تركيا ترى أنها الهدف من إعلان نتنياهو التحالف السداسي
يمثل التحالف السداسي تهديداً استراتيجياً لتركيا لأنه يجمع بين التكنولوجيا الإسرائيلية، والثقل البشري الهندي، والجغرافيا اليونانية-القبرصية، بهدف إضعاف قدرة أنقرة على المناورة في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي.
-
طرق المواجهة التركية.
يشير السياق السياسي بوضوح إلى إدراج تركيا ضمن التصنيف السني المتطرف الذي أعلنه نتنياهو من أجل بناء "تحالف سداسي" لمواجهة محورين وصفهما بالمتطرفين: المحور الشيعي الراديكالي (بقيادة إيران) والمحور السني الراديكالي الناشئ المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين. من الواضح أن المقصود بالمحور السني المتطرف هو تركيا، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن قلق إسرائيلي من تنامي النفوذ التركي في سوريا وتقارب أنقرة مع إيران.
التحالف السداسي كما هو معلن سيضم قبرص واليونان إضافة إلى دول عربية وأفريقية لم يسمّها، والهند كإشارة موجهة ضد تركيا، نظراً للتوترات التاريخية والجيوسياسية بين هذه الدول وأنقرة.
ففي ظل القطيعة الدبلوماسية التي أعلنها الرئيس إردوغان أواخر عام 2024، مع "إسرائيل" وفي إطار معارضة نتنياهو الصريحة في يناير/كانون الثاني أي دور لتركيا في "مجلس سلام غزة" أو وجود جنود أتراك في القطاع. حيث يعتبر نتنياهو تركيا تحت قيادة إردوغان الداعم الرئيسي لتيار الإخوان المسلمين ولحماس لا يمكن التوافق معها، يريد نتنياهو السيطرة على المنطقة ويحرّض الأميركي على الحرب عليها ليتفرغ لتركيا.
لطالما حاولت "إسرائيل" تحريض الولايات المتحدة لتصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، هناك أطراف في الإدارة الأميركية ترى أن الجماعة تشكل تهديداً للاستقرار الإقليمي وحلفاء أميركا من "الدول السنية المعتدلة".
عندما يتحدث نتنياهو عن "محور سني متطرف" فإن الولايات المتحدة توافق ضمناً على هذا التوصيف لكنها في الوقت عينه تحاول الحفاظ على خطوط مع قطر وتركيا اللتين تؤديان دور الوساطة في غزة وفي حل إشكالات في المنطقة.
تعزز الولايات المتحدة وجودها العسكري في قبرص واليونان لمواجهة الطموحات التركية. وكما أن هناك توافقاً أميركياً اسرائيلياً على عدم السماح لأي دور أمني لتركيا في "اليوم التالي" للحرب في غزة.
تركيا ترى أن التحالف السداسي الذي أعلنه نتنياهو، محاولة مباشرة لمحاصرتها وعزلها في شرق المتوسط وأفريقيا.
حذر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من محاولات "مرئية وغير مرئية" لعزل تركيا عبر شراكات إقليمية مشبوهة. ولوّح بأن تركيا تفضل الدبلوماسية، في حل مشاكلها البحرية مع اليونان لكن في حال فشلها، فإن هذه الملفات "تُحال عادةً إلى المؤسسات العسكرية والأمنية"، وهو تهديد صريح بالتحرك الميداني لحماية مصالح تركيا البحرية.
الرد على "التحالف السداسي"
وصف وزير الخارجية التركية تعزيز التعاون العسكري بين "إسرائيل" وقبرص (مثل شراء منظومات "باراك" و"إلبيت" الإسرائيلية) بأنه "تهديد للاستقرار الإقليمي" وسباق تسلح يقوّض فرص السلام في الجزيرة.
قام الرئيس إردوغان بزيارة لإثيوبيا في شباط/فبراير 2026، منتقداً التدخلات الخارجية ومؤكداً أن مشاكل المنطقة يجب أن يحلها أبناؤها. أكد مسؤولون أتراك أن أنقرة لا تزال مهتمة بالمشاركة في "قوة التثبيت الدولية" في غزة وأن الأمر قيد النقاش في إشارة للولايات المتحدة. يراهن إردوغان على دعوة "دونالد ترامب" له للانضمام إلى "مجلس السلام" للإشراف على إعمار غزة، متجاوزاً رغبة نتنياهو في إقصائهم.
