لماذا لم تسقط إيران رغم كل الرهانات على انهيارها؟
هل تدرك واشنطن و "تل أبيب" أن الشخصية الإيرانية، برستم والحسين والمهدي، لا تقهر بالوسائل التقليدية، وأن الرهان على انهيار داخلي هو وهم استراتيجي؟
-
هل تنجح إيران في تحويل تلاحمها الحربي إلى مشروع نهضوي؟
كانت المفاجأة الكبرى في الحرب أن رهانات واشنطن و "تل أبيب" على سقوط النظام الإيراني، بالاعتماد على نقمة شريحة من المجتمع على سياساته الداخلية والخارجية، لم تتحقق. بل خرجت إيران أكثر تماسكاً، والشعب الإيراني أكثر التفافاً حول نظامه. فما الذي لم يدركه صناع القرار في واشنطن و "تل أبيب"؟
لم يكن في الحسبان دراسة الشخصية الإيرانية المتعددة الإثنيات، تلك الشخصية التي تشكلت خلال أكثر من ثلاثة آلاف عام، وتؤثر فيها المرحلة الأقرب إلى الحاضر منذ نشوء الإمبراطورية الصفوية.
معركة تشالديران: الهزيمة التي أسست لإمبراطورية
في عام 1514، انهزم الشاه إسماعيل الصفوي أمام العثمانيين في تشالديران هزيمة قاسية. كان من الممكن أن تكون هذه الهزيمة نهاية دولته الوليدة. لكن العكس هو ما حدث.
عاد الشاه إسماعيل من كسرته برؤية جديدة. أدرك أن الإمبراطورية لا يمكن أن تقوم على الولاء القبلي أو الإثنية وحدها. كان بحاجة إلى مشروع جامع يوحد الترك (قوميته الأصلية) والفرس والكرد والعرب وغيرهم. فاتجه إلى عاملين أساسيين: اختيار اللغة الفارسية كلغة رسمية للدولة رغم كونه تركياً، وفرض المذهب الشيعي الإثني عشري كـ"مظلة وطنية" جامعة بين التعدديات الإثنية.
هذا التحول كان حاسماً. إيران لم تُبنَ كدولة قومية على أساس عرقي، بل كإمبراطورية تقوم على فكرة جامعة. الفرس، الذين يشكلون 61% من السكان اليوم، هم أكبر الإثنيات، لكن هناك ثماني إثنيات أخرى، أكبرها الآذريون (الترك).
الشخصية الإيرانية: رستم والحسين والمهدي
ما شكلته القرون أنتج شخصية إيرانية فريدة تمزج بين ثلاث شخصيات رمزية:
أولاً: رستم – البطل الأسطوري الذي لا يعرف الاستسلام
في الشاهنامة، ملحمة الفردوسي الخالدة، يبرز رستم كأعظم الأبطال. هو تجسيد للشجاعة والصمود الأسطوري الذي لا يعرف الاستسلام. لم تكن القوة الجسدية وحدها ما جعله بطلاً، بل إرادته الفولاذية التي تمكنه من تحمل أقصى درجات الألم. في الثقافة الإيرانية، أصبح رستم نموذجاً للفرد الذي يمكنه أن يغير مجرى المعركة بمفرده.
لكن رستم ليس مجرد مقاتل، بل هو أيضاً رمز للوفاء والألم. في قصة "رستم وسهراب" المؤثرة، يقتل بطلاً شاباً ليكتشف لاحقاً أنه ابنه. هذه المأساة علمت الإيرانيين أن البطولة الحقيقية تقترن بالألم، وأن الانتصار قد يأتي بثمن باهظ. هذا هو بالضبط ما تراه اليوم: إيران تحقق انتصارات استراتيجية لكنها تدفع ثمناً باهظاً.
ثانياً: الحسين – استشهاد يخلد الانتصار
في كربلاء عام 680م، خاض الإمام الحسين معركته الخالدة. لم يمتلك جيشاً، بل 72 فرداً فقط، أمام جيش يزيد بن معاوية الذي يبلغ قوامه 30,000 مقاتل. النتيجة كانت "هزيمة ساحقة": استشهد الحسين وأصحابه.
لكن كربلاء لم تكن هزيمة. كانت انتصاراً أبدياً للمبدأ على القوة. لقد حول الحسين منطق المعارك من "من يقتل من" إلى "من يموت من أجل ماذا". هذا الدرس هو جوهر الصمود الإيراني اليوم: القتال ليس من أجل البقاء فقط، بل من أجل قضية أسمى.
ثالثاً: المهدي – أمل لا يخيب
الإمام المهدي هو المنقذ المنتظر الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً. في العقيدة الشيعية، انتظاره ليس سلبياً، بل هو انتظار إيجابي: الاستعداد الدائم لتحقيق العدالة ومقاومة الظلم مهما طال الزمن. هذا علم الإيرانيين أن الأمل لا يموت، وأن النصر قادم لا محالة.
