هل تهدد موجة كراهية الأجانب والعنف ضد المهاجرين النموذج الديمقراطي في جنوب أفريقيا؟
ستواجه جنوب أفريقيا مخاطر تآكل صورتها كقوة أفريقية رائدة، خاصة إذا أدت هذه الأحداث إلى ردود فعل شعبية أو سياسية معادية للمصالح والشركات الجنوب أفريقية العاملة في دول أفريقية أخرى.
-
تهديد "النموذج الجنوب أفريقي".
أثارت موجة العنف الأخيرة ضد المهاجرين والأجانب في جنوب أفريقيا اهتماماً واسعاً داخل القارة الأفريقية وخارجها، خاصة بعد تصاعد الدعوات المطالبة بمغادرة المهاجرين للبلاد بعد تحديد الـ 30 من حزيران/ يونيو كوعد نهائي لذلك، الأمر الذي دفع بعض الحكومات الأفريقية إلى اتخاذ إجراءات لحماية رعاياها ومتابعة أوضاعهم عن كثب.
ما تشهده جنوب أفريقيا اليوم ليس فقط مجرد خلاف حول سياسات الهجرة أو وجود المهاجرين غير النظاميين، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع والنموذج السياسي الذي تشكّلَ بعد سقوط نظام الفصل العنصري.
فالموجة الحالية ليست حدثاً عابراً، وإنما تمثل تتويجاً لتراكمات طويلة من الإحباط الاقتصادي والاجتماعي، وتراجع الثقة في المؤسسات، واتساع الفجوة بين وعود الديمقراطية وواقع الحياة اليومية لملايين المواطنين الذين ما زالوا يواجهون البطالة والفقر وانعدام الفرص بعد أكثر من أربعة عقود على نهاية نظام الفصل العنصري (الأبارتايد).
من سياسة التضامن الأفريقي إلى العداء للأفارقة!
تكتسب التطورات الجارية حالياً بعداً رمزياً مؤلماً بالنظر إلى تاريخ البلاد؛ فجنوب أفريقيا التي كانت يوماً رمزاً للتضامن الأفريقي ضد الاستعمار والعنصرية، أصبحت مؤخراً تشهد تصاعداً في مشاعر العداء تجاه مواطنين أفارقة قدموا إليها من دول أخرى بحثاً عن فرص العمل أو الأمان.
ولعقود طويلة ظلت جنوب أفريقيا واحدة - إلى جانب ليبيا - من أهم وجهات "الهجرة الداخلية" بين دول القارة، مستفيدة من حجم اقتصادها وتطوّر بنيتها التحتية مقارنة بدول أفريقية عديدة تعاني الحروب أو الأزمات الاقتصادية. وقد جذب ذلك ملايين المهاجرين من مختلف أنحاء القارة، سواء للإقامة والعمل أو حتى باعتبار جنوب أفريقيا محطة عبور نحو وجهات أخرى.
لكن، ومع تنامي الشعور لدى قطاعات من المجتمع بأن المهاجرين ينهبون ثرواتهم - كما ينافسون المواطنين على الوظائف والخدمات العامة والفرص الاقتصادية المحدودة - بدأ هذا الواقع يتغير تدريجياً. حالياً، ومع تفاقم الأزمات الاجتماعية، أصبح المهاجرون هدفاً سهلاً للغضب الشعبي، وتحولوا في نظر بعض الحركات الشعبوية إلى المسؤول الأول عن مشكلات البلاد.
ومن المفارقات أن الصراع في البلاد والذي كان يتمحور تاريخياً حول الانقسام العرقي بين المكونات المحلية، أخذ يتحول تدريجياً إلى توترات بين أفارقة وأفارقة وليس كما كان سابقاً بين الأفارقة والآفريكاينز (البيض) من مواطني البلاد، وهو ما يعكس تحولات عميقة في بنية الهوية والسياسة داخل الدولة.