التوسع الإسرائيلي، كان مدار بحث وتنسيق نهاية عام 2025 وبداية 2026 بين تركيا وإيران، تصريح وزير الدفاع التركي كان واضحاً بأن "أمن إيران من أمن تركيا". بدأت تركيا تشغيل محطات رادار للإنذار المبكر في شمال سوريا لمراقبة حركة الطيران الإسرائيلي، في خطوة اعتبرتها "تل أبيب" تهديداً مباشراً لعملياتها الجوية.
يسعى نتنياهو عبر التحالف المعلن لمد نفوذه إلى دول مثل إريتريا وأرض الصومال وهو ما يصطدم مباشرة مع النفوذ التركي المتنامي في الصومال والقرن الأفريقي.
تحاول "إسرائيل" تكريس هيمنتها كمركز طاقة إقليمي، بينما تستخدم تركيا استراتيجيات بديلة لمنع هذا الاستفراد.
وكانت "إسرائيل" قد نجحت في التحول من مستورد للطاقة إلى مصدر رئيسي، لكنها لم تسيطر على "كل" غاز المتوسط. من المتوقع أن يصل إنتاج "إسرائيل" من الغاز في عام 2026 إلى مستويات قياسية (أكثر من 3 مليارات قدم مكعب يومياً) بفضل توسعات حقلي "ليفياثان" و"تمار". تعتمد حالياً على مصر كمنصة رئيسية لتسييل غازها وتصديره لأوروبا، ما يجعلها لاعباً محورياً في أمن الطاقة الأوروبي.
يُعد الغاز والنفط المحرك الرئيسي للتحالف السداسي، حيث يهدد المصالح التركية، إذ إن الربط بين الهند واليونان وقبرص يهدف إلى إنشاء جبهة بحرية موحدة تعارض المطالب التركية في غاز شرق المتوسط، وتسعى لتثبيت واقع قانوني وميداني يقصي أنقرة من خريطة الأنابيب المستقبلية. التحالف يهدف إلى توفير غطاء أمني وعسكري مشترك لحقول الغاز الإسرائيلية والقبرصية ضد أي اعتراضات تركية، وهو ما تصفه أنقرة بـ "النهج الإقصائي".
يطرح التحالف نفسه كبديل لمسارات الطاقة التقليدية، ما قد يحرم تركيا من أن تصبح "جسر الطاقة" الرئيسي بين الشرق والغرب.
طرق المواجهة التركية
لم تتأخر أنقرة في الرد، واتخذت خطوات عملية لمواجهة هذا التحالف، عززت أنظمتها الدفاعية وسلّمت الجيش منظومة "القبة الفولاذية" المحلية، مع التلويح باستخدام الصلاحيات القانونية كدولة ضامنة في قبرص لمنع فرض أي أمر واقع.
وكثف الرئيس إردوغان تحركاته لترسيخ كتلة مضادة تشمل مصر والسعودية، مع التركيز على أن الأمن القومي لهذه الدول مرتبط ببعضه لمواجهة "المشاريع" الإسرائيلية. وأعلنت تركيا اعتزامها البدء بالتنقيب عن الطاقة في الصومال خلال عام 2026 كخطوة استباقية لتوسيع نفوذها البحري خارج المتوسط.
يمثل التحالف السداسي تهديداً استراتيجياً لتركيا لأنه يجمع بين التكنولوجيا الإسرائيلية، والثقل البشري الهندي، والجغرافيا اليونانية-القبرصية، بهدف إضعاف قدرة أنقرة على المناورة في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي.
وكانت تركيا قد نجحت في تحويل مناطق شاسعة في شرق المتوسط إلى "مناطق متنازع عليها" قانونياً، ما يمنع الشركات الدولية من التنقيب فيها بحرية من دون موافقة أنقرة. وبدلاً من غاز "إسرائيل"، تركز تركيا في 2026 على تعزيز استقلالها الطاقي عبر: تكثيف التنقيب في البحر الأسود (حقل صقاريا) لتقليل الاعتماد على الخارج، والتمسك بمذكرة التفاهم مع ليبيا لرسم حدود بحرية تقطع الطريق على خطوط الأنابيب التي تتجاوزها، التخطيط لاستيراد الغاز من تركمانستان في 2026 وتجديد العقود مع قطر وروسيا.
صحيح أن "إسرائيل" تملك "المادة الخام" أي الغاز حالياً، لكن تركيا تملك "الموقع الجغرافي" القادر على تسهيل أو تعطيل وصول هذا الغاز إلى الأسواق العالمية. لن تخرج تركيا من اللعبة، بل انتقلت من دور "الشريك المحتمل" إلى دور "المنافس المعطل".