هذا المزيج الفريد بين البطولة الأسطورية (رستم)، والاستشهاد الديني (الحسين)، والأمل الأخروي (المهدي)، خلق عقلية لا يمكن هزيمتها بالوسائل التقليدية. إيران تخسر معارك، لكنها لا تخسر الحروب. تنكسر في مراحل، لكنها تعود أقوى.
ظاهرة جعفر بناني: المعارض الذي عاد ليدافع عن وطنه
لعل أكثر ما يعبّر عن هذه الشخصية هو ما حدث مع المخرج السينمائي جعفر بناني. كان معروفاً بمعارضته للنظام، وحوكم بالسجن والمنع من السفر. لكن عندما اندلعت الحرب على إيران، عاد ليدافع عن بلده، ليسهم في الدفاع عن بلده بالرؤية البصرية الموثقة سينمائياً.
بناني ليس حالة فردية. آلاف الإيرانيين، من مختلف التيارات، التفوا حول بلدهم عندما شعروا بأن الهوية الوطنية في خطر. إيران بالنسبة للإيرانيين ليست مجرد نظام سياسي، بل أمة وتاريخ وثقافة ووعاء جغرافي لروح جمعية ترفض أن تموت.
لقد أثبت الإيرانيون أنهم مختلفون. أنهم يشتركون مع الصينيين في ميزة نادرة: الارتباط العميق بالجذور التاريخية والحضارية التي تمتد لآلاف السنين. هذا الارتباط لا يمحى بتغيير نظام، لأنه جزء من النسيج النفسي لكل فرد.
ماذا بعد الحرب؟ ولادة جديدة
ما نشهده اليوم من صمود إيراني ليس مجرد رد فعل ظرفي، بل هو دليل على أن إيران تعيد إنتاج نفسها من جديد. هذه الحرب لن تكون نهاية إيران، بل ستكون ولادة جديدة. مثلما خرجت من هزيمة تشالديران أقوى، ستخرج من هذه الحرب وقد تعزز وحدتها الوطنية.
بل أكثر من ذلك: قد تشهد إيران ثورة متجددة، لا بالمعنى السياسي، بل بالمعنى الحضاري: نهضة ثقافية وعلمية وتقنية جديدة. الحرب كشفت قدرات إيران الصاروخية والمسيرة، وأظهرت أنها أبدعت في تطوير أسلحة نوعية رغم العقوبات، وما كان لذلك أن يحصل لولا تعاظم القاعدة المعرفية في شتى مجالات العلوم غير العسكرية.
أسئلة ما بعد الحرب
بينما تستمر الحرب ولا نعرف متى تنتهي، تبقى أسئلة كثيرة مفتوحة:
· هل تدرك واشنطن وتل أبيب أن الشخصية الإيرانية، برستم والحسين والمهدي، لا تقهر بالوسائل التقليدية، وأن الرهان على انهيار داخلي هو وهم استراتيجي؟
· كيف ستتعامل القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، أوروبا) مع إيران ما بعد الحرب، التي ستخرج أقوى وأكثر ثقة، بفضل مزيجها الفريد من البطولة الأسطورية والاستشهاد الديني والأمل اللامحدود؟
· هل تنجح إيران في تحويل تلاحمها الحربي إلى مشروع نهضوي داخلي يعالج أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، أم ستبقى أسيرة أولوياتها الأمنية؟
· هل ستسقط نهائياً رهانات واشنطن وتل أبيب على إمكانية استغلال التنوع الإثني لإسقاط وتفكيك دولة متجاوزة للأيديولوجيا القومية؟
· وما مصير القضية الفلسطينية بعد الحرب؟ هل ستحصل على دفعة جديدة من الصمود الإيراني؟
الخلاصة: إيران لن تسقط
ما لم تدركه واشنطن وتل أبيب هو أن إيران ليست مجرد نظام سياسي يمكن إسقاطه بقصف أو عقوبات. إيران هي أمة، بتاريخ يمتد آلاف السنين، وهوية تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الجغرافيا والتاريخ والدين.
إيران هي أمة رستم، البطل الأسطوري الذي لا يعرف الاستسلام، والذي يغير مجرى المعركة بإرادته وحدها. هي أمة الحسين، الإمام الشهيد الذي حوّل الهزيمة إلى انتصار أخلاقي خالد. هي أمة المهدي، المنقذ المنتظر الذي يمنح الأمل بأن النصر قادم، ولو بعد حين.
هذه الحرب، مهما طالت، لن تكون نهاية إيران، بل ستكون محطة أخرى في مسيرتها الطويلة. قد تخرج منها منهكة اقتصادياً، وقد تشهد صراعات داخلية، لكنها ستخرج موجودة، فخورة، ومستعدة للعب دور أكبر في مستقبل المنطقة.
فإيران، كما علمها تاريخها وأساطيرها ودينها، لا تسقط. تنكسر، لكنها تعود. تتراجع، لكنها تتقدم. وهذا هو السر الذي لم يفهمه خصومها. وهذا هو السبب الذي يجعلها قادرة على تحمل أي حرب، مهما كانت كلفتها.