الحزام التركماني وطريق التنمية... هل تعيد الممرات تشكيل شمال العراق؟

إعادة تشكيل شمال العراق بفعل تصاعد أهمية ممرات النقل والطاقة، وما يرافقها من تنافس إقليمي تركي–كردي–إيراني على النفوذ والجغرافيا الاستراتيجية.

  • الحزام التركماني وطريق التنمية... هل تعيد الممرات تشكيل شمال العراق؟
    الحزام التركماني وطريق التنمية... هل تعيد الممرات تشكيل شمال العراق؟

في تصريح لأحد السياسيين الكرد، حذّر من وجود مشروع لإيجاد حزام تركماني يبدأ من قره تبة وحتى تلعفر، مشيراً إلى وجود تفاهم بين بغداد وأنقرة وحتى طهران حول هذا المشروع، وبالرغم من أنّ هذا المشروع ليس جديداً على الساحة العراقية، فإنّ السؤال هو: لماذا تتمّ إعادة طرحه الآن؟

إنّ فكرة الحزام التركماني ليست مجرّد مطلب قومي يقتصر على التركمان العراقيين، إذا وضعنا توقيت طرحها في الاعتبار، حيث يشهد شمال العراق تحوّلات متسارعة تمسّ مشاريع النقل والطاقة والإدارة المحلية. فمنذ الإعلان عن طريق التنمية، بدأت المنطقة الممتدة من ديالى مروراً بكركوك وطوزخورماتو وصولاً إلى تلعفر تكتسب أهمية متزايدة، ليس فقط باعتبارها فضاءً تتداخل فيه الهويات العرقية، بل لأنها أصبحت تقع على أحد أهمّ الممرات الاقتصادية التي يجري العمل على إنشائها في الشرق الأوسط.

وفي الوقت نفسه، تزامنت هذه التحوّلات مع سلسلة من التطوّرات اللافتة؛ منها رفع مستوى قرة تبة إلى قضاء، وإعادة تنظيم التعاون العراقي–التركي في مجال الطاقة بعد انتهاء اتفاق كركوك–جيهان لعام 1973، ودخول شركة البترول التركية (TPAO) شريكاً في مشروع تطوير حقول كركوك، إلى جانب انضمام المدينة إلى اتحاد بلديات العالم التركي. وقد تبدو هذه الوقائع متفرّقة إذا نُظر إليها بصورة منفصلة، لكنها تثير تساؤلاً مشروعاً عندما توضع في سياق واحد: هل تعكس مجرّد قرارات مستقلة، أم أنها تشير إلى تزايد القيمة الاستراتيجية للمجال الذي تمرّ به أهمّ ممرات النقل والطاقة في شمال العراق؟

فكرة قديمة... وسياق جديد

ليست فكرة الحزام التركماني أو إنشاء كيان إداري يجمع المدن ذات الوجود التركماني في شمال العراق وليدة التطوّرات الأخيرة، بل تمتدّ جذورها إلى عقود مضت. فالتركمان يشكّلون أحد المكوّنات التاريخية للعراق، واستقرّت تجمّعاتهم في مدن تمتدّ من ديالى شرقاً مروراً بكركوك وطوزخورماتو وداقوق وصولاً إلى تلعفر غرباً، وهو ما أفرز مع الزمن خطاباً سياسياً يطالب بحماية هذا الوجود من خلال صيغ إدارية ودستورية مختلفة، تراوحت بين منح كركوك وضعاً خاصاً، أو استحداث محافظات جديدة، أو إنشاء إقليم تركماني يضمّ المناطق ذات الكثافة التركمانية.

وبعد عام 2003، ومع تصاعد الجدل حول المناطق المشