تركيا تبحث عن روحها: بين أتاتورك ورومي وأربكان وحاج بكتاش... صراع الهوية الذي يعيد تشكيل المنطقة
تعيش تركيا حالة دائمة من "البحث عن الروح". إنها أمة تمتلك شخصيات ثقافية كبرى، لكنها لم تنجح بعد في تحويلا إلى سردية وطنية موحدة.
-
صراع الهوية الذي يعيد تشكيل المنطقة.
أبرزت الحرب الأخيرة على إيران وقدرتها على تحويلها إلى انتصار حتى الآن دور الروح الوطنية للأمة الإيرانية بجذورها الثقافية الثلاثة- رستم والحسين والمهدي- كهوية متماسكة قادرة على الصمود، الأمر الذي طرح سؤالاً يتعلق بماهية روح الأمة التركية المؤسسة لها، وهي صاحبة الدور المنتظر كركن أساسي من هوية مشرقية جامعة يحتاجها الجميع؟
تعيش تركيا حالة دائمة من "البحث عن الروح". إنها أمة تمتلك شخصيات ثقافية كبرى، لكنها لم تنجح بعد في تحويلها إلى سردية وطنية موحدة. فهي ممزقة بين إرث أتاتورك العلماني الغربي، وتراث رومي الصوفي العالمي، ومشروع نجم الدين أربكان الإسلامي السياسي، ثم محاولات إردوغان لتركيب هذه العناصر في صيغة جديدة. هذا الصراع الداخلي هو مفتاح فهم كل تناقضات السياسة التركية، من تقلباتها في حلف الناتو إلى تقاربها مع روسيا، ومن علمانيتها المتصلبة إلى العودة لاستيقاظ هويتها الإسلامية بالعودة إلى الربط مع الشرق الإسلامي.
أتاتورك: الأب المؤسس الذي ظل وحيداً
مصطفى كمال أتاتورك هو بطل القطيعة، الذي أسس تركيا الحديثة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية. ألغى الخلافة، وغير الأبجدية، وأغلق الزوايا والتكايا، وجعل الدين خارج دائرة الدولة. هو "الأب" (أتاتورك تعني "أبو الأتراك") و"القائد الأبدي". صورته تملأ كل مؤسسات الدولة، وتمثاله في كل ميدان.
في السياسة الخارجية، وضع أتاتورك مبدأ "السلام في الوطن، السلام في العالم". في السياسة الداخلية، أسس علمانية صارمة (اللاييكية). هذا هو جوهر القطيعة مع الماضي العثماني: تركيا الجديدة لا تُعرّف نفسها بالإسلام، بل بالقومية التركية والحداثة الغربية.
لكن هذه القطيعة تركت فراغاً. فبعد إلغاء الخلافة وإغلاق الطرق الصوفية، ماذا بقي للأتراك ليرتبطوا به؟ وهذا الفراغ هو ما سيحاول تيار الإسلام السياسي لاحقاً ملأه.
الشخصيات الصوفية الثلاث: رومي ويونس وبكتاش
بعد تأسيس الجمهورية، واجه أتاتورك تحدياً: كيف نبني أمة جديدة من رماد إمبراطورية متعددة الأديان والقوميات؟ كان الحل: تحويل ثلاثة من كبار المتصوفة إلى "إنسانيين عالميين"، مع تجريدهم من محتواهم الإسلامي.
مولانا جلال الدين الرومي (1207-1273) – شاعر الفرس الذي كتب بالفارسية. في الرواية الكمالية، تحول إلى "نبي المحبة والتسامح". لغته الفارسية لم تعد عائقاً، بل أعيد تفسير شعره كإرث إنساني عالمي.
لكن هذه القراءة "المجردة" للرومي تخلق قطيعة مع جذوره الإسلامية. الرومي كان عالماً مسلماً وقاضياً ومفسراً للقرآن. تجريده من هذا البعد يعني فقدان جزء كبير من رسالته.
يونس أمره (1238-1320) – الشاعر التركي الصوفي الأكبر، وأول من كتب الشعر بالتركية. في الجمهورية، أصبح يونس رمزاً "لروح الأناضول الأصيلة". لكن قصائده عن الفقر الروحي أعيد تفسيرها كدعوات للعدالة الاجتماعية، ما أفقدها بعدها الديني.
حاجي بكتاش ولي (1209-1271) – هنا المفارقة الكبرى. حاجي بكتاش هو قديس مؤسس الطريقة البكتاشية، التي ارتبطت بالانكشارية ثم أصبحت المذهب الروحي للأقلية العلوية في تركيا. أكثر من 20 مليون تركي (العلويون، الذين يشكلون 15-25% من السكان) يتبنونه كمرجعية روحية لهم.
لكن الدولة الكمالية، في سعيها لبناء هوية سنية قومية، تعاملت مع حاجي بكتاش بشكل متناقض:
· من جهة، جعلته رمزاً "للتسامح والأخوة الإنسانية"، وأقامت متاحف ومهرجانات باسمه.
· من جهة أخرى، جردته من محتواه العلوي، وأهملت البعد المذهبي الذي يهم ملايين الأتراك.
هذا الإقصاء المقنع هو أحد أسباب التوتر المستمر بين الأغلبية السنية والأقلية العلوية في تركيا. فالعلويون لا يرون أنفسهم ممثلين في "الثالوث" الكمالي (رومي-يونس-أتاتورك)، ويشعرون بأن دولتهم تتبنى هوية سنية تخنق خصوصيتهم.
