نهاية "قسد" سطّرتها التناقضات الكردية والتخلي الأميركي

تتهم بعض القيادات في الإدارة الذاتية مسرور البرزاني في أربيل بتقديم مصالحه مع تركيا على "الوحدة الكردية". ويرون أن صمت أربيل أو تنسيقها الأمني مع أنقرة سهّل العمليات العسكرية التركية التي أضعفت "قسد".

0:00
  • "قسد" إلى أين؟

هل استند رهان "قسد"  (قوات سوريا الديمقراطية) إلى تحليل مفاده أن مصالح أميركا منسجمة مع رؤية "إسرائيل" بتفتيت الدول إلى دويلات يسهل حكمها والتلاعب بمصيرها عبر العبث بالتنوّع الطائفي والإثني؟ ربما التبس الأمر على بعض الفصائل الكردية في سوريا إذ راهنت على إدارة ذاتية يمكنها أن تتحوّل إلى إقليم متنوّع في سوريا قائم على فكرة ديمقراطية استندت إلى رؤية عبد الله أوجلان، مع العلم أن الرجل لعب دوراً في دعوة  "حزب العمال الكردستاني" إلى التخلي عن السلاح والانضواء ضمن الدولة التركية خوفاً من تقسيم البلاد حسب الرؤية الإسرائيلية.

يبدو أن "قسد" لم تحسن التحليل وقراءة المصالح الأميركية وكيفية تخلّيها عن أصدقائها حسب تغيّر مصالحها. دعم واشنطن لـ"قسد" كان محسوباً من أجل فرض حصار على الأسد ومراقبة سجون "داعش"، لكنها في هذه المرحلة لم تعد بحاجة إلى الفاعلين من غير الدول، إذ إنها تتحالف مع من يمسك بسوريا وممثلي السلطة فيها ومن له مصلحة مباشرة في وحدة سوريا ألا وهي تركيا. فأين أصبحت "قسد" اليوم؟ وكيف ولماذا تتهم قيادات قنديل أربيل بلعب دور ضدها؟

"قسد" إلى أين؟

مشروع "قوات سوريا الديمقراطية" يمر بمرحلة انتقالية كبرى تتمثل في التحوّل من "سلطة أمر واقع" إلى الاندماج التدريجي في مؤسسات الدولة السورية الجديدة تحت قيادة الحكومة الانتقالية في تفاهمات فبراير/  شباط 2026 إثر اتفاقات مفصلية هدفت إلى إنهاء الصراع المسلّح، وتنظيم العلاقة مع الحكومة المركزية في دمشق أساسها الوثيقة التأسيسية التي وضعت إطاراً لوقف إطلاق النار، والاندماج في مؤسسات الدولة برعاية دولية.

تم الإعلان عن "اندماج كامل" يشمل وقف إطلاق نار شاملاً وفورياً على كل الجبهات في اتفاق 18 كانون الثاني/يناير 2026 فيما أكد قائد "قسد" مظلوم عبدي ضرورة دمج  مؤسسات الإدارة الذاتية كافة ضمن هيكلية الدولة السورية. 

هل حصلت تركيا على الحد الأدنى من مطالبها؟

يمكن القول إن تركيا حققت جزءاً كبيراً من أهدافها الاستراتيجية، وتعدّ قبول "قسد" بالاندماج في الدولة السورية "نقطة تحوّل تاريخية"، إذ ينهي ذلك فكرة الكيان الكردي المستقل على حدودها.

تصرّ تركيا والحكومة السورية على إجراء تدقيق أمني صارم لعناصر "قسد" لاستبعاد المنتمين إلى "حزب العمال الكردستاني" من المؤسسات العسكرية الجديدة. وصفت تركيا الاتفاقات بـ "الإيجابية"، لكنها تشترط استكمال التنفيذ الفعلي وانسحاب التشكيلات العسكرية إلى شرق الفرات لفتح المعابر الحدودية.

مشروع "قسد" خضع للتصفية الإدارية، والدمج العسكري، إذ يتم سحب التشكيلات العسكرية إلى شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار كجزء من الجيش السوري.

أعلنت وزارة الداخلية السورية عن إغلاق باب تسوية أوضاع عناصر "قسد" في مارس 2026، ما يعني انتهاء الوضع القانوني الخاص بهذه القوات. وكان التحالف الدولي قد أوقف بقيادة واشنطن الدعم المالي المباشر لـ "قسد" (الرواتب وصيانة الأسلحة) مع بداية عام 2026، وحصره في العمليات اللوجستية المشتركة فقط.

لا شك في أن المعارك في المناطق ذات الغالبية العربية ودير الزور أدت إلى انشقاقات بأعداد كبيرة من المقاتلين العرب الذين انضموا لاحقاً إلى "قوات مقاتلي العشائر"، أو طالبوا بدخول القوات السورية الحكومية.

تسببت سياسات "قسد" تجاه القادة المحليين في فقدان الثقة، ما أدى إلى فقدان السيطرة على مناطق استراتيجية شرق الفرات في غضون 48 ساعة فقط خلال بعض جولات الصراع.

