اليمن ينخرط عسكرياً لمساندة إيران وجبهات المقاومة
يرى اليمنيون أن هذه المعركة فاصلة وحاسمة؛ ذلك أنهم لا يرون التهديد حصراً على إيران، بل يدركون أن العدوان على طهران إنما هو حلقة ضمن مخطط أخطر وأوسع يهدف إلى إسقاط قلعة من قلاع الإسلام والمقاومة.
-
دخول القوات المسلحة اليمنية على خط المواجهة عسكرياً يتجاوز مفهوم "وحدة الساحات".
لطالما تساءل الأصدقاء والأعداء معاً عن دور اليمن وموقفه من العدوان الأميركي – الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولبنان والعراق، وبعد أربعة أسابيع من الغموض الإيجابي، قدمت صنعاء إجابة عملية خارج كل التوقعات، فبعد ساعات من رسم القوات المسلحة اليمنية خطوطها الحمر، أعلنت عن تنفيذ أول عملية عسكرية إسنادية لإيران ولبنان والعراق.
لم تمض سوى ساعات محدودة على الخطاب التاريخي الذي ألقاه السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي بمناسبة الذكرى السنوية العاشرة أو الحادية عشرة للعدوان السعودي- الأميركي على اليمن، وجدّد فيه موقف اليمن الثابت والمبدئي في التضامن مع الجمهورية الإسلامية، مؤكداً من جديد أن "اليد على الزناد" لمساندة جمهورية إيران الإسلامية وقواتها وشعبها المسلم، حتى أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ أولى عملياتها العسكرية بصواريخ باليستية مدمرة طالت أهدافاً عسكرية حساسة للعدو الإسرائيلي جنوب فلسطين المحتلة، دعماً وإسناداً لإيران وجبهات المقاومة في لبنان والعراق وفلسطين، مؤكدة استمرار العمليات خلال الأيام المقبلة حتى وقف العدوان.
هذه العمليات الإسنادية اليمنية ربما فاجأت كثيرًا من المراقبين في توقيتها، إذ تصور البعض أن القوات المسلحة اليمنية قد تتأخر في الانخراط العسكري المباشر لمساندة إيران وجبهات المقاومة كونها ربطت انخراطها وتدخلها العسكري بخطوط حمر من بينها "انضمام تحالفات أخرى مع أميركا و"إسرائيل" ضد الجمهورية الإسلامية في إيران ومحور الجهاد والمقاومة" أو "استخدام أميركا وإسرائيل البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية ضد إيران وضد أي بلد مسلم".
ولم يدرك كثير من المحللين والمراقبين عند الخط الأحمر الثالث الذي رسمته القوات المسلحة كمحدد لانخراطها العسكري المباشر في إسناد إيران ومحور المقاومة من خلال تأكيدها أن "أيدينا على الزناد للتدخل العسكري المباشر في حال استمرار التصعيد ضد الجمهورية الإسلامية ومحور الجهاد والمقاومة، وبما يقتضي مسرح العمليات العسكرية" ولا شك أن العملية تأتي في سياق هذا الخط الأحمر وضمن هذا المحدد الثالث. ورغم أن القوات المسلحة قدمت رسالة بأن عملياتها العسكرية تستهدف الأميركي والإسرائيلي حصراً لإفشال مخططهما ولا تستهدف أي شعب مسلم، فإنها في الوقت نفسه غمزت من قناة النظام السعودي بالتزامن مع ذكرى العدوان، بأن أطلقت تحذيرًا من "أي إجراءات ظالمة تهدف إلى تشديد الحصار على الشعب اليمني" وهذا التحذير مرهون بسلوك الرياض في ظل الاصطفاف الذي تشهده المنطقة في المرحلة الراهنة.
إن دخول القوات المسلحة اليمنية مباشرة على خط المواجهة عسكرياً، يتجاوز مفهوم "وحدة الساحات" في المشاريع الفكرية والثقافية والسياسية والعسكرية في حدود معينة إلى مفهوم وحدة الجبهات بمعناه الشامل عسكرياً وفي كل المجالات، وبما يتلاءم مع طبيعة المرحلة وطبيعة التحديات والتهديدات المشتركة.
