ماذا يعني انتصار لولا دا سيلفا في البرازيل؟

لا تقتصر أهمية فوز لولا دا سيلفا على بقاء اليسار في الحكم داخل البرازيل، بل ترتبط بموقع البرازيل في مرحلة انتقالية يشهدها النظام الدولي.

0:00
  • سعت البرازيل في عهد لولا إلى تقديم نفسها كقوة وسطى كبرى.
    سعت البرازيل في عهد لولا إلى تقديم نفسها كقوة وسطى كبرى.

في لحظة دولية حرجة تتداخل فيها الحرب الأوكرانية، وصعود اليمين الشعبوي في العديد من الدول الغربية، والتصعيد العسكري في الشرق الأوسط، والحروب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتنافس على شكل النظام الدولي المقبل، جاءت الانتخابات الرئاسية البرازيلية لتشكّل أكثر من مجرد استحقاق داخلي في أكبر دولة بأميركا اللاتينية.

تمكن لولا دا سيلفا من الفوز بولاية رئاسية رابعة غير متتالية بعد جولة إعادة حاسمة أمام فلافيو بولسانارو بحصوله على نحو 51.8% من الأصوات مقابل 48.2% لمنافسه. فما الذي تعنيه هذه النتيجة في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم؟

أولاً: فرملة التحولات الجيوسياسية في أميركا اللاتينية

جاءت النتيجة الانتخابية البرازيلية بعد عام شهد تطورات دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة استعادت زمام المبادرة في أميركا اللاتينية، ولا سيما بعد التطورات التي شهدتها فنزويلا مطلع هذا العام، عبر العملية العسكرية التي أدّت الى أسر الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، وما تبعها من تحوّلات في السياسة الفنزويلية الخارجية.

تكمن أهمية فوز لولا دا سيلفا في أنه يحول دون انتقال أكبر دولة في القارة إلى المعسكر الأميركي بصورة كاملة، اذ تمثّل البرازيل ما يقارب نصف الوزن الاقتصادي والسياسي لأميركا الجنوبية. وعليه، يمكن النظر الى النتيجة البرازيلية بوصفها عامل توازن إقليمي، ما يعني أن أميركا اللاتينية ستبقى ساحة تنافس مفتوحة بين مشاريع إقليمية ودولية متنافسة، لا منطقة حُسم اتجاهها الاستراتيجي بالكامل لمحور دون آخر.

ثانياً: انتصار لمشروع التعددية القطبية

يمثل لولا دا سيلفا أحد أبرز المدافعين عن فكرة العالم متعدد الأقطاب، ويرفض عودة النظام الدولي إلى صيغة الهيمنة الأميركية المنفردة. وخلال سنوات حكمه السابقة سعت البرازيل إلى تعزيز دور بريكس وإعطاء القوى الصاعدة مساحة أكبر في إدارة الشؤون الدولية. لذلك يمكن النظر بوصفه انتصار لمشروع دولي يسعى إلى إعادة توزيع القوة داخل النظام العالمي.

ثالثاً: تعزيز مكانة بريكس 

تشكّل البرازيل أحد الأعمدة الأساسية في بريكس إلى جانب الصين والهند وروسيا وجنوب أفريقيا. ومع إعادة انتخاب لولا، من المرجح أن تستمر المجموعة في الدفع باتجاه إصلاح النظام المالي العالمي، وتوسيع دور الاقتصادات الصاعدة، والبحث عن آليات تخفف من الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية التقليدية.

وتزداد أهمية هذا التوجه بعد التجارب التي شهدها العقد الأخير، ولا سيما العقوبات الواسعة التي فُرضت على روسيا وإيران، والتي دفعت العديد من الدول إلى البحث عن آليات مالية وتجارية تقلل من تعرضها للضغوط الغربية.

رابعاً: التأثير على اليمين الشعبوي في أميركا اللاتينية

جرت الانتخابات البرازيلية في ظل صعود موجة يمينية في العالم، وفي سياق دولي يتزايد فيه نفوذ التيارات الشعبوية المحافظة المرتبطة سياسياً بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويمثل بولسونارو امتداداً سياسياً لهذا الاتجاه الشعبوي اليميني في أميركا اللاتينية.

لذلك يعد فوز لولا دا سيلفا حدثاً يحدّ من الاندفاعة السياسية للتيار الشعبوي اليميني في أميركا اللاتينية، ورسالة بأن الصراع بين اتجاهات تدفع نحو اصطفاف أوثق مع الولايات المتحدة واتجاهات تفضّل الحفاظ على هامش من الاستقلالية في السياسة الخارجية، ما زال مفتوحاً ولم يُحسم لصالح أي طرف.

ويبدو أن الناخب البرازيلي فضّل رؤية تركز على دور الدولة وموقعها الدولي وقدرتها على المناورة بين القوى الكبرى، على خطاب أكثر ارتباطاً بالاستقطاب الأيديولوجي.

خامساً: صعود الجنوب العالمي كلاعب مستقل

تكشف النتيجة البرازيلية أيضاً اتجاهاً واسعاً داخل دول الجنوب العالمي، يتمثل في رفض الانخراط الكامل في الاستقطاب المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.

سعت البرازيل في عهد لولا إلى تقديم نفسها كقوة وسطى كبرى، قادرة على التعاون مع الولايات المتحدة والصين وروسيا في آن واحد، وإقامة علاقات متوازنة مع أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا والهند، بما ينسجم مع مصالحها الوطنية.

وهذا يعكس توجهاً متنامياً لدى عدد من القوى الصاعدة التي لم تعد ترى مصلحتها في الانضمام إلى أحد المعسكرات الكبرى، بل في استثمار التنافس بينها لتعزيز موقعها الذاتي في النظام الدولي.

في الخلاصة، لا تقتصر أهمية فوز لولا دا سيلفا على بقاء اليسار في الحكم داخل البرازيل، بل ترتبط بموقع البرازيل في مرحلة انتقالية يشهدها النظام الدولي. فقد جاءت النتيجة لتؤكد أن مسار إعادة تشكيل النظام العالمي ما زال مفتوحاً على احتمالات متعددة. ومن هنا، فإن الدلالة الأهم لفوز لولا تتمثل في بقاء أكبر دولة في أميركا اللاتينية داخل مشروع التعددية القطبية، واستمرار رهان قوى الجنوب العالمي على بناء هامش استقلالي في مواجهة الاستقطاب المتصاعد بين القوى الكبرى.