اللجان الحكومية لمكافحة الفساد في العراق.. جعجعة بلا طحن ولا طحين
لماذا كلما يأتي رئيس وزراء يحمل في جعبته تقارير تفيد بأن الخزينة شبه مفرغة أو الموازنة مثقلة بالعجز والالتزامات، في بلد يُصدّر أكثر من أربعة ملايين برميل نفط يوميا؟
-
الفساد نفسه هو الوقود الذي تتحرك به الآلة السياسية في العراق
حين يكون الفساد أقوى من الدولة تُصبح مسرحية تتكرر في العراق بإيقاع شبه ميكانيكي إبان تشكيل الحكومة، يكاد يكون طقسا من طقوس الحكم لا استثناء فيه، فكلما يُكلف رئيس جديد للوزراء؛ يعلن في أول تصريح له عن إرث ثقيل تسلّمه من سابقيه، "خزينة شبه خاوية، ملفات مسكوت عنها، ديون متراكمة، فساد منظّم اخترق كل مفصل من مفصلات الدولة"، ولات حين مناص.
ثم لا يلبث أن يعلن بلهجة الواثق المُصلح عن تشكيل هيأة أو مجلس أو لجنة عليا ستكون النقطة الفاصلة بين عهدين: عهد النهب وعهد المحاسبة، غير أن المواطن الذي تعايش معها وبات يعرف من باب التجربة المُرّة لا من باب التشاؤم، أن تلك الهيأة ستُولد بجعجعة الطاحون ثم تتوقف تدريجيا، لأن طاقة مياه دجلة والفرات مجتمعة لا تستطيع توفير مناخات ملائمة للحيتان، وهي تعرف -مياه دجلة والفرات- أنّ الإمساك بالأسماك الصغيرة باتت وصفة ناجحة في محاربة الفساد على مائدة الشعب في هذه اللعبة، ولعل الرأي العام ما فتئ يتذكر جيدا كيف أنّ الحكومات السابقة لحكومة السيد الزيدي كلها نادت بمحاربة الفساد؛ والنتيجة فتات خبز يَبس وكبش فداء صغيرة.
لم يكن السيد نوري المالكي يعلم حين شكّل عام ٢٠٠٧ ما أسماه "المجلس الاستشاري لمكافحة الفساد" أنه سيضع حجر الأساس لأطول سلسلة من الكيانات الرقابية العاجزة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة؛ حيث كان العراق خارجا لتوّه من جحيم الطائفية، النفط يتدفق بأسعار تصاعدية، والمجتمع الدولي يرنو بعيون فيها قدر عالٍ من الأمل إلى بغداد.
فكان ممكنا جدا أن تُبنى مؤسسة رقابية حقيقية تمتلك الصلاحيات والاستقلالية والإرادة السياسية. لكن ما جرى كان غير ذلك تماما؛ إذ وُلد المجلس في حضن السلطة نفسها التي كان يُفترض أن يراقبها ذلك المجلس، وتشكّلت قياداته من شبكة الولاءات الحزبية التي جعلت من الرقابة نشاطا انتقائيا موجّها، يطال الخصوم ويتحاشى الحلفاء.
ثم جاء السيد حيدر العبادي عام ٢٠١٦ على وقع انهيار أسعار النفط واحتدام معارك التحرير عند سقوط ثلثي العراق بيد العصابات الإرهابية الداعشية، وضغط الشارع وخُطب الجمعة التي نتج عنها خروج احتجاجات طالبت بالإصلاح وإعدام الفاسدين؛ فأطلق ما سمّاه "المجلس الأعلى لمكافحة الفساد" في لحظة توقّع فيها كثيرون أنه سيكون التغيير جدياً، وبخاصة إن العبادي بدا رجلا تكنوقراطيا يميل إلى الحوكمة أكثر من ميله إلى لعبة المحاصصة المكشوفة.
لكن المجلس لم يتجاوز حدوده السياسية المرسومة؛ إذ أحاطت به الكتل الكبرى من كل جانب، وكان كل ملف يقترب من الدوائر النافذة يصطدم بجدار غير مرئي يعيده إلى حيث بدأ، فضلا عن أن المواطن العراقي في تلك المرحلة كان يشهد تقليص رواتب الدرجات غير الخاصة الوظيفية بحجة الأزمة المالية، فيما المديرون العامون والوكلاء يواصلون تبويب مخصصات المشروعات بمنهجية لا تتزعزع، بحسب خبراء متخصصين في هذه المجالات.