من هنا، فإن صنعاء أقدمت على هذا العمل العسكري المساند انطلاقاً من رفضها الواضح لـ "استراتيجية الاستباحة"، وإيمانها العميق بخطورة المشروع الصهيوني وخطورة المرحلة ويقينها بأن العدوان الأميركي- الإسرائيلي لا يهدد إيران وحدها بل يهدد كل منطقتنا، ويأتي في سياق التمهيد لمشروع "إسرائيل الكبرى"، وما يسمى بـ "مشروع تغيير الشرق الأوسط"، وصنعاء حين أقدمت على هذا العمل الشجاع تملك كثيراً من الأوراق والخيارات المدروسة بعد أن كاد العدوان يطوي شهره الأول.
أوراق اليمن وخياراته
استنادًا إلى ما سبق، يمكن لأي مراقب أو محلل أن يستنتج الأوراق والخيارات المبدئية التي تملكها صنعاء، وسبق أن عملت بها في جولات وتجارب سابقة وناجحة، وصنعاء على ما يبدو تستشرف أن أفق هذه الجولة قد يكون أطول من سابقاتها، ومن هذه الرؤية الاستشرافية تحتفظ ربما بمفاجآت وتتدرج في استخدام الأوراق والخيارات والإمكانات المتاحة والممكنة ومن أبرزها ما يلي:
قصف عمق العدو الصهيوني
لقد بدأ اليمن هذا المسار بإعلان القوات المسلحة اليمنية إطلاق الصواريخ والمسيرات ضد أهداف صهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في إطار عمليات الإسناد للجمهورية الإسلامية والمقاومة في لبنان والعراق، وكجزء من الرد على "التصعيد المستمر من قبل العدوان الأميركي " كما جاء في بيان القوات المسلحة.
الجهوزية لتنفيذ عمليات بحرية
يملك اليمن إمكانية تفعيل عمليات عسكرية قوية ومؤثرة وفاعلة في المسرح البحري الممتد من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي، مروراً بباب المندب وخليج عدن والبحر العربي، وهذا الخيار مرهون بحالتين أولاهما: توسيع تحالف العدوان الأميركي- الإسرائيلي بانضمام دول عربية أو أوروبية أو إقليمية إلى ذلك التحالف العدواني المشؤوم على إيران ولبنان والعراق، والثانية في حال استخدام البحر الأحمر كمسرح للعدوان على إيران.
منطلقات وخلفيات التدخل العسكري اليمني
ينطلق الموقف اليمني المساند عسكريًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية وحزب الله في لبنان والمقاومة الإسلامية في العراق وفي فلسطين من خلفيات ومنطلقات عدة بعضها قيمي، وبعضها ينطلق من إدراك استشرافي واستراتيجي، ومن إيمان عميق بأن الممكن قادر على قهر ما يراه كثيرون مستحيلاً وتستند في ذلك إلى تجربة طويلة وناجحة في هذا السياق، ويمكن ضمن هذا المقال أن نحدد أبرز الدوافع والمنطلقات على النحو الآتي:
1- منطلقات دينية وأخلاقية:
الدخول اليمني المباشر على خط المواجهة المباشرة عسكرياً للعدوان الأميركي- الإسرائيلي لا ينطلق من خلفيات مذهبية أو طائفية أو حتى عاطفية، بل يرى اليمنيون أن واجبهم الأخلاقي والديني يحتّم عليهم رفض العدوان، وبذل الممكن والمستطاع لنصرة وإسناد الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمقاومة الإسلامية في لبنان والعراق وفلسطين؛ انطلاقًا من الموروث الإسلامي في النص القرآني من قبيل قول الله عز وجل:" وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين"، وكما أثر عن النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم قوله: "من سمع مناديًا ينادي يا للإسلام ولم يجب فليس بمسلم"، وقد تدرج اليمن في موقفه الأخلاقي والديني من التضامن السياسي والإعلامي إلى الانخراط العسكري المتدرج ابتداء بقصف "مواقع صهيونية حساسة جنوب فلسطين المحتلة" والاستعداد ربما لما هو أبعد وأكبر وأكثر تأثيراً.
