ماذا بعد لقاءي كوشنير مع الحية ونتنياهو؟

غزة عالقة بين تصلّب إسرائيلي وحسابات انتخابية، وضغوط أميركية ومساعٍ فلسطينية للحفاظ على الاتفاق، ما يبقي المنطقة في حالة لا حرب ولا سلام حتى اتضاح نتائج الاستحقاقات الانتخابية.

0:00
  • ماذا بعد لقاءي كوشنير مع الحية ونتنياهو؟
    ماذا بعد لقاءي كوشنير مع الحية ونتنياهو؟

التقى المبعوث الرئاسي الأميركي وعضو مجلس السلام جاريد كوشنير، الوفد الفلسطيني بقيادة خليل الحية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في القاهرة، كما اجتمع مع نتنياهو في "تل أبيب" لأربع ساعات، تمحورت حول تحريك خريطة الطريق لاتفاق غزة المكوّنة من 15 بنداً وافق عليها الطرف الفلسطيني، ورفضها الإسرائيلي، بينما تعهّد كوشنير للحية بأن يمارس ضغوطاً على نتنياهو كي يمنح الاتفاق فرصة للنجاح، بعدما قال له الحية، جاء دوركم؛ فقد تفاوضنا مطوّلاً وحان وقتكم للعمل والضغط على الاحتلال. 

ورفض الحية مجرّد الحديث عن إعادة التفاوض أو فتح نقاش جديد حول بنود الاتفاق، وخرج كوشنير بانطباع إيجابي من الموقف الفلسطيني، بيد أنه فشل في تحقيق اختراق في موقف نتنياهو، والسبب واضح، قرب الاستحقاق الانتخابي وتراجع فرص الائتلاف الحكومي الإسرائيلي في الفوز، وفقاً لنتائج استطلاعات الرأي العامّ.

الاتفاق وحسابات نتنياهو الانتخابية:

من الواضح أنّ زيارة كوشنير، لم تحقّق اختراقًا جوهرياً، بيد أنها كشفت للجانب الأميركي صعوبة المضي قدماً في تنفيذ بنود الاتفاق في مرحلة تتطلّب مرونة إسرائيلية بالتزامن مع حملة انتخابية تدفع نتنياهو للتشدّد والتصعيد، على مختلف الجبهات، وما أنجزه نتنياهو هو إظهار موقفه المتشدّد الذي لا يرضخ للضغوط الأميركية، ما يعزّز رصيده في قاعدته اليمينية المتطرّفة.

إنّ الاتفاق الذي حظي بموافقة الأطراف كافة، بمن فيهم الأميركيون والوسطاء والضامنون، باستثناء "إسرائيل"، ينصّ بشكل صريح على تزامن الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من قطاع غزة مع خطوات حصر وتخزين السلاح الثقيل، بيد أنّ الطرف الإسرائيلي يشترط نزع السلاح الخفيف والثقيل من الطرف الفلسطيني قبل البدء بخطوات الانسحاب والإعمار. 

تبدو الفجوة واسعة بين موقفي الوسطاء والفلسطينيين، من جهة، والموقف الإسرائيلي من جهة أخرى، وعلى الرغم من إدراك صعوبة تحقيق اختراق في الموقف الإسرائيلي، في هذه المرحلة، فلا مصلحة لأحد في الإعلان عن نعي الاتفاق؛ فالطرف الفلسطيني نجح في حشر نتنياهو في الزاوية، وبدا كمن يتلقّى اللكمات حتى لو اتسمت بـ"النعومة" من أقرب المقرّبين إليه وهو حليفه الأميركي. 

هذا إلى جانب الإدانات الصريحة من الدول الثماني الوسيطة والضامنة، والتي خفتت إلى حدّ بعيد قبل التوصّل للاتفاق الأخير رغم الانتهاكات الإسرائيلية التي لم تتوقّف لحظة، كما عادت الإدانات لـ "إسرائيل" على المسرح الدولي، وتصدّرت قضية غزة مرة أخرى الأجندة العالمية، التي انشغلت في تداعيات الحرب على إيران. 

في المقابل فإنّ نتنياهو لا يهتمّ بالنظر إلى مختلف الزوايا، ومنها تزايد العزلة الإسرائيلية على الساحة الدولية وتراجع مكانة "إسرائيل" داخل الولايات المتحدة، بل تراجع العلاقة بين نتنياهو وترامب، لأنّ ما يصبو إليه نتنياهو أمر واحد فقط، الفوز في الانتخابات، أو بالحدّ الأدنى إجهاض قدرة المعارضة الإسرائيلية على تشكيل الحكومة المقبلة، ومنع حصولها على الرقم السحري،61 مقعداً. فإما أن يفوز أو يبقى كرئيس لحكومة انتقالية تحضّر لانتخايات جديدة، وقد يكون هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المشهد الانتخابي الإسرائيلي المقبل.

الموقف الفلسطيني في مواجهة التصلّب الإسرائيلي:

إنّ الطرف الفلسطيني يدرك أنّ المزيد من المرونة، والموافقة على فتح الاتفاق الأخير للتفاوض مرة أخرى، سيمنح نتنياهو الفرصة لممارسة كلّ أشكال العدوان على غزة من دون ضوابط ومن دون انتقادات أو ضغوط بحجّة استمرار المفاوضات، وأنّ الطرف الفلسطيني يرفض ويتعنّت، بينما تعود الضغوط على الفلسطينيين كي يُبدوا مرونة أكبر، لذا فإنّ الطرف الفلسطيني سيبقى متمسّكاً بموقفه بعدم التفاوض على ما تمّ الاتفاق عليه. 

