القاهرة وطهران: هل آن أوان إعادة رسم ميزان القوة؟

الشرق الأوسط لا ينتظر المتردّدين، وإعادة تشكيل ميزان القوة تجري الآن لا غداً. السؤال لم يعد: هل يمكن تطوير العلاقة بين القاهرة وطهران؟ بل: ماذا سيحدث إذا استمرت القطيعة بينما يُعاد تثبيت تفوّق إقليمي أحادي لا يُختبر؟

  • هل يمكن تطوير العلاقة بين القاهرة وطهران؟
    هل يمكن تطوير العلاقة بين القاهرة وطهران؟

ليست ذكرى انتصار الثورة الإيرانية مجرّد مناسبة تخصّ طهران وحدها، بل محطة إقليمية تستدعي سؤالاً مصيرياً ظلّ مؤجّلاً طويلاً: لماذا بقيت العلاقة بين القاهرة وطهران معلّقة في منطقة القطيعة، بينما يُعاد تشكيل ميزان القوة في الشرق الأوسط من حولهما؟

فالمنطقة لا تمرّ بأزمة عابرة، بل تعيش مرحلة إعادة هندسة شاملة: تفكيك ساحات، استنزاف جيوش، إعادة ترتيب أولويات، وتحويل الصراع المركزي إلى ملفات يمكن إدارتها لا حلّها.

وفي قلب هذه العملية يترسّخ تفوّق إسرائيلي نوعي، عسكرياً وتكنولوجياً واستراتيجياً، بينما يظلّ بقية الإقليم في حالة إنهاك دائم.

في مثل هذه اللحظة، يصبح سؤال العلاقة المصرية–الإيرانية سؤال توازن، لا مجاملة دبلوماسية.

من عبد الناصر إلى المفارقة الساداتية

حين دعم جمال عبد الناصر القوى المناهضة للشاه، لم يكن يتحرّك بدافع أيديولوجي، بل انطلاقاً من قراءة استراتيجية واضحة؛ فالشاه كان جزءاً من منظومة إقليمية ترتبط بالغرب وتؤمّن عمقاً استراتيجياً للعدو الإسرائيلي، وإضعافه كان يعني إضعاف تلك المنظومة.

لم يكن المشروع الناصري إسلامياً، ولا كان المشروع الإيراني قوميّاً عربيّاً، لكنهما التقيا عند نقطة مناهضة الهيمنة وإعادة تعريف التوازن الإقليمي. ثم جاءت المفارقة.

في عهد أنور السادات، استقبلت القاهرة الشاه بعد سقوطه، ووقّعت اتفاقية كامب ديفيد، لتدخل العلاقة مع الجمهورية الإسلامية بقيادة روح الله الخميني مرحلة قطيعة طويلة. لم تكن القطيعة تفصيلاً بروتوكولياً، بل انعكاساً لتحوّل عميق في التموضع المصري. غير أنّ الجغرافيا لم تتغيّر، والتحدّيات لم تتوقّف.

ما قبل 1967… واللحظة الراهنة

عشية 1967 كان الخطاب مرتفعاً، لكنّ ميزان القوة مختلاً. كان العدو الإسرائيلي أكثر وضوحاً في أهدافه وأشدّ انضباطاً في إدارة تحالفاته، بينما كان النظام العربي منقسماً ومثقلاً بصراعاته. النتيجة لم تكن مجرّد هزيمة عسكرية، بل كانت تحوّلاً استراتيجياً طويل الأمد أعاد تشكيل بنية الصراع.

اليوم لا توجد حرب تقليدية شاملة، لكنّ هناك مساراً أكثر تعقيداً: إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بحيث يصبح التفوّق الإسرائيلي بنيوياً لا ظرفياً. قبل 1967 كان الصراع مباشراً؛ أما اليوم فيُعاد تعريفه ليصبح شبكة صراعات داخلية عربية، فيما يبقى التفوّق الإسرائيلي ثابتاً.

التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يعيد إنتاج أنماط الاختلال.

