سوريا في مواجهة "تسونامي غرب آسيا": من ساحة الصراع إلى حارس حدود مرهق

هل تدرك دمشق أن بقاءها مرهون بقدرتها على الحفاظ على التوازن الدقيق بين القوى المتصارعة، كما فعلت تدمر لعقود؟

  • سوريا والبيئة المحيطة: أربع جبهات ملتهبة.
    سوريا والبيئة المحيطة: أربع جبهات ملتهبة.

على الرغم من مرور أكثر من عام وأربعة أشهر على سقوط نظام الأسد، وإعادة التموضع الجيوسياسي الذي تلا ذلك، فإن استقرار سوريا لم يتحقق بعد. انطلق الحراك من احتياجات قسم كبير من السوريين لضرورة التغيير السياسي، لكن واقع الحال يؤكد أن البلاد عادت إلى سياقها الجغرافي التاريخي كساحة صراع للإمبراطوريات، حيث تداخلت فيها ثلاثة مستويات من الصراع: محلي، إقليمي، ودولي.

أدركت دمشق من اللحظة الأولى بعد انهيار النظام السابق أنها أمام واقع شديد التعقيد، نتيجة أهميتها الجيوسياسية. هذا الواقع يفرض عليها بناء سياساتها الخارجية بإيجاد شكل من أشكال التوازن في العلاقات الإقليمية والدولية.

ورغم تموضعها في العلاقات الإقليمية مع تركيا ودول الخليج، ومع المحور الغربي ممثلاً بالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، فإنها كانت حريصة على إبقاء مستوى جيد من العلاقات مع روسيا، وبشكل أقل مع الصين، وباب موارب مع العراق، وقطيعة كلية مع إيران.

وجدت دمشق نفسها من جديد في حالة ترقب وحذر شديدين إثر اندلاع حرب الولايات المتحدة و"إسرائيل" مع إيران. فالحرب لها ما بعدها من حيث النتائج، سواء بإعادة رسم خرائط النفوذ في منطقة غرب آسيا، أو الذهاب نحو رسم خرائط جديدة قد لا تبقى فيها دول عديدة، بما في ذلك سوريا وتركيا ومصر ودول الخليج.

البيئة المحيطة: أربع جبهات ملتهبة

البيئة الجيوسياسية المحيطة بسوريا غير مستقرة أصلاً، بل شديدة الاضطراب بعد نتائج معركة "طوفان الأقصى"، التي أخذت المنطقة نحو معركة صفرية بين التغول الإسرائيلي لإنتاج "دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل"، وبين قوى محور المقاومة، ومعها تركيا ومصر اللتان تخشيان نجاح هذا التغول.

من الشرق: العراق منقسم على نفسه بين تيار يراهن على الولايات المتحدة، مقابل تيار وازن يراهن على الدور الإيراني ويعمل على إنهاء "المساكنة الأميركية الإيرانية"، وإخراج الأميركيين من كامل العراق.

من الجنوب الغربي: "إسرائيل" التي تمددت جنوباً، وترى الحرب الآن فرصة للوصول إلى نهر الفرات، بعد أن أعلن مسؤولوها مراراً مشروعهم التوسعي "من الفرات إلى النيل".

من الغرب: لبنان، خاصرة سوريا الرخوة، يشهد الآن حرباً نهائية بين حزب الله و"إسرائيل" على موقعه الجيوسياسي وتغيير البيئة السياسية الداخلية بشكل نهائي. الحزب يشارك في الحرب بعنوان إخراج الجيش الإسرائيلي من أراضيه المحتلة، ووضع شروط جديدة قد تكون بالعودة إلى هدنة 1949.

من الشمال: أعادت تركيا تموضعها بشكل غير معلن مع إيران ومصر، نتيجة التهديدات المعلنة بتفتيتها ومنعها من لعب أي دور إقليمي. هذا دفعها إلى وضع خطوط حمر على شرق المتوسط (لبنان-الساحل السوري) منعاً لحصول فراغ يملأه الإسرائيلي المُهدد لأمنها القومي، ما جعلها تسهل وصول المال والسلاح الاستراتيجي إلى حزب الله.