نجم الدين أربكان: المعلم الذي أحيا الإسلام السياسي
إذا كانت هناك شخصية يمكن اعتبارها "الحسين" التركي (رمز المقاومة والإحياء)، فهو نجم الدين أربكان (1926-2011). أستاذ جامعي ومؤسس حركة "الرؤية الوطنية". في زمن كانت فيه الكمالية تعتبر أي إشارة إلى الدين "رجعية"، وقف أربكان ليقول: "لا يمكننا أن نكون أمة بلا هوية، وهوية الأتراك هي الإسلام".
أسس أول حزب إسلامي في تركيا الحديثة، وحوكم وسجن عدة مرات، وأغلق حزبه أكثر من مرة. كان أول من تحدث عن ضرورة تحالف الدول الإسلامية.
فكانت زيارته الأولى لليبيا بعد أن تسلّم رئاسة الوزراء 1996، ثم أتبعها بزيارة لإيران، فتم الإنقلاب عليه بأمر من واشنطن، وها هي بدأت ملامح مشروعه بدأت بالتحقق -تركيا مصر باكستان- مع تنسيق عالي المستوى مع إيران.
إردوغان: توتر الهويات
تحت حكم إردوغان (من 2003 حتى اليوم)، تحقق ما كان يحلم به أربكان: أعيد فتح آيا صوفيا كمسجد، ورفع الحظر عن الحجاب، وتحولت تركيا إلى قوة إقليمية مستقلة.
لكن إردوغان يختلف عن أربكان في الجوهر: أربكان كان منظّراً صارماً، أما إردوغان فهو سياسي براغماتي. والأهم، أن إردوغان لم يحل "المسألة العلوية". فمع أنه تحدث عن حقوق العلويين، إلا أنهم ما زالوا يشعرون بالتهميش، وما زال حاجي بكتاش رمزاً "مهمشاً" في السردية الوطنية.
غياب "الثالوث": لماذا تختلف تركيا عن إيران؟
إيران نجحت في بناء شخصية وطنية موحدة تجمع بين ما قبل الإسلام (رستم) وما بعده (الحسين والمهدي)، وتضم كل الإيرانيين بغض النظر عن إثنياتهم.
أما تركيا، فالشخصيات المؤثرة متعددة ومتنافسة:
· الرومي: عالمي، صوفي، يتحدث الفارسية – يرمز للانفتاح.
· يونس: شعبي، تركي خالص – يرمز للهوية الأناضولية.
· حاجي بكتاش: علوي، مرتبط بـ20 مليون تركي – يرمز لبعد مهمش.
· أتاتورك: علماني، قومي – يرمز للحداثة والقطيعة.
· أربكان: إسلامي سني – يرمز لعودة الإسلام.
· إردوغان: إسلامي، عثماني جديد – يرمز لتركيا القوية.
هذا التعدد يعكس ثراء تركيا، لكنه أيضاً مصدر توتر دائم. فغياب "حاجي بكتاش" عن السردية الوطنية الرسمية هو إقصاء مقنع لـ20 مليون تركي، وهذا لا يمكن أن يستمر من دون ثمن.
تركيا تبحث عن "ثالوث" يضم الجميع
إذا كانت إيران قد وجدت صيغة مستقرة لهويتها، فإن تركيا لا تزال تبحث. لديها الشخصيات العظيمة، لكنها لم تنجح في تحويلها إلى سردية وطنية واحدة.
المشكلة الأكبر: أي مشروع هوية في تركيا يواجه تحديات وجودية:
· إذا ركزت على أتاتورك، أهملت 20 مليون علوي (حاجي بكتاش) وملايين الإسلاميين (أربكان).
· إذا ركزت على أربكان، أهملت العلمانيين والعلويين.
· إذا ركزت على حاجي بكتاش، واجهت اتهامات بـ"تسنّن الدولة" من الأغلبية السنية.
لهذا، تظل تركيا معلقة بين هوياتها المتعددة. الحرب الإيرانية-الإسرائيلية المستمرة تفرض عليها إعادة تعريف دورها، وقد تكون حافزاً لتجاوز هذه الإشكاليات. لكن الطريق طويل، والجراح عميقة.
السؤال المتبقي: هل ستنجح تركيا في بناء "ثالوث" جديد يجمع أتاتورك (العلماني) ورومي (الصوفي) وحاجي بكتاش (العلوي) وأربكان (الإسلامي السني) في قالب واحد؟ أم أن هذه التناقضات ستظل مصدراً للتوتر، ما يجعل تركيا أقل تماسكاً من إيران؟
المؤكد أن البحث عن الروح التركية لم ينتهِ. والمؤكد أن المنطقة بأسرها ستتأثر بنتيجة هذا الصراع، لأن تركيا ليست مجرد دولة عادية، بل هي قاعدة أساسية من القوى الإقليمية الكبرى -مصر وإيران وباكستان- لبناء نظام إقليمي جديد مفارق للولايات المتحدة والكيان، وما يحدث لها سيترك تداعياته عليها جميعاً.
قد تحسم الحرب البحث عن روح تركيا، فهزيمة الغرب فيها قد تدفع على المدى المتوسط بها نحو إيجادها، وإنهاء القطيعة مع هويتها الأصيلة، فهل تفعل ذلك ؟