أعقبه السيد عادل عبد المهدي عام ٢٠١٨ ليُعيد إنتاج الفكرة نفسها تحت عنوان "المجلس الأعلى لمكافحة الفساد"، وكأن اللافتة الجديدة كافية لإقناع العراقيين بأن ثمة إرادة مختلفة هذه المرة. إذ كان عبد المهدي يقود حكومة توافقية بامتياز، تجمع أطرافا متناقضة الأجندات، ما جعل أي قرار لمكافحة الفساد يمرّ من خلال تصفية حساب سياسي معقد قبل أن يصل إلى القضاء.
بعدها استزار السيد مصطفى الكاظمي الحكومة عام ٢٠٢٠ وهي في شكلها حكومة تشكلت من رحم أحداث تشرين، محمولا على موجة من التوقعات الشعبية. وأعلن عن تشكيل "اللجنة العليا للتحقيق في قضايا الفساد الكبرى والجرائم الجنائية" التي سُميت لجنة "أبو رغيف"، وبدت اللجنة هذه المرة أكثر جدية في الشكل (بيانات إعلامية، اعتقالات موثّقة، تصريحات نارية)، لكنها حُلت بضغط الرأي العام بعد فشل ذريع وملفات كُشفت عن اللجنة التي قيل عنها إنها استخدمت السجن الانفرادي والتعذيب والعنف الجنسي لانتزاع اعترافات من كبار المسؤولين العراقيين ورجال الأعمال.
ثم وصل السيد محمد شياع السوداني عام ٢٠٢٢ ليُشكّل "الهيأة العليا لمكافحة الفساد"، ولعل اللافت في خطابه الأول أن حديثه عن الفساد جاء مقرون بوعود تنموية طموحة، وبميزانية تعدّ الأضخم في تاريخ العراق تجاوزت المئة وخمسين مليار دولار في موازنة ٢٠٢٣.
غير أن المفارقة المؤلمة كانت أن السؤال عن أين ذهبت الموازنات الضخمة السابقة لم يُجَب عنه قط، فعادت نفس الديناميكية إلى أن جاءت قضية "سرقة القرن"، تلك الفضيحة الكبرى التي تبين فيها اختلاس ما يزيد على ٢.٥ مليار دولار من خزينة الهيئة العامة للضرائب عبر آلية احتيال منظمة نفّذها بحسب ما أعُلن (نور زهير) وشبكة من المقرّبين من أعلى دوائر القرار. كان من الممكن أن تكون هذه القضية لحظة تاريخية في مسار المحاسبة، غير أن ما تلاها كشف أن المشهد كله لم يكن إلا فصلا من مسرحية اعتُقل إثرها بعض المنفذين الصغار، وتحوّل نور زهير في مرحلة ما؛ إلى شاهد ملك، ثم ظهرت معطيات تشير إلى أن الأموال لم تُسترد كلها، وأن الرؤوس الكبيرة التي أشار إليها الملف بقيت خارج دائرة الاتهام الحقيقية، والمُلفت أن سلف السيد محمد شياع السوداني وهو السيد الكاظمي نفسه كان يُعلن في كل مناسبة أنه لن يتهاون؛ لكن الصفقات أحدثت المعجزات ورجع الجميع شركاء في السياسة!.
واليوم وبالتاريخ السنوي لكتابة هذه المقالة عام ٢٠٢٦، يُشكّل السيد علي الزيدي "المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام"، والمُلفت في الاسم أنه يحمل لأول مرة مفردة "السيادة" و"استرداد المال العام"، وكأن المشكلة كانت في الاسم لا في البنية!؛ وبخاصة بعدما اُعتقل وكيل وزارة النفط (عدنان الجميلي) الملقّب "أبو الخبزة"، ذلك الموظف ذو الدرجة الخاصة الذي قُدِّم للرأي العام بوصفه وجها من وجوه الفساد الميداني في وزارة النفط، فاعتُقل وصُورت قضيته على أنها انتصار للمحاسبة، لكنها في حقيقتها لم تكن سوى تقديم كبش فداء بحجم متوسط لصرف الأنظار عن النهب والسلب الهيكلي الذي يجري في المستويات العليا من منظومة الفساد المؤسساتي، وربما سيخرج الرجل بريئا مما نُسب إليه.
