سوريا تحت مجهر واشنطن: هل تُعيد الضغوط الأميركية تشكيل قرار دمشق؟
السياسة السورية الجديدة مرتبطةٌ بشكلٍ وثيقٍ بالموقف الأميركي، وسط تحدياتٍ إقليميةٍ وداخليةٍ تهدد استقرارها.
-
سوريا تحت مجهر واشنطن: هل تُعيد الضغوط الأميركية تشكيل قرار دمشق؟
لم يعُد سرّاً، أنّ معظم التحوّلات التي تشهدها سوريا منذ سقوط النظام السابق، بدءاً من إعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية، مروراً بكلّ تصريح رسميّ يصدر عن مراكز السلطة الأولى فيها، وصولاً إلى علاقاتها مع موسكو، وموقفها من سلاح المقاومة في لبنان وفلسطين، تصدر عن مركز ثقل واحد، هو الإدارة الأميركية. إذ لا يفتأ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في كلّ تصريح يتعلّق بالشأن السوري، بتذكير القيادة السورية الجديدة، بأنه هو من أوصلها إلى الحكم، مع الإشادة الدائمة برئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، و"بإنجازاته"، واعداً إياه مؤخّراً، برفع تصنيف سوريا من قائمة "الدول الراعية للإرهاب".
وهذا الوعد مرتبط طبعاً، بألّا تتحوّل سوريا "مجدّداً"، إلى ملاذ للفوضى، كما تقول واشنطن. والفوضى هنا، بالمفهوم الأميركي، أي ألّا تكون سوريا ممرّاً، أو مقرّاً، لأيّ مجموعات أو تنظيمات أو قوى أو نشاطات معادية للكيان العبري. وهذا المفهوم الأميركي لدعم رئيس المرحلة الانتقالية،، هو ما يجمع بين تصريحاته في مقابلته الأخيرة مع قناة "الجزيرة" القطرية، وبين ما جرى فعليّاً على الأرض، سياسيّاً واقتصاديّاً وأمنيّاً خلال الأشهر الأخيرة.
يقرّ الشرع بأنّ وساطة سعودية-تركية هي التي أقنعت واشنطن برفع "قانون قيصر" سابقاً، ورفع اسم سوريا من الدول الراعية للإرهاب لاحقاً. لكنّ الأهمّ في حديثه، هو الثمن الذي طُلب من دمشق مقابل ذلك، أي "الضمانات" بألّا تصبح الأراضي السورية معبراً لتهريب السلاح والأموال أو مأوى لـ "شبكات غير مشروعة"، وهي تماماً، الأسباب التي وُضعت سوريا بسببها على قائمة الإرهاب الأميركية منذ عام 1979.
بعبارة أخرى، إلغاء التصنيف ليس هبة، بل صفقة مشروطة بسلوك يمكن قياسه ومراقبته، وهذا ما يفسّر لماذا لا يزال القرار عالقاً في مهلة مراجعة الكونغرس الأميركي الممتدّة لـ 45 يوماً منذ إحالته في الثامن من تموز/يوليو، ولماذا يحتاج الأمر، بحسب الشرع نفسه، إلى دفعة تركية إضافية عبر الرئيس التركي، إردوغان، لإتمامه.
هذا الشرط الأميركي، هو ما قد يُوضح مسارات واتجاهات كلّ الخطوات الأخرى التي يتحدّث عنها الشرع، وكأنّ كلّ ملف من ملفات سوريا الإقليمية، بات يُقاس بمعيار واحد: هل يقرّب هذا الموقف دمشق من إثبات جدارتها أمام واشنطن أم يبعدها عنه؟ وهنا تكمن المعضلة والملف الأخطر: المقاومة الإسلامية ولبنان.
فعندما يدعو الشرع ويصرّ على "حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتفعيل اتفاق الطائف"، فهو لا يخاطب بيروت وحدها، بل يقدّم لواشنطن دليلاً إضافياً على التزامه بمنطق "لا سلاح خارج الدولة التي تدعمها واشنطن". وكأنه يحاول كسب الوقت للتهرّب من الدعوات العلنية التي وجّهها إليه ترامب للتدخّل في لبنان. وليس من قبيل الصدفة، أنْ يترافق هذا الخطاب مع أخبار مصوّرة على الحدود السورية – اللبنانية، تتحدّث عن ضبط قوات وزارة الداخلية السورية، لشحنة سلاح قالت إنها مرتبطة بحزب الله، ثم نفي الحزب القاطع لهذا الأمر.
