المشرق الكبير: ولادة نظام إقليمي جديد من رحم حرب المصير؟
الطريق طويل وشاق. نعم، التحديات كبيرة والعقبات كثيرة. لكن ولادة أي نظام إقليمي عظيم تبدأ بحلم، ثم بإرادة، ثم بخطوات جريئة.
-
ولادة أي نظام إقليمي عظيم تبدأ بحلم.
بعد أشهر من الحرب التي هزت أركان غرب آسيا، وبعد مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران التي أنهت أطول جولة قتال وأكثرها عنفاً في تاريخ المنطقة الحديث، لم تعد الأمور كما كانت. هذه الحرب، رغم وحشيتها وتكلفتها الباهظة من الأرواح والدمار، حملت في طياتها بذور ولادة جديدة. لقد أثبتت بكل وضوح أن المعادلات التي رسمها الغرب على أنقاض الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى لم تعد صالحة. وأن هناك لاعباً رئيسياً جديداً، هو إيران، قد فرض نفسه كمنتصر حقيقي، ورُسم لها دور في أي نظام إقليمي قادم، مهما كانت الخسائر التي تكبدتها بسبب الحرب والحصار والعقوبات.
هذا الواقع المستجد يفرز واقعاً جديداً لـ"المشرق الكبير"، تلك المنطقة الممتدة من وادي النيل إلى الهضبة الإيرانية، ومن سواحل الأناضول إلى مياه الخليج. فالغرب، ممثلاً بـ"إسرائيل" كذراع عسكرية واقتصادية وسياسية كبيرة، تعرض لزلزال عنيف يرجح كفة الانحسار والتراجع. وهكذا تتشكل فرصة تاريخية، لا تعوض، لمنطقة غرب آسيا كي تعيد تشكيل نفسها بنفسها، كي تنتزع دورها في عالم بات يقوم على كيانات كبرى متكاملة، بعيداً عن وصاية القوى الخارجية.
إيران: المنتصرة التي اقتلعت دورها السيادي
الاعتراف الأميركي بإيران كطرف أساسي في المفاوضات، والتوقيع على مذكرة تفاهم تعترف عملياً بحق طهران في برنامج نووي سلمي ونفوذ إقليمي، هو اعتراف ضمني بنهاية محاولات عزل إيران أو تغيير نظامها بالقوة. إيران خرجت من الحرب وأوراقها السياسية والعسكرية في أوج قوتها النسبية، رغم الألم الاقتصادي. لقد اقتلعت دورها كقوة إقليمية عظمى، لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية في غرب آسيا. هذا الإنجاز يمنحها القدرة على أن تكون حجر الزاوية في أي مشروع تكامل إقليمي جديد.
تركيا: استعادة الدور الكبير بعيداً عن الكوابح الغربية
تركيا، التي كانت لعقود تحاول التوازن على حافة الانضمام إلى أوروبا، تجد اليوم نافذتها التاريخية للتحرر من الكوابح الغربية (الاقتصادية والسياسية). الحرب كشفت أن عضوية "الناتو" لم تعد مظلة أمنية كما كانت، وأن الحلم الأوروبي لم يعد جاذباً كما كان.
أنقرة اليوم تمتلك جيشاً قوياً، واقتصاداً منتجاً، ونفوذاً يمتد من آسيا الوسطى إلى قلب أوروبا. وهي في موقع يسمح لها بالتحول من "دولة جسر" بين الشرق والغرب إلى "دولة محور" ترسم خريطة العلاقات في المشرق الكبير وفقاً لمصالحها الذاتية، وليس وفقاً لإملاءات خارجية.
مصر: فرصة الخلاص من قيود "كامب ديفيد"
أما مصر، "أم الدنيا"، فلم تشهد منذ عقود فرصة كهذه للتخلص من أغلال "كامب ديفيد" التي كبّلت حركتها الإقليمية وأضعفت دورها القيادي. الحرب الحالية والهزيمة الاستراتيجية الغربية في غرب آسيا توفر للقاهرة غطاءً تاريخياً للتحرر التدريجي من التبعية، واستعادة دورها الطبيعي كقلب للعالمين العربي والإسلامي.
الخروج من الاتفاقية قد لا يكون معلناً بين ليلة وضحاها، لكن التململ من قيودها والعمل على تجاوزها أصبح ممكناً أكثر من أي وقت مضى، وهذا يشمل تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي مع كل من تركيا وإيران، وتوسيع هامش المناورة في سياستها الخارجية.