العدو الإسرائيلي وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية

لم يعد العدو الإسرائيلي يتحرّك بمنطق الدفاع الحدودي الضيّق، بل بمنطق إعادة صياغة البيئة الاستراتيجية المحيطة به. المسألة لم تعد مجرّد ردع خصم أو احتواء تهديد، بل إعادة ترتيب المجال الإقليمي بحيث يتحوّل التفوّق الإسرائيلي إلى حالة مستقرة لا تُختبر باستمرار.

يتجلّى ذلك في نمط متكرّر: ساحات عربية تتحوّل إلى بؤر استنزاف طويلة الأمد، جيوش مركزية تُرهق اقتصادياً وأمنياً، وقضايا داخلية تتضخّم حتى تطغى على التهديد الخارجي. وفي القلب من هذا المشهد تُدار القضية الفلسطينية لا بوصفها قضية تحرّر وحقّ سياسي، بل كملف أمني–إنساني يُعالج بإجراءات جزئية، فيما تُفرض وقائع ميدانية تغيّر معادلات الأرض تدريجياً. ومع الوقت يتحوّل الصراع من عربي–إسرائيلي واضح المعالم إلى نزاعات عربية–عربية متقاطعة، تُبقي التفوّق الإسرائيلي خارج دائرة الضغط المباشر.

هذه ليست قراءة تعبويّة، بل تحليل واقعي لتوازن القوى؛ فالتفوّق لا يُكبح إلّا عبر موازنة مقابلة، والموازنة لا تعني اصطفافاً أيديولوجياً بقدر ما تعني تنسيقاً يمنع الانفراد. وحين تبقى القوى الإقليمية الكبرى في حالة قطيعة، يتحوّل التفوّق من أفضلية نسبية إلى هيمنة مستقرّة يصعب كسرها لاحقاً.

التنسيق القائم… ولماذا لا يكفي

شهدت الاتصالات بين القاهرة وطهران تطوراً ملحوظاً خلال العقد الأخير. ففي عام 2014، زار حسين أمير عبد اللهيان القاهرة ممثّلاً مباشراً للمرشد الأعلى السيد علي خامنئي، حاملاً رسالة تهنئة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة انتخابه.

لم تكن تلك الزيارة إجراءً بروتوكولياً عابراً، بل حملت دلالة سياسية واضحة؛ إذ إنّ تمثيل المرشد الأعلى، بوصفه صاحب القرار النهائي في السياسة الخارجية الإيرانية، يعني أنّ الإشارة جاءت من قمة هرم السلطة في طهران.

كانت الخطوة تعبيراً صريحاً عن استعداد استراتيجي لفتح قناة تواصل مباشرة مع الدولة المصرية خارج منطق القطيعة الطويلة، ومؤشّراً إلى أنّ إعادة تعريف العلاقة باتت خياراً مطروحاً على أعلى المستويات. ومنذ ذلك الحين، استمرت قنوات الحوار، وتكثّفت الاتصالات في لحظات التوتر الإقليمي، بما يعكس انتقال العلاقة من الجمود الكامل إلى تواصل محسوب.

غير أنّ هذا المسار، على أهميته، ظل في حدود التنسيق التكتيكي، وهو مستوى لا يكفي لبناء توازن مستدام. فالتحدّي اليوم لا يتعلّق بإدارة أزمة عابرة، بل بمنع تثبيت واقع إقليمي تتكرّس فيه أفضلية إسرائيلية تتحوّل تدريجياً من تفوّق نسبي إلى وضع بنيوي دائم لا يُختبر.

ومن هنا تنتقل المسألة إلى ساحة الاختبار الفعلية لميزان القوة: فلسطين.

فلسطين… عقدة التوازن

قيمة أيّ تنسيق لا تُقاس بعدد القنوات المفتوحة، بل بقدرته على التأثير في لحظات الحسم. ولا توجد لحظة اختبار أكثر حساسية من فلسطين؛ هناك يتحدّد ما إذا كان التفوّق سيظلّ موضع موازنة أم سيتحوّل إلى هيمنة غير قابلة للاعتراض.