صعود الشعبوية ومجموعات الحماية الذاتية
تأتي موجة العداء الحالية للمهاجرين في سياق صعود تيارات شعبوية متزايدة التأثير على السياسيين داخل جنوب أفريقيا، مستفيدة من حالة الإحباط الشعبي ومن تراجع الثقة في قدرة الدولة على معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وخلال السنوات الأخيرة برزت حركات معادية للمهاجرين، من أبرزها حركة "عملية دودولا"، التي تحولت من حملة شعبية إلى قوة ضغط مؤثرة في النقاش العام، إلى جانب حركات أخرى مشابهة تدعو السلطات إلى تشديد الرقابة على الحدود وتقليص وجود المهاجرين من خلال تنظيم سياسات الهجرة في البلاد.
ولم يعد دور هذه الحركات مقتصراً على النشاط السياسي أو الإعلامي، بل تطور في بعض المناطق إلى ممارسة أشكال من "الرقابة المجتمعية" عبر ملاحقة المهاجرين، وإغلاق متاجرهم، وممارسة ضغوط مباشرة عليهم لمغادرة الأحياء التي يقطنون فيها. وعكس هذا تنامي نفوذ مجموعات "الحماية الذاتية" وتحولها إلى سلطات موازية تنازع الدولة بعض وظائفها الأساسية، بما في ذلك الأمن وإنفاذ القانون تجاه المهاجرين.
تهديد "النموذج الجنوب أفريقي"
تكمن خطورة هذه التطورات في أنها لا تهدد المهاجرين فحسب، بل تمسّ الأسس التي قام عليها النظام السياسي في جنوب أفريقيا بعد عام 1994.
فالنموذج الجنوب أفريقي ارتكز على قيم التعددية والدستور وسيادة القانون والمصالحة الوطنية وسياسة تمكين السود لجسر الهوة والتفاوت بينهم وبين المواطنين البيض. غير أن تنامي العنف ضد الأجانب يكشف عن تصدعات متزايدة داخل هذا النموذج، ويعكس عجز المؤسسات الرسمية عن الاستجابة للتحديات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة.
كما أن الحركات المناهضة للمهاجرين لا تبدو معنية فقط بملف الهجرة- سواء كانت هجرة شرعية أم غير شرعية - بل تعبّر عن غضب أوسع تجاه النخب السياسية الحاكمة، التي تُحمَّل مسؤولية استمرار البطالة وتدهور الخدمات وتفاقم الفساد. ومن هنا، فإن أي توسع سياسي لهذه الحركات التي تم تسجيل بعضها كحزب سياسي رسمي قد يتحول مستقبلاً إلى تحدٍ مباشر للنظام الحزبي التقليدي وللتوازنات التي حكمت البلاد منذ نهاية الفصل العنصري.
بشكل عام، ورغم أن الأسباب المحلية تظل العامل الرئيسي في تفسير تصاعد العداء للمهاجرين في البلاد، إلا أن هذه الظاهرة لا يمكن فصلها تماماً عن البيئة الدولية والإقليمية الأوسع، حيث تتنامى في أنحاء مختلفة من العالم تيارات قومية وشعبوية في البيئات الديمقراطية تستثمر في قضايا الهوية والهجرة لتحقيق مكاسب سياسية.
التداعيات الاقتصادية والإقليمية
لا تقتصر آثار هذه الموجة على الجانب السياسي، بل تمتد إلى الاقتصاد ومكانة جنوب أفريقيا الإقليمية. فالمهاجرون يشكلون جزءاً مهماً من قطاعات اقتصادية متعددة، ويعمل كثير منهم في مجالات تعاني نقصاً في العمالة أو المهارات. كما أن استهدافهم يبعث برسائل سلبية للمستثمرين وللشركاء الاقتصاديين داخل القارة وخارجها.
وعلى المستوى الإقليمي، ستواجه جنوب أفريقيا مخاطر تآكل صورتها كقوة أفريقية رائدة، خاصة إذا أدت هذه الأحداث إلى ردود فعل شعبية أو سياسية معادية للمصالح والشركات الجنوب أفريقية العاملة في دول أفريقية أخرى.