الموقع السوري في خريطة الحرب

منذ اللحظة الأولى للحرب في 28 فبراير 2026، وجدت سوريا نفسها في قلب العاصفة، ليس كطرف فاعل، بل كساحة عبور وتساقط للشظايا.

أكثر من 18 موقعاً سورياً سقطت فيها صواريخ أو شظايا دفاعية، من درعا والسويداء جنوباً إلى القامشلي شمالاً شرقاً، ومن ريف دمشق إلى جبلة غرباً، عدا عن استمرار الإسرائيليين بقصف مواقع للجيش السوري في المنطقة الجنوبية.

الرؤية السورية الرسمية: تصريح عطون

العاصفة لا تتوقف أثناء الحرب، بل تتعداها إلى ما بعدها ارتباطاً بنتائجها، أياً كان الرابح. في هذا السياق، جاء تصريح مستشار رئيس الجمهورية عبد الرحيم عطون، الذي رفض التصنيفات الثنائية بآلية تبني مواقف "مشجعي الكرة" (من هذا الفريق أو ذاك)، معتبراً أن التعامل مع الحرب كصراع بين "محور وآخر" اختزال خطير لا يعكس تعقيدات الموقف. ودعا إلى تجاوز الانقسام إلى "نحن وهم" سواء مع "إسرائيل" أو مع إيران.

أشار عطون إلى أن الحرب لن تقتصر على طرفي الصراع المباشر، بل ستطال تداعياتها دول الجوار، وأن استمرارها يهدد المنطقة كلها، وربما العالم. كما أكد أن على سوريا والدول العربية أن تبدأ التفكير الجاد في "يوم ما بعد الحرب"، والاستعداد بخطوات عملية، لا مجرد التفرج أو التهليل والاستهجان. شدد على أن التحضير للمرحلة القادمة ليس ترفاً، بل هو واجب وضرورة.

أهمية هذا التصريح أنه صدر عن مسؤول سوري له وزنه السياسي، وهو المدرك لتداعيات ما بعد الحرب على سوريا.

سوريا وتدمر بين إمبراطوريتين

في القرن الثالث الميلادي، كانت تدمر واحدة من أبرز المدن في المنطقة، تقع عند ملتقى طرق التجارة بين الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية. استطاعت تدمر، بقيادة الملك أذينة ثم الملكة زنوبيا، أن تبني كياناً سياسياً مستقلاً، مستفيدة من صراع الإمبراطوريتين وموقعها الجغرافي الفريد. بلغت ذروة ازدهارها عام 260م، حين انتصر أذينة على الإمبراطور الساساني سابور الأول.

لكن طموح الملكة زنوبيا في الاستقلال الكامل عن روما، وإعلانها مملكة تدمر المستقلة، أثار غضب الإمبراطور أوريليان، فحشد جيشاً ودمّر المدينة عام 273م. أعيد بناء تدمر لاحقاً، لكنها لم تعد أبداً إلى سابق عهدها وازدهارها.

ما تقدمه قصة تدمر لسوريا اليوم هو نموذجان يحتذى بهما. الأول هو النموذج الذي اتبعته تدمر لعقود، حيث استفادت من الصراع بين القوى الكبرى لتكون مركزاً تجارياً وثقافياً مزدهراً، من دون أن تتجاوز حدود الممكن. وهذا النموذج يعلم سوريا أنها تستطيع أن تلعب دوراً مهماً في محيطها ضمن قدراتها الطبيعية، مستفيدة من صراعات الآخرين من دون أن تجر نفسها إلى مستنقعها.

أما النموذج الثاني فهو التحذيري: حين تجاوزت طموحات زنوبيا حدود قدراتها الطبيعية، فكان الدمار. هذا الدرس يحذر سوريا من الانجراف إلى مغامرات تتجاوز إمكاناتها، أو الرهان على تحالفات قد تتركها وحدها في لحظة الحسم.