ورغم التكرار شبه الشهري لهذه الحوادث، وتكرار نفي الحزب لها، فإنّ دمشق تبدو حريصة على الظهور بمظهر الدولة التي تلاحق تهريب السلاح عبر حدودها، وتلك تماماً، الصورة التي تعتقد السلطات السورية أنّ واشنطن تطلبها كشرط لرفع اسمها من قوائم التصنيف بالإرهاب. ولكن، في موازاة ذلك، بات واضحاً أنّ دمشق تحرص أيضاً، على تجنّب الحديث عن "التدخّل العسكري المباشر في لبنان"، ما يعكس حذراً من الظهور بمظهر المنفّذ لأوامر واشنطن.
وهنا أيضاً، تعيد دمشق التأكيد دائماً رفض "السياسات التوسّعية الإيرانية والإسرائيلية"، وكأنّ رفض سياسات واعتداءات "إسرائيل"، بات مرتبطاً بضرورة التذكير برفض سياسات إيران. وهذا الحيّز الضيّق في الخطاب الرسميّ، دفع السوريين إلى استخدام مصطلحات عامة جدّاً، مثل وصف "الانجرار إلى صراعات إقليمية" وبأنّ تلك الصراعات "غير مُجدية". أي أنّ دمشق تبدو، إعلاميّاً، حريصة على الظهور كمن يتبع سياسة "الحدّ الأدنى المقبول" لكلّ الأطراف.
وهي المقاربة ذاتها التي ظهرت خلال زيارة الأمين العامّ للأمم المتحدة إلى دمشق الشهر الماضي (وهي الأولى من نوعها منذ 17 عاماً)، حيث حرصت دمشق على إظهار انفتاحها الدولي الكامل، بينما طالب وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، بانسحابٍ إسرائيلي كامل من الجولان، في رسالة موازية مفادها أنّ التقارب الكامل مع الغرب، لا يعني التنازل عن السيادة.
وتُقرأ أيضاً كسياسة لطمأنة واشنطن تحديداً، لا كموقف مبدئي مجرّد، فأي انزلاق سوريّ نحو مواجهة مباشرة مع "إسرائيل" (أو حتى الردّ المباشر على اعتداءاتها)، كما أيّ تقارب مع طهران من جهة مقابلة، من شأنه أن ينسف مسار رفع العقوبات بأكمله، بنظر دمشق، بل ربما يطيح بالسلطة كلّها هنا، وهو ما كان واضحاً حين تحدّث الشرع (في المقابلة ذاتها) عن القصف الإسرائيلي للقصر الجمهوري في دمشق، وبأنه "كان قريباً" وارتأى عدم الردّ.
ولأنّ دمشق تعلم جيّداً أن لا استقرار حاليّاً في ظلّ السياسات الإسرائيلية تجاهها، فهي تسعى بقوة لدى واشنطن، لإتمام اتفاق أمني يحدّ من الاعتداءات والتجاوزات الإسرائيلية، ويمنحها فرصة للتخفّف من الضغوط الكثيرة التي تواجهها. فرغم الكلام الكثير والوعود حول مشاريع دولية وإقليمية واستثمارات كبيرة في البلاد، لا تزال العجلة واقفة تماماً.
وهذا ما قد يُفسّر التركيز على حماية الحدود مع العراق، وتجنّب الخطاب الطائفي الرسمي، وهذا ما ترى دمشق أنه يؤدّي الغرض نفسه التي تبتغيه واشنطن، حيث حدود مضبوطة تمنع تهريب السلاح والمقاتلين والنشاطات المرفوضة أميركيّاً (إسرائيليّاً)، ويحقّق مصلحة سورية من جهة مقابلة، ذلك بعد أن أصبح العراق أحد المصادر القليلة، وربما المفاجِئة، للعملة الصعبة في سوريا، وذلك من خلال اعتماد مرفأ "بانياس" السوري لتفريغ مئات صهاريج النفط العراقي التي تعبر يوميّاً في هذا الاتّجاه.
وفي السياق ذاته، عادت مسألة الوجود العسكري الروسيّ في سوريا، إلى الواجهة مؤخّراً، بعد أنّ نشرت وكالة "سانا" الرسمية بياناً قبل أيام قليلة، يتحدّث عن "مذكّرة تفاهم" بين الجانبين السوري والروسي، لـ "إعادة هيكلة وتنظيم" هذا الوجود. حيث بدا هذا الأمر أيضاً، كاستجابة سورية لمطالب أميركية متعلّقة بهذا الملف. فقد أفادت مصادر مطلعة لوكالة "رويترز" بأنّ دمشق قد أبدت استعدادها لخفض واردات النفط الروسي بشكل كبير، ضمن محادثات رفع تصنيف سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب.
مع تأكيد أنّ ذلك الأمر لم يُطرَح كشرطٍ أميركيّ رسميّ، وإنما أُبلِغ الجانب السوري بأنّ وقف شراء النفط الروسي، سوف يُسرّع عملية رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ويُبسّط إجراءاتها. وبذلك يبدو خفض الاعتماد على موسكو كأحد مفاتيح دمشق للتقرّب من واشنطن أيضاً.