ولذلك، فإن استمرار هذه الأزمة قد يحمل تداعيات تتجاوز ملف الهجرة لتطال مكانة الدولة نفسها داخل القارة في ضوء المطالبات المتزايدة للاتحاد الأفريقي بالتدخل لدى سلطات بريتوريا للحد من عمليات استهداف المهاجرين الأفارقة في البلاد.
علاوة على ذلك، ووسط تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين، برزت أصوات قليلة داخل جنوب أفريقيا دعت إلى معالجة جذور الأزمة بدلاً من تحميل المهاجرين مسؤولية المشكلات البنيوية التي تواجه البلاد.
ومن أبرز هذه الأصوات الرئيس الجنوب أفريقي الأسبق تامبو أمبيكي، الذي حذر من تحميل المهاجرين الأفارقة مسؤولية الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، مذكراً بالدور الذي لعبته شعوب القارة في دعم نضال جنوب أفريقيا ضد نظام الفصل العنصري. وأكد أمبيكي أن الاعتداءات على الأفارقة تتناقض مع القيم التي قامت عليها جنوب أفريقيا الديمقراطية، وتقوّض الإرث السياسي والأخلاقي الذي راكمته البلاد منذ نهاية "الأبارتايد".
البعد الخارجي واحتمالات التوظيف السياسي
لطالما ارتبطت جنوب أفريقيا بمواقف متقدمة في دعم القضية الفلسطينية، وكان لها دور بارز في الحراك القانوني والدبلوماسي الدولي المناهض للسياسات الإسرائيلية، ولا سيما من خلال تحركاتها أمام محكمة العدل الدولية بشأن الحرب في غزة. وقد جعلها ذلك في موقع متقدم ضمن الدول الأكثر انتقاداً لـ "إسرائيل" على الساحة الدولية.
ورغم أن تصاعد العداء للمهاجرين في جنوب أفريقيا مؤخراً يرتبط أساساً بعوامل داخلية، فإنه لا استبعاد لفرضيات إمكانية سعي أطراف خارجية - وتحديداً "إسرائيل" - إلى استثمار هذه التناقضات الداخلية وتوجيهها بما يخدم أجنداتها السياسية والاستراتيجية. ولا سيما أن "إسرائيل" أقامت، خلال العقود الماضية، علاقات وثيقة مع بعض التيارات اليمينية والقومية في الغرب، مستفيدة من صعود الخطابات المرتبطة بالهوية والهجرة والأمن والإرهاب.
وعلى الرغم من عدم وجود مؤشرات لدوائر خارجية في تحريك الحركات المناهضة للمهاجرين جنوب أفريقيا، فمع ذلك، يمكن القول إن إضعاف الدور الإقليمي والدولي لجنوب أفريقيا، أو استنزافها في أزمات داخلية متفاقمة، يخدم بصورة غير مباشرة وغير مباشرة "إسرائيل" والتي لا تنظر بعين الرضى إلى مواقف بريتوريا المؤيدة للفلسطينيين.
الديمقراطية تتآكل؟
تكشف الأزمة الحالية في جنوب أفريقيا أن الديمقراطية، مهما بدت راسخة، ليست بمنأى عن التآكل التدريجي عندما تتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وعندما تفقد عملية صنع السياسات قدرتها على الاستجابة لمطالب المواطنين.
كما تؤكد أن الهجرة، تماماً قد أصبحت واحدة من أكثر القضايا حساسية في أفريقيا، كما هي الحال في مناطق أخرى من العالم. فكلما تفشل الحكومات في معالجة أسباب الفقر والبطالة والتهميش وتتآكل الطبقات السياسية وتضعف أجهزة فرض القانون والنظام في الدولة، يتحول المهاجرون بسهولة إلى كبش فداء للأزمات الداخلية.
وإجمالاً، يبقى التحدي الأكبر أمام جنوب أفريقيا اليوم هو قدرتها على احتواء هذه الموجة ضمن إطار القانون والدستور، وإلا سوف تدخل البلاد مرحلة جديدة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية الخطيرة، كما قد تضعف فيها بشكل كبير مبادئ التضامن الأفريقي التي شكّلت أحد أهم أعمدة تجربتها الديمقراطية منذ نهاية الفصل العنصري.