مصر تتحمّل العبء الجغرافي والسياسي المباشر في غزة؛ تدير التهدئة وتمنع الانفجار الشامل. في المقابل، تدعم إيران قوى المقاومة، وتُسهم في بناء معادلة ردع تحول دون فرض تسوية أحادية تُكرّس وقائع يصعب التراجع عنها.

اختلاف الأدوات مفهوم، لكنّ غياب التنسيق على أعلى المستويات يخلق فجوة تسمح للكيان الصهيوني بالتحرّك بخطوات متدرّجة: توسيع الاستيطان، تفتيت الضفة، وإدارة غزة خارج أفق سياسي حقيقي.

الحدّ الأدنى من التفاهم المصري–الإيراني لا يعني قيام محور، لكنه يمنع الانفراد بتحديد قواعد اللعبة.

ماذا يعني تطوير العلاقة فعلياً؟

تطوير العلاقة لا يعني تحالفاً أيديولوجياً، ولا انقلاباً على ثوابت السياسة المصرية، بل انتقالاً من إدارة القطيعة إلى إدارة التوازن.

ذلك يبدأ بإعادة العلاقات الدبلوماسية تدريجياً، وإنشاء آلية تشاور أمني منتظمة حول الملفات الحسّاسة، وفي مقدّمتها البحر الأحمر وفلسطين، إلى جانب تنسيق اقتصادي يعزّز المصالح المشتركة. جوهر المسألة هو إدارة الاختلاف داخل إطار مؤسسي واضح، لا تجاهله.

فالعلاقات الكبرى لا تُدار عبر وسطاء دائمين، بل عبر قنوات مباشرة قادرة على احتواء التباين قبل أن يتحوّل إلى أزمة.

لماذا تحتاج مصر هذه الخطوة؟

لأنّ مصر، في التصوّر الذي طوّره نديم البيطار حول "الإقليم–القاعدة"، ليست دولة طرفيّة، بل الكتلة المركزية التي يستند إليها توازن الإقليم. وزنها البشري وموقعها الجغرافي يجعلان أيّ اختلال في البيئة المحيطة بها ينعكس عليها مباشرة.

توسيع هامش الحركة لا يعني الاصطفاف، بل تعزيز القدرة على المناورة وإعادة توزيع أوراق القوة.

ولماذا تحتاج إيران هذه الخطوة؟

لأنّ مصر تمثّل مركز الثقل العربي الأوضح، وأيّ تقارب معها يعيد تعريف موقع إيران في الإقليم خارج ثنائية العزلة أو الاصطفاف الضيّق، ويمنح أيّ معادلة ردع بعداً عربياً إضافياً.

لحظة القرار… أو لحظة الانكشاف

الشرق الأوسط لا ينتظر المتردّدين، وإعادة تشكيل ميزان القوة تجري الآن لا غداً.

السؤال لم يعد: هل يمكن تطوير العلاقة بين القاهرة وطهران؟

بل: ماذا سيحدث إذا استمرّت القطيعة بينما يُعاد تثبيت تفوّق إقليمي أحادي لا يُختبر؟

في منطق توازن القوى، الفراغ لا يبقى فراغاً. وإذا لم تبادر القوى الكبرى في الإقليم إلى بناء موازنة تحمي مصالحها، فإنّ الهيمنة لا تُفرض دفعة واحدة، بل تتسلل تدريجياً حتى تصبح واقعاً مألوفاً.

استمرار القطيعة لا يحمي أحداً، والتنـسيق المحدود لا يكفي لكبح مسار إعادة الهندسة الإقليمية.

إما أن تُدار التوازنات من عواصم المنطقة الكبرى، أو تُدار ضدّها.

وفي السياسة كما في الجغرافيا، من لا يشارك في صناعة التوازن لا يبقى محايداً، بل يُعاد تموضعه داخل توازن صنعه الآخرون.