عطب لا يمكن إخفاؤه: حرب إيران تعيد تشكيل القوة الأميركية

لن تكون أهم نتائج حرب إيران تغييراً على الأرض ولا انهياراً للنظام. بل قد تكون تآكلاً تدريجياً للافتراضات المحيطة بالهيمنة الأميركية نفسها. 

  • حرب إيران تعيد تشكيل القوة الأميركية.
    حرب إيران تعيد تشكيل القوة الأميركية.

بانتهاء القمة الأميركية- الصينية وأجوائها مؤخراً، برز أمرٌ آخر أكثر أهمية: تقييمات جديدة لأضرار القصف الناجمة عن حرب إيران. فعلى مدى أيام، بدأت صور أقمار اصطناعية، وتقييمات استخبارية مسرّبة، وتقارير مستقلة تُظهر نطاق وأثر ضربات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية على البنية التحتية الأميركية والخليجية خلال أيام الحرب. تكشف هذه الصور ما هو أعمق من مجرد الدمار في ميدان المعركة. فهي، بحسب روبرت بِيب، أستاذ العلاقات الدولية وصاحب مدونة "فخ التصعيد"، تكشف عن الفجوة المتزايدة بين النجاح التكتيكي والنجاح الاستراتيجي. أظهرت الولايات المتحدة قدرة على توجيه ضربات جوية متكررة لإيران. لكن إيران أثبتت شيئًا أكثر أهمية: قدرتها على إلحاق خسائر عسكرية وسياسية كبيرة بالموقف الأميركي في الخليج من دون إغلاق مضيق هرمز، ومن دون غزو الدول المجاورة، ومن دون هزيمة أميركية عسكرية بالمعنى التقليدي. قد يصبح هذا التمييز أحد أهم الدروس الاستراتيجية للحرب.

1. نجاح تكتيكي أميركي مقابل نجاح استراتيجي إيراني

تواصل إدارة ترامب التركيز على عمليات قصف المنشآت الإيرانية. من الناحية العملياتية الضيقة، حققت العديد من تلك الضربات نجاحًا. فقد تم استهداف مواقع، وتضررت البنية التحتية، ودُمِّرت أصول إيرانية. لكن الاستراتيجية لا تقتصر على دقة إصابة القنابل لأهدافها. بل تتعلق بما إذا كانت القوة تُحقق نتائج سياسية مستدامة. تظهر التقييمات الجديدة احتفاظ إيران بقدرات كبيرة صاروخية، وطائرات مسيرة بعد أسابيع من الضربات. يُقرّ المسؤولون الأميركون الآن سرًا بأن المنظومات الإيرانية أثبتت قدرة أكبر على الصمود والبقاء، وانتشاراً جغرافياً أوسع، وسرعة إعادة بناء أكبر مما توقعته افتراضات عديدة قبل الحرب. وهذا أمر بالغ الأهمية. فإذا استمرت إيران في تهديد القواعد الأميركية والمراكز اللوجستية وبنية الطاقة التحتية والعمليات البحرية بعد حملات جوية أميركية متكررة، فلا يُرجح أن تُسفر عمليات القصف القصيرة عن نتائج استراتيجية حاسمة. بل تُنتج دينامية وصفها بِيب شهورا بـ"فخ التصعيد": كل جولة من الإكراه (العسكري) تزيد الضغط نحو مزيد من التصعيد؛ لأن لا طرف يحقق حلاً استراتيجياً دائماً. لم يعد السؤال العملياتي يقتصر على ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع قصف إيران؛ لأنها تستطيع. بل السؤال الاستراتيجي: هل يحقق القصف وحده استعادة هيمنة أميركية مطلقة داخل منظومة الخليج؟ تظهر الأدلة المستجدة بشكل متزايد أن الإجابة هي النفي. فعلى مدى ثلاثين عاماً، استندت القوة الأميركية في الخليج جزئياً على تصور أنه لا توجد دولة إقليمية قادرة على تحدي الهيمنة العسكرية الأميركية جدياً لفترة طويلة. قد تصبح الحرب الأخيرة على إيران هي النزاع الذي حطم هذا التصور. وبمجرد أن تتزعزع تصورات الهيمنة، يلجأ الحلفاء إلى التحوط، ويبدأ الخصوم في الاستكشاف، ويصبح الحفاظ على الردع في أي مكان آخر أكثر كلفةً.