لكن السؤال الجوهري: لماذا كلما يأتي رئيس وزراء يحمل في جعبته تقارير تفيد بأن الخزينة شبه مفرغة أو الموازنة مثقلة بالعجز والالتزامات، في بلد يُصدّر أكثر من أربعة ملايين برميل نفط يوميا؟
الإجابة أنها ليست في تقنية الميزانيات ولا في تذبذب أسعار النفط، بل في الهندسة السياسية للدولة العراقية ما بعد ٢٠٠٣؛ فقد أنتجت المحاصصة الطائفية والعرقية نظاما توزيعيا للموارد يقوم على منطق "المحاصصة"؛ كل حزب كبير يحصل على وزارات بعينها تُعد مجالا حيويا لجمع الريع وتوزيعه على قاعدته الانتخابية.
هذا النظام لا يحتاج إلى محرّمات قانونية لكي يستمر، لأن القانون نفسه صِيغ على نحو يُبقي هامشا واسعا من الغموض الذي تعيش فيه العقود المشبوهة والتعيينات المحمية.
وحين يصل رئيس الوزراء الى منصبه ويقول إنه "لا يملك صلاحيات كافية" أو إن الميزانية كانت شبه خالية قبل وصوله ووزّعت على أبواب الفساد، فهو لا يكذب تماما، لكنه يقدّم نصف الحقيقة فحسب؛ إذ إنّ الحقيقة الكاملة هي أن كل رئيس وزراء في العراق يعلم منذ اليوم الأول أن ثمة خطوطا حمراء ترسمها الكتل النافذة لا يمكنه تجاوزها -إذا ما كان جزءا منها- والهيئات التي يُشكّلها هي في الغالب أداة للتفاوض مع تلك الكتل لا لمحاسبتها.
والمواطن العراقي يعيش هذه الحقيقة في جسده قبل أن يقرأها في التقارير؛ فالطالب الذي يدفع رشوة ويدرس الخصوصي لنيل درجة النجاح، المريض الذي يشتري دواءه من الصيدلية الخاصة لأن مخازن وزارة الصحة مصابة بحمى شديدة نتيجة عدوى وصلتها من شركات الأدوية العالمية، المقاول الذي يعرف أن عقوده لن تُصرف من دون "هدية مناسبة" للمسؤول المعني، أُسر المناطق النائية التي مرّت عليها ثلاث موازنات تنموية من دون أن يصلها أنبوب مياه أو طريق معبّدة؛ كل هؤلاء يعرفون ما لا تقوله البيانات الرسمية بأن الفساد في العراق ليس ظاهرة استثنائية بل هو منهج حكم يعيد إنتاج نفسه في كل دورة انتخابية.
وإذا كانت الموازنات العراقية بين عامي ٢٠٠٨ و٢٠٢٥ قد تجاوزت في مجموعها الألف مليار دولار، فأين ذهب هذا المال؟ الجواب الذي لا يُصرَّح به رسمياً يقوله الواقع بالشواهد: البنية التحتية ما زالت محطمة، الكهرباء تنقطع في صيف بغداد أكثر مما تُجهز، شباب يتجاوز عددهم المليون ينتظرون تعيينا حكوميا أو يبحثون عن قارب هجرة، مدن جنوبية تشرب ماءً ملوثا وتتنفس هواءً تمزجه الأبخرة السامة من آبار النفط غير المعالجة. لقد ذهب المال إلى حيث لا تصل اللجان.
والسؤال الأخلاقي الذي يجب أن يواجهه كل مواطن وكل صحفي وكل أكاديمي ومشرّع عراقي هو: هل الهيئات التي تُشكَّل لمكافحة الفساد هي نفسها نوع من الفساد؟
ربما تكون إجابة السواد الأعظم منهم "نعم"، فحين تُصرف عليها أموال لرواتب وأجهزة وسفريات ومقرّات، من دون أن تُنجز ما يُسوّغ وجودها؛ فهي بالتعريف الوظيفي مؤسسات تستهلك من المال العام مقابل إنتاج ما يمكن وصفه بـ"الديكور الشرعي"، أي تلك الصورة التي تقول للداخل والخارج إن الدولة تحارب الفساد بينما هي في حقيقتها تُديره.