لكنّ النقطة الأهمّ في هذا السياق، تجلّت حين قدّم النائب الجمهوري، جو ويلسون، اقتراحاً ضمن تقرير ميزانية الدفاع الأميركية، لتقييم خطط تقليص النفوذ الروسي وانسحاب القوات الروسية من قاعدتَي حميميم وطرطوس، وقد أقرّته لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي، ضمن "قانون الدفاع المالي" للعام 2027. ويُلزم هذا البند وزارة الدفاع الأميركية بتقديم تقرير يُقيّم إمكانية التعاون مع السلطات السورية لإخراج القوات الروسية من القاعدتين. ويُقيّم أيضاً، ما إذا كانت القاعدتان تُستخدمان لتجنيد أو نقل مقاتلين للمشاركة في الحرب الأوكرانية – الروسية.
والأهمية هنا، تكمن في أنّ هذا المسار يمنح الكونغرس الأميركي أداة رقابة تشريعية مباشرة تجاه الوجود الروسي، لا مجرّد توصية سياسية، إذ تحوّل الملفّ إلى "بند محاسبة" ضمن ميزانية البنتاغون. ما يجعل أيّ تحرّك سوري حيال الوجود الروسيّ، كالذي يحصل الآن، يبدو وكأنه شكل من أشكال الاستجابة السورية التي تخدم الاتجاه الذي يريده الكونغرس الأميركي.
ومع كلّ هذا، فإنّ ملف الوجود العسكري الروسي والعلاقة مع روسيا عموماً، هو واحد من أصعب الملفات وأكثرها تعقدياً التي تواجه دمشق مع واشنطن والغرب، نظراً إلى تشعّب هذا الملف وكثرة الاتفاقيات والمعاهدات الرسمية وخلاف ذلك، كالديون المتراكمة الموقّعة بين البلدين منذ الحقبة السوفياتية حتى زمن سقوط النظام السابق.
من جهة موازية بالغة الأهمية، فإنّ كلّ هذا الحراك السياسي الموجّه نحو الخارج، أو الآتي منه، يصطدم بواقع داخليّ لا يزال بالغ الهشاشة ومأساوياً تماماً، وهو ما يفسّر التوتر والبون الواضح بين الخطاب والممارسة، فما زالت حتى الساعة، عمليات القتل الطائفيّ مستمرة في بعض المناطق السورية، وخصوصاً في محافظة حمْص، يضاف إليها استمرار عمليات الخطف والسرقة.
ليأتي بعد ذلك، حادث التصادم المأساوي بين حافلتين كبيرتين على طريق دمشق – دير الزور، والذي أسفر عن مقتل 35 شخصاً وإصابة 30 آخرين، ليُذكّر بضعف البنية التحتية والتجهيزات والإهمال الإداري، وليخلق حالة من النقمة العارمة لدى أهالي المنطقة الشرقية، وصلت إلى حدود غير مسبوقة، ما دفع بجميع أجهزة الدولة إلى التدخّل هناك لاستيعاب تلك النقمة ومنع تطوّرها.
هذه الحوادث، ليست تفاصيل هامشية، ورغم أنها ليست من النوع التي تشترط واشنطن غيابه لتحقيق شروطها، غير أنها حوادث لا يمكن التنبّؤ متى تتحوّل إلى أحداث لا يمكن السيطرة عليها. إضافة إلى أنّ دمشق تدرك، أنّ كلّ حادث قتل طائفيّ، أو كلّ اشتباك مفاجئ أو سريع عند الحدود مع محافظة السويداء، قد يُشكّل مادة يمكن أن تُستخدم في الكونغرس الأميركي للتشكيك في جدارة دمشق بالثقة الأميركية الموعودة.
وعليه، فإنه في الحالة السورية الراهنة، فإنّ جميع الملفات المتعلّقة: من بيروت، إلى موسكو، وطهران، و"تل أبيب"، يُنظر إليها وتُدار سورياً بحسابٍ واحد: ما الذي يُرضي الإدارة الأميركية ويُقرّب دمشق منها ويفتح بوابة الاستثمار والمشاريع الدولية؟
ورغم كلّ التصريحات السياسية المضبوطة إعلاميّاً، سيبقى نجاح الرهان مرتبطاً بقدرة دمشق على ضبط أمنها الداخلي، وإثبات أنّ الاستقرار الذي تَعِد به على الورق وفوق الطاولات، قابل للتحقّق فعليّاً وعمليّاً على الأرض، بعيداً عن التفجيرات وخلايا تنظيم "داعش" الإرهابي، وهشاشة وضع السويداء، وجرائم القتل الطائفي والخطاب التحريضي داخل المجتمع المحسوب على السلطة، والتي ما زالت كلّها، تهدّد بنسف الصورة التي تحاول دمشق تسويقها للعالم.