يدرك الفلسطينيون أنّ الموقف الإسرائيلي من قضية السلاح، ورفضه البدء بعجلة الإعمار والانسحاب قبل "نزع السلاح"، يعني أنّ "إسرائيل" لن تنسحب من غزة ولن تسمح بالإعمار وستبقى غزة على حالها سنوات طويلة لا أحد يعلم متى ستنتهي، لأنّ الحكومة الإسرائيلية، ستجد الذرائع الكافية لاستغلال مسألة السلاح  للتنصّل من التزاماتها. 

كما أنّ الرفض الإسرائيلي للاتفاق، منسجم مع السياسة الإسرائيلية، بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، التي لا تقبل سياسات "الاحتواء" والردع، والعودة إلى قواعد الاشتباك التي سادت قبل الحرب، وتريد أن تفرض واقعاً أمنياً على كلّ الجبهات يمنحها الحقّ في استمرار سياسة الاغتيالات والقصف والعدوان، على غرار مجزرة المقهى التي أدّت إلى سقوط سبعة شهداء في ميناء غزة، وجريمة استهداف قيادات الشرطة بغزة، بعد انتهاء زيارة كوشنير، وقيامها مؤخّراً باستهداف مواقع سورية، وسبقها عدوان على لبنان أدّى إلى ارتقاء عدد من الشهداء، في رسالة واضحة، أنّ "إسرائيل" ستستمر في ما تسمّيه "إزالة التهديدات" وحرية العمل الأمني على مختلف الجبهات، باتفاق أو من دونه.

وعلى الرغم من الكلفة العالية التي تتحمّلها "إسرائيل" على الصعيد الدبلوماسي والاقتصادي، وتراجع الإحساس بالأمن الشخصي داخلها، وبقاء "الجيش" في حالة استنفار شبه دائمة، واستمرار حالة انعدام اليقين بسبب الفشل في تحقيق نصر مطلق أو حسم عسكري، إلّا أنّ "إسرائيل" تعتبر أنّ السياسة الحالية تؤدّي إلى خسارات تكتيكية ومرحلية ستتمّ معالجتها وترميمها. 

بينما سيؤدّي تبنّي سياسات أكثر براغماتية إلى خسارة استراتيجية ستمنح "الأعداء" الوقت الكافي لتكرار سيناريو السابع من تشرين الأول/أكتوبر. بيد أنّ جهات إسرائيلية مختلفة ترى في هذا المسار خسارة استراتيجية، تتحمّلها حكومة نتنياهو، التي فشلت في تحويل ما يسمّونه بالإنجازات العسكرية إلى نتائج سياسية، ويرون أنّ "إسرائيل" انتصرت عسكرياً وخسرت استراتيجياً.

لا اتفاق ولا حرب:

إنّ المشهد الحالي في غزة وفي مختلف الجبهات، لن يشهد تحوّلات ذات مغزى حتى نهاية الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، فلا تهدئة ولا حرب شاملة، ولا اتفاق ولا انسحاب من الاتفاق، وعلى الرغم من أنه من الصعب الرهان على أن يشهد الموقف الإسرائيلي تغيّراً ملموساً في حال خسر نتنياهو الانتخابات، بيد أنّ كلّ الأطراف والفاعلين لا مفرّ لديهم إلا تمرير الشهرين المقبلين حتى لو بمستوى تهدئة هشّة وبلا تسوية نهائية، بينما يريدها نتنياهو تصعيداً هشّاً ورفع سقف مواقفه التفاوضية عبر رفع مستوى العدوان، من دون الحرب.

ويبقى السؤال هل تفهّم كوشنير موقف نتنياهو الداخلي، ومنحه الضوء الأخضر لرفع مستوى التصعيد قبيل الانتخابات الإسرائيلية؟

في ضوء تجربة المواقف الأميركية فإنها دائماً ما تمنح حليفها الفرصة والغطاء والدعم اللامحدود، بيد أنّ ترامب له حساباته الداخلية أيضاً، ويبحث عن إنجاز في سياساته الخارجية، بعد مأزقه في إيران، الأمر الذي يجعله أكثر حرصاً على التقدّم في مسار المفاوضات وخفض التصعيد وصولاً إلى الاتفاق في غزة، ولبنان وسوريا، ودعا ترامب نتنياهو علناً، للحدّ من الاغتيالات في غزة، ومن جانبه استنكر مبعوثه توم برّاك الاعتداء الإسرائيلي على سوريا. 

هذا يشير إلى أنّ السياسة الأميركية في المنطقة، في هذه المرحلة، تسعى للحدّ من التصعيد العسكري الإسرائيلي، ولا سيما على جبهات غزة ولبنان وسوريا، بعدما نجحت في تحييد "إسرائيل" عن المواجهة الراهنة مع  إيران، بيد أنّ تصاعد العدوان على الجبهات الثلاث يدلّل على فشل الولايات المتحدة في فرض سياستها على "إسرائيل" في تلك الجبهات، على غرار الجبهة الإيرانية. 

ربما نجح نتنياهو في عقد تفاهم مع كوشنير، يمنح "إسرائيل" هامشاً أوسع للتصعيد المحسوب على جبهات غزة ولبنان وسوريا، مقابل التزامها بعدم استئناف الحرب على إيران، الأمر الذي سيبقي المنطقة في حالة اللاسلم واللاحرب، وبمستوى تصعيد محسوب، على الجبهات كافة، حتى نهاية العام الجاري واتضاح  نتائج الانتخابات الإسرائيلية والأميركية.