إنّ الحلول الحقيقية -إنْ أُريد لها أن تكون جدية لا ترقيعية- لا تبدأ بلجنة جديدة؛ بل تبدأ بإعادة هيكلة جذرية لعلاقة المؤسسات بالمنظومة السياسية، وأول هذه الحلول: أن تُفصل هيئات النزاهة والرقابة فصلا حقيقيا لا ورقيا وحسب، بحيث لا يكون تعيين رئيسها رهينة بتوافق الكتل السياسية، ويُعاد النظر كليا في آلية اختيار المديرين العامين للهيئات الرقابية على أساس الكفاية والنزاهة الموثّقة لا الانتماء الحزبي.
وثاني هذه الحلول: بناء منظومة الإفصاح المالي الحقيقي، إذ لا يكفي أن يُودع المسؤول بيانا بذمته المالية في ملف مغلق بمكتب حكومي؛ بل يجب أن تكون هذه البيانات علنية ومدققة دوريا ومرتبطة بعقوبات أوتوماتيكية عند التهرب.
وثالثها: أن يُبنى تحالف دولي جاد لملاحقة الأموال المهرّبة، إذ لا فائدة من محاسبة الفساد المحلي ما دام بالإمكان تحويل المكتسبات إلى حسابات في دول تُحسن حفظ الأسرار، أو تتحول الى مولات ومنتجعات وأبراج سكنية وساعات رولكس وفصوص ألماس..الخ من طاقات الثراء الفاحش.
ورابعها: تمكين القضاء من الاستقلالية الفعلية، وهذا يعني بصراحة، كسر نفوذ الكتل السياسية داخل مجلس القضاء الأعلى، وهو مطلب يعرف كل العراقيين مدى صعوبته في الظرف السياسي الراهن.
غير أن أعمق الحلول وأشدّها ضرورةً هو الذي لا تُحبه الحكومات: بناء مجتمع رقابي حقيقي، نابع من الفرد القادر على التقاضي الاستراتيجي، ومزوّد بقوانين حماية للمبلّغين عن الفساد لا تكون حبرا على ورق، فحين يخاف المبلّغ من أن يجد رصاصةً في صدره أو تهديدا في اليوم التالي من تقديم بلاغه، فنحن لسنا أمام إشكالية قانونية بل أمام إشكالية أمنية سياسية أعمق. وقد شهد العراق حالات موثقة لصحفيين ونشطاء ومبلّغين دفعوا أثمنا باهظة لجرأتهم على الكلام.
خلاصة القول: لدينا ست هيئات تشكلت في أقل من عشرين عاما من المجلس الاستشاري للسيد نوري المالكي إلى المجلس السيادي للسيد علي الزيدي؛ لم يُحاسَب خلالها سياسي من الدرجة الأولى على الملأ، ولم تُسترد أموال بحجم ما جرى اختلاسه، ولم تُبنَ مؤسسة رقابية تحمل الشعب على أن يقول فعلا إنها فرّقت بين الأمس واليوم.
هذا ليس إخفاقا إداريا عابرا؛ بل هو نمط يكشف أن الإرادة السياسية في محاسبة الفساد لم تكن يوما متوافرة بالقدر الكافي، لأن الفساد نفسه هو الوقود الذي تتحرك به الآلة السياسية في العراق، ولم يعد مجرد ظاهرة تُحاربها الدولة، بل أصبح هو الدولة في نسخة موازية -له مؤسساته وشبكاته وحماته ومحاكمه غير المعلنة- وكل لجنة تُشكَّل لمواجهته من دون أن تمتلك سلاح الإرادة السياسية الحقيقية لن تكون سوى إضافة إلى أرشيف الوعود المنسية، وستجلس إلى جانب سابقاتها في متحف الديكور الحكومي الذي يحفظ أسماء الهيئات ولا يحفظ انجازاتها، لأنه ببساطة لا يوجد ما يُحفظ لأنه "حواسم".