النتائج والخيارات

أولاً: أهداف الأطراف المتصارعة

الحرب خيضت مع إيران بعنوان إسقاط نظامها، لكن الأهداف اختلفت بين الأميركيين والإسرائيليين. على الرغم مما تداوله الإعلام عن نجاح نتنياهو في دفع ترامب نحو الحرب، فإن واشنطن تراها خطوة نحو محاصرة الصين وروسيا، مع السيطرة على ثروات إيران وتأمين أمن ودور "إسرائيل" في غرب آسيا.

بينما "تل أبيب" تراها فرصة لتحقيق حلم إمبراطوري مهيمن على مقدرات المنطقة العربية والإسلامية والتوسع أكثر. هذا يعني أن خسارة إيران لن تتوقف عندها، بل ستتمدد إلى كامل المنطقة، بما في ذلك سوريا.

ثانياً: سيناريو نجاح المحور الأميركي-الإسرائيلي

في حال نجاح هذا المحور، فإن المنطقة بأكملها ستذهب نحو صياغة جديدة تصب في مصلحة الهيمنة الإسرائيلية الممتدة. في هذا السيناريو، لن تبقى سوريا بمنأى عن التغييرات، بل ستكون من أولى الدول التي ستعاد صياغة دورها وفقاً للمشروع الإسرائيلي التوسعي، هذا إذا بقيت على الخريطة كدولة.

ثالثاً: سيناريو فشل المحور الأميركي-الإسرائيلي (الأقرب حتى الآن)

الاحتمال الأكبر، اعتماداً على نتائج الحرب حتى اليوم، هو خسارة الأميركيين والإسرائيليين. هذا السيناريو يفرض على دمشق إعادة النظر في طبيعة علاقاتها مع مثلث إقليمي (إيران-تركيا-مصر)، الذي قد يقود العالم العربي والإسلامي نحو مسيرة الاستقلال والنهضة.

كما قد يؤدي إلى خروج الولايات المتحدة من المنطقة، إذا فشلت في إطلاق صراعات بينية بين إيران وتركيا، وهو احتمال، وارد وإن كان الأضعف.

حارس حدود مرهق في انتظار المصير

سوريا اليوم تقف على حافة الهاوية. هي "حارس حدود" بالمعنى الحرفي: تحرس حدودها من التداعيات الأمنية للحرب، وتحرس حدود المنطقة من انزلاقها إلى فوضى أوسع. لكنها حارس مرهق، منهك بالسنوات الطويلة من الحرب والدمار، وغير قادر على مواجهة التسونامي وحده.

محاطة بجيران منشغلين بحروبهم، ومهددة بأن تكون ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى، تبقى خيارات سوريا محدودة، وأخطاؤها غير مسموحة.

لكن التاريخ يعلمها درساً من تدمر: يمكنها أن تلعب دوراً مهماً ضمن حدود قدراتها الطبيعية، وأن تستفيد من صراعات الآخرين من دون أن تجر نفسها إلى مستنقعها، وهذا صعب تحقيقه، الأمر الذي يدفعها إلى التفكير في تحديد موقعها الجيوسياسي بشكل نهائي وبعلاقات جديدة استناداً  إلى بنية داخلية، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، تنسجم مع التنوع الإثني والديني والمذهبي.

الرهان السوري: أن تنتهي الحرب سريعاً، بمعادلة خاسر-خاسر أو رابح -رابح  أن تتحول إلى صراع مفتوح يستنزف القوى المتصارعة، مانحاً دمشق فترة نقاهة تعيد فيها ترتيب أوراقها. لكن إن طال أمد الحرب، فإن "تسونامي غرب آسيا" سيجرف معه كل السدود، وستكون سوريا من أوائل الضحايا.

السؤال المتبقي: هل تدرك دمشق أن بقاءها مرهون بقدرتها على الحفاظ على التوازن الدقيق بين القوى المتصارعة، كما فعلت تدمر لعقود؟ وهل ستتعلم من الدرس التحذيري الذي انتهى بدمار المدينة حين تجاوزت طموحاتها حدود الممكن؟ وهل يمكنها تحقيق ذلك من دون تحقيق الاستقرار والأمن الداخليين؟

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.