2- استشعار خطورة المرحلة والتهديد:
يرى اليمنيون أن هذه المعركة فاصلة وحاسمة ومصيرية؛ ذلك أنهم لا يرون التهديد حصراً على إيران، بل يدركون أن العدوان الأميركي- الإسرائيلي على إيران إنما هو حلقة ضمن مخطط أخطر وأوسع يهدف إلى إسقاط قلعة من قلاع الإسلام والمقاومة لإفساح الساحة أمام مشروع التطبيع والتتبيع الذي تسعى الصهيونية العالمية لتسويقه وفرضه في منطقتنا ضمن مساعي التهيئة والتمهيد لمشروع "إسرائيل الكبرى" وتغيير الشرق الأوسط. ويرى اليمنيون أن هذا المخطط لا يستثني دول الخليج ومصر والأردن وسوريا والعراق، وهذا الأمر لم يعد سراً بل أفصح عنه كثير من المسؤولين في أميركا وفي كيان العدو الإسرائيلي. وبناء على ذلك، فإن الدخول اليمني المباشر على خط المواجهة يعكس رؤية استراتيجية تستشعر خطورة المشروع الأميركي والإسرائيلي في المنطقة على دول العالمين العربي والإسلامي ككل وليس على إيران وحسب.
3-الاستناد إلى تجارب ناجحة
رغم إدراكهم أنه سيترتب على هذا الموقف العسكري المساند لإيران تداعيات وتبعات من جانب العدو، فإن اليمنيين يملكون ثقة عالية بالله ولا يخشون العواقب، وبالتالي فإن أي عمل عدواني سيشكل دافعاً وحافزاً قوياً لتوسيع عمليات الإسناد اليمني، ويسهم في تعدد أشكاله. واليمنيون يستندون إلى تجارب ناجحة وطويلة وحافلة بالصمود في مواجهة وقهر التحديات، من العدوان السعودي- الأميركي على اليمن لثماني سنوات متواصلة، مروراً بالعدوان الأميركي- البريطاني الذي ألقى بثقله لمحاولة ثني اليمن عن مساندة غزة وفتح الطريق أمام ملاحة العدو الإسرائيلي، وصولاً إلى العدوان الأميركي- الإسرائيلي خلال السنوات القليلة الماضية.
خاتمة
إن انخراط اليمن في العمل العسكري المساند لإيران وحزب الله والمقاومة الإسلامية في العراق ليس مجرد تسجيل الحضور وصناعة الصورة الرمزية أو النمطية أو الذهنية عن اليمن الشجاع، فقد صنعها وليس بحاجة إلى ذلك، بل يجسد مبدأ "تعاون مشترك في مواجهة تهديد مشرك" ويكمل بالتالي دائرة النار التي تدافع عن هذه الأمة وشعوبها ومقدراتها وسيادتها وكرامتها، ويؤكد أن المحور تجاوز مفهوم وحدة الساحات بالمعنى الثقافي والسياسي إلى مفهوم وحدة الجبهات بين أقطاب المحور عسكرياً وفي كل المجالات.
كما أنه يؤكد أن استمرار العدوان الأميركي- الإسرائيلي يوسع دائرة النار ضد العدو الذي توهّم أن بمقدوره فرض شروطه ومخططاته بالحديد والنار، مع الثقة المطلقة بأن النصر حليف محور القدس وفلسطين ولن يكون حليف "جماعة أبستين" بأي حال من الأحوال، كما أن أميركا بتورطها في هذا العدوان لا يمكن أن تمنع تحقق الحتمية الإلهية والوعد الإلهي بزوال الكيان المؤقت الموعود بالهزيمة والخسران والزوال والخراب الثالث.