2. جغرافية خوف وتحول استراتيجي عميق 

من بين نتائج الحرب التي لم تحظَ بالنقاش الكافي، ما حدث لتموضع قوات البحرية الأميركية. تعمل الآن أصول بحرية أميركية رئيسة على مسافة أبعد من سواحل إيران بأكثر مما كان يعتقد المخططون سابقًا أنه ضروري خلال نزاع إقليمي. هذا التحرك بحد ذاته إشارة استراتيجية هامةٌ. فقد أدى توسع إيران بمجال الصواريخ والمسيّرات إلى إبعاد أجزاء من القدرة الأميركية عن بسط نفوذها في ساحة المعركة، والمسألة ليست ما إذا كانت البحرية الأميركية لا تزال تتمتع بقوة استثنائية إجمالاً، فهي لا تزال كذلك. المسألة تكمن في أن حرمان القوة البحرية الأميركية من الوصول إلى منطقة معينة يُجدي إيران نفعًا حتى من دون تحقيق نصر ميداني. فإيران لا تحتاج إلى إغراق حاملة طائرات لتغيير السلوك العملياتي الأميركي، بل يكفيها خلق قدر كافٍ من عدم اليقين والمخاطر لتعقيد العمليات الأميركية القريبة على المدى الطويل. هذا هو الدرس العسكري الأهم الذي يُدرَس حاليًا في أنحاء العالم. قد تتمكن قوى إقليمية أضعف نسبيًا، لكن مسلحة بصواريخ دقيقة ومسيّرات وبنية تحتية محصنة وأنظمة إطلاق موزعة، من تقليص مزايا وقدرات التدخل الأميركي من دون إلحاق هزيمة ساحقة بالولايات المتحدة. وهذا تحول استراتيجي عميق. ما يجعل هذه اللحظة بالغة الخطورة هو أن جزءًا كبيرًا من واشنطن الرسمية لا يزال غير مستعد نفسيًا لها. فقد أمضت النخب الأميركية من كلا الحزبين ثلاثين عامًا تفترض أن القوة الجوية الدقيقة والتفوق البحري كفيلان بالسيطرة على الخصوم الإقليميين بتكلفة مقبولة. هكذا، تُصبح الحرب الإيرانية أول صراع كبير يُرغم صناع السياسات في واشنطن على مواجهة احتمال أن هذا الافتراض لم يعد صحيحًا. وأثبتت إيران قدرتها على فرض مخاطر أكبر بكثير مما توقعته واشنطن قبل اندلاع الحرب.

3. حلفاء خليجيون يعيدون حساباتهم بهدوء 

تنتشر التداعيات السياسية الآن في جميع أنحاء الخليج. فقد عملت الأنظمة الملكية الخليجية عقوداً وفق افتراض أساسي: مهما حدث إقليميًا، ستسيطر أميركا في نهاية المطاف على أي تصعيد. لم يعد هذا الافتراض راسخًا كما كان في السابق. فقد شاهدت السعودية والإمارات وقطر وشركاء إقليميون الصواريخ الإيرانية تخترق دفاعات متطورة، وتُعطّل البنية التحتية، وتُرغم الولايات المتحدة على اتخاذ تدابير حماية عسكرية مطولة بقواعد عسكرية متعددة. والأهم أنهم شاهدوا واشنطن تجهد لوضع خطة نهائية واضحة. هكذا تتغير مفاهيم وتصورات القوة في السياسة الدولية. ليس فجأة، بل تدريجيًا. يبدأ الحلفاء في التحوط. تُقلل الجهات الفاعلة الإقليمية اعتمادها على أميركا. يُجري المنافسون استكشافات أجرأ للوقائع المستجدة. ينتشر عدم اليقين الاستراتيجي بأسرع مما تنذر به نتائج المعارك وحدها. يُفسر هذا جزئيًا سبب ازدياد حذر دول خليجية بشأن تسهيل وتوسيع العمليات الأميركية ضد إيران. إنهم يُدركون أمرًا جوهريًا: الجغرافيا لا تتغير. وستبقى إيران جارتهم دائماً بعدما تستدير حاملات الطائرات الأميركية والسفن المرافقة للعودة إلى بلادها.