التكامل الإقليمي: من الحلم إلى الواقع
إذا كانت القوى الثلاث الكبرى في المشرق (إيران، تركيا، مصر) في وضع يسمح لها بالتطلع إلى آفاق جديدة، فإن الفرصة سانحة للانتقال من مرحلة التنافس والصراع إلى مرحلة التكامل الإقليمي.
ما هي عناصر هذا التكامل؟
· تكامل اقتصادي: إنشاء منطقة تجارة حرة بين الدول الثلاث الكبرى كقاعدة ارتكاز وربطها بأسواق آسيا الوسطى والخليج وأوروبا. ربط شبكات الطاقة والغاز والنقل البري عبر ممرات "شمال-جنوب" و"شرق-غرب".
· تكامل أمني: بناء نظام أمن إقليمي جماعي بديل عن القواعد الغربية، يكون قادراً على حماية الممرات المائية في الخليج والبحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود.
· تكامل ثقافي: إحياء فكرة "المواطنة المشرقية" القائمة على التاريخ المشترك والجوار الجغرافي والثقافة المتداخلة، والتي تشمل العرب والأتراك والفرس والكرد وسائر شعوب المنطقة.
الكونفيدرالية المشرقية: الصيغة الأعلى للمستقبل
وهذا التكامل، إذا ما توافرت له الظروف والإرادة السياسية، قد يتطور تدريجياً نحو الصيغة الأعلى: الكونفيدرالية المشرقية. هذا ليس حلماً طوباوياً، بل هو امتداد طبيعي لمسار تاريخي طويل سعت إليه قوى التحرر في المنطقة. نموذج الاتحاد الأوروبي، رغم اختلاف السياق، يظل دليلاً على إمكانية تجاوز الدول ذات السيادة لجزء من سيادتها مقابل مصالح عليا ومشتركة.
الكونفيدرالية المشرقية لا تعني إلغاء الدول القومية القائمة، بل تعني إنشاء إطار سياسي واقتصادي وأمني جامع، يتيح حرية الحركة للمواطنين، ويوحد السياسات الخارجية تجاه القوى الكبرى، ويخلق كياناً جيوسياسياً قادراً على منافسة الكتل الكبرى في العالم (أميركا، الصين، الاتحاد الأوروبي، روسيا).
الفرصة التاريخية: على القادة اغتنامها
ما يجعل هذا الطموح ممكناً اليوم هو مزيج من العوامل التاريخية النادرة:
· هزيمة استراتيجية للغرب و"إسرائيل"، أفقدتهما القدرة على فرض إملاءاتهما كما كانا يفعلان.
· ظهور قوى إقليمية صاعدة (إيران، تركيا، مصر) تدرك أن مصيرها المشترك يتطلب التعاون لا التصادم.
· ارتفاع كلفة الفرقة والصراع، بعد أن أثبتت الحرب أن الجميع خاسرون في غياب التكامل.
· رغبة شعبية متنامية في استعادة الكرامة والاستقلالية، ورفض تبعية الأنظمة للخارج، خاصة بعد أن كشفت الحرب زيف الادعاءات الغربية بالدفاع عن الحرية والديمقراطية.
التاريخ لا ينتظر. إما أن تغتنم شعوب وقادة غرب آسيا هذه الفرصة لبناء "مشرق كبير" موحد وقوي، قادر على لعب دور فاعل ومؤثر في عالم الغد، وإما أن تظل المنطقة أسيرة صراعاتها الداخلية، رهينة للقوى الخارجية. الخيار بين أيديهم. فهل سيكونون عند مستوى المسؤولية التاريخية؟
لقد أثبتت الحرب أن لا شيء مستحيل. إيران صمدت وحققت انتصاراً معنوياً وعسكرياً وسياسياً . تركيا اتخذت قرارها بالاندفاع أكثر نحو الشرق، وساهمت في منع سقوط لبنان ببراثن "المشروع الصهيوني". مصر تنتظر فرصتها. والعرب والكرد وسائر الشعوب يبحثون عن دورهم في فجر جديد. نعم، الطريق طويل وشاق. نعم، التحديات كبيرة والعقبات كثيرة. لكن ولادة أي نظام إقليمي عظيم تبدأ بحلم، ثم بإرادة، ثم بخطوات جريئة. وأعتقد أن لحظة الحلم قد حانت، وأن الإرادة بدأت تتشكل. المشرق الكبير قادم، والخيار لمن يريد، فهل يفعلون؟