالية مع إيران، أثبت الجيش الأميركي مراراً وتكراراً قدرته على تحقيق انتصارات تكتيكية مع عجزه عن بلوغ الغايات الاستراتيجية.

لا يقتصر المطلوب على تغيير السياسات فحسب، بل يتطلب تحولاً جذرياً في طريقة تفكير القيادة السياسية الأميركية في المشكلات التي تسعى إلى حلها. إننا مدينون لملايين الأميركيين الذين نشأوا في ظل تلك الهجمات بعدم تكرار أخطاء الماضي.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.