4. معضلة كيغان: التصعيد حلقة مفرغة

الأسبوع الماضي، لم يأتِ أحد أبرز التطورات الكاشفة من منتقدي الحرب، بل من أحد أبرز مهندسي التدخل الأميركي الحديث ذاته. في مقالٍ لافتٍ في مجلة "ذا أتلانتيك" بعنوان "كش ملك في إيران"، جادل روبرت كيغان بأن الولايات المتحدة ربما تكون قد مُنيت بالفعل بما سمّاه هزيمةً استراتيجية "لا يمكن إصلاحها ولا تجاهلها". وحذّر من أنه "لن تكون هناك عودة إلى الوضع السابق"، وأقرّ بأن إيران قد غيّرت التوازن الإقليمي جذرياً رغم أسابيع من الضربات الأميركية والإسرائيلية المدمرة. يُعدّ تقييم كيغان بالغ الأهمية لأنه يُمثّل اعترافًا – ولو متأخرًا – بالمشكلة الهيكلية التي حذّر منها الكثيرون قبل بدء الحرب. لأشهرٍ، جادل بِيب ونظراؤه في المدرسة الواقعية البنيوية، بأن حملات القصف المحدودة ضد إيران لن تُسفر عن نتائج سياسية حاسمة؛ لأن منظومات صواريخ إيران المنتشرة، وقدراتها على منع الاختراق، ونفوذها الإقليمي، تجعل الإكراه الدائم أمرًا بالغ الصعوبة. لم يكن الخطر أبدًا مجرد فشل الضربات الجوية. كان الخطر يكمن في أن الإحباط التكتيكي سيولد ضغوطًا باتجاه تصعيد أوسع نطاقاً. يُقر كيغان الآن ضمنيًا بالجزء الأول من هذه الآلية. لكن استنتاجه يشير إلى مزيد من التصعيد. فبمجرد أن يتقبل صناع القرار فشل النجاح العسكري التكتيكي في تحقيق حل استراتيجي، يتزايد الضغط داخل واشنطن لتصعيد أوسع. فإذا فشلت حملات القصف القصيرة، يطالب دعاة التصعيد بحملات أطول. وإن ثبت عدم كفاية القوة الجوية وحدها، يتحول الضغط نحو استهداف أوسع، وعمليات إقليمية موسعة، وتصعيد إلكتروني، ومواجهة بحرية، وفي نهاية المطاف الالتزام بالتدخل البري باتجاه مواقع الصواريخ أو البنية التحتية النووية. يرى بِيب أن هذا هو "الفخ" في فخ التصعيد. إذ يبدأ منطق الإكراه يطغى على منطق ضبط النفس. هذه ليست نظرية تخمينية. إنه نمط تاريخي متكرر منذ حرب فيتنام إلى غزو العراق: تفشل القوة العسكرية في تحقيق نتائج سياسية حاسمة بسرعة، فيفسر صناع القرار هذا الفشل لا كقصور منطق الإكراه بحد ذاته، بل كدليل على عدم كفاية القوة المستخدمة، ويصبح التصعيد حلقة مفرغة. تكمن أهمية اللحظة الراهنة في إقرار أبرز مؤيدي التدخل بالواقع الاستراتيجي الكامن. فلم يعد النقاش يدور في واشنطن حول نجاح الحرب من عدمه. بل أصبح يدور باطراد حول ما إذا كانت المؤسسة الحاكمة في واشنطن مستعدة للتصعيد أكثر لمجرد تجنب الاعتراف بفشل الإكراه المحدود في استعادة التوازن الإقليمي السابق.

5. التوازن الاستراتيجي يتغير فعلاً

 لن تكون أهم نتائج حرب إيران تغييراً على الأرض ولا انهياراً للنظام. بل قد تكون تآكلاً تدريجياً للافتراضات المحيطة بالهيمنة الأميركية نفسها. فحرب إيران تُفسَّر دوليًا – وبشكل متزايد – ليس كصراع معزول في الشرق الأوسط، بل كدليل على أنه حتى أقوى جيوش العالم يواجه قيودًا ومحدوديات متزايدة أمام قوى إقليمية عازمة تمتلك صواريخ دقيقة ومسيّرات ومنظومات دفاع متعددة الطبقات. لهذا السبب تُعدّ تقييمات أضرار القصف لدى طرفي الصراع بالغة الأهمية. فهي ليست مجرد تقييمات فنية لمنشآت مدمرة، بل هي مؤشرات مبكرة على حقبة استراتيجية متغيرة. ويدرس المخططون العسكريون في بيجين وموسكو وعواصم العالم النامي هذه التقييمات بدقة. لم يعد السؤال الآن حول قدرة الولايات المتحدة على تدمير الأهداف، بل السؤال: هل القوة العسكرية الأميركية الساحقة لا تزال تُترجم بشكل موثوق إلى سيطرة سياسية. ولم تعد القضية الأعمق: هل الولايات المتحدة قادرة على معاقبة خصومها عسكريًا. بل هي ما إذا كان العقاب وحده كافيًا لتحقيق السيطرة أو الهيمنة السياسية. هذا هو السؤال الاستراتيجي الذي يُخيّم الآن على منطقة الخليج. وبشكل متزايد، يُخيّم على القوة الأميركية ذاتها. ولهذا السبب، لم تعد الحرب على إيران شأناً شرق أوسطي منعزلاً. بل أصبحت قصة حدود القوة الأميركية مستقبلاً في القرن الحالي. هكذا تُعيد هذه الحرب تشكيل ليس فقط الشرق الأوسط، بل موازين القوى العالمية المستقبلية.

 

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.