كذلك برزت خلافات داخلية بين ما يُعرف بـ "كوادر قنديل" أي "حزب العمال الكردستاني" والقيادات الكردية السورية. فيما دفعت القيادة المحلية بقيادة مظلوم عبدي نحو حل سياسي ينهي الصراع. نتيجة هذه الانقسامات وفقدان الحلفاء العرب، انحصر ما تبقى من قوة "قسد" في المناطق ذات الغالبية الكردية فقط (القامشلي، كوباني عين العرب، الحسكة)، حيث تتكوّن  هذه القوة من "وحدات حماية الشعب" و"وحدات حماية المرأة". أدّت هذه الانقسامات إلى "تهشيم صورة قسد" كتحالف عابر للأعراق، ووضعتها في موقف تفاوضي أضعف أمام الحكومة السورية الجديدة، ما أجبرها على قبول التخلي عن أجزاء كبيرة من سيادتها السابقة.  

"حزب العمال الكردستاني" يتهم أربيل بلعب دور ضد "قسد" 

تتهم بعض القيادات في الإدارة الذاتية مسرور البرزاني في أربيل بتقديم مصالحه مع تركيا على "الوحدة الكردية". ويرون أن صمت أربيل أو تنسيقها الأمني مع أنقرة سهّل العمليات العسكرية التركية التي أضعفت "قسد"، سيما أن الأخيرة تحمّل سلطات إقليم كردستان المسؤولية عن تضييق الخناق عليها عبر التحكم في معبر سيمالكا، وهو الشريان الوحيد الذي كان يربط مناطق شمال شرق سوريا بالعالم الخارجي، معتبرين إغلاقه المتكرر طعنة في الظهر.

ترى "قسد" أن البرزاني دعم "المجلس الوطني" المعارض لسياساتها والمقرب من تركيا لإيجاد بديل سياسي لها، ما أدى إلى شرخ في البيت الكردي السوري حال دون تشكيل جبهة موحدة أمام دمشق وأنقرة.

في المقابل، يرى البرزاني أن "قسد" تتحمّل المسؤولية لرفضها دخول "بيشمركة روج" وهم مقاتلون كرد سوريون مدربون في الإقليم للمساعدة في حماية المناطق الكردية، وإصرارها على احتكار السلاح والقرار.

تبرز أربيل كالممثل الشرعي الوحيد والمعترف به دولياً للكرد في المنطقة، بينما تراجعت "قسد" مع دمج مؤسساتها في الدولة السورية. تحتفظ أربيل بـ قوات البيشمركة كقوة نظامية دستورية، ما يمنحها ثقلاً أمنياً أكبر في المعادلة الإقليمية.

وهي عززت موقعها كـ "وسيط مقبول" بين أنقرة والمكون الكردي السوري. وتضغط أربيل حالياً لتمكين المجلس الوطني الكردي المعارض في السابق داخل الهياكل السياسية الجديدة في سوريا على حساب نفوذ "حزب الاتحاد الديمقراطي". تبقى أربيل "الرئة" الاقتصادية للقامشلي إذ يتحكم "الحزب الديمقراطي الكردستاني" (بقيادة البرزاني) بمعبر سيمالكا، وهو ما يُستخدم كأداة ضغط لضمان ابتعاد القامشلي عن نفوذ "حزب العمال الكردستاني".

يروّج لنموذج "اللامركزية الإدارية" داخل سوريا كبديل لمشروع "الإدارة الذاتية" المستقل، وهو طرح يحظى بقبول نسبي لدى دمشق وتركيا، ما يضع القامشلي في موقف التابع لرؤية أربيل السياسية.

واشنطن تصوّر تخلّيها عن "قسد" بـ"نجاح دبلوماسي"

تسارع خطوات الانسحاب الأميركي وتسليم المواقع للحكومة السورية الانتقالية في فبراير 2026  ترك قيادة وقواعد "قسد" مصدومة من كيفية استبدال واشنطن لشراكتها مع الكرد بشراكة جديدة مع الرئيس المؤقت أحمد الشرع. واعتبر تسليم قاعدة "الشدادي" الاستراتيجية للجيش السوري في 15 شباط/فبراير 2026، بعد تنسيق مباشر بين واشنطن ودمشق، دليلاً على هذا التخلي. تتهم "قسد" الولايات المتحدة بممارسة ضغوط قوية عليها للقبول باتفاقيات 18 يناير و30 يناير 2026، والتي تفرض دمج قواتها في وزارة الدفاع السورية. تعتبر "قسد" أن هذا الضغط جاء استجابةً للمطالب التركية ولضمان استقرار الحكومة الانتقالية على حساب خصوصية الإدارة الذاتية. لم تضمن واشنطن حماية "الإدارة الذاتية" ككيان سياسي، بل ركزت فقط على دمج المؤسسات العسكرية والأمنية ضمن هيكلية الدولة الموحدة. 

وزادت تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، من حدة هذه المشاعر، إذ أشار إلى أن واشنطن "تسهل انتقالاً تاريخياً للسلطة" إلى الحكومة السورية الجديدة، وهو ما فسّرته "قسد" بأنه تهميش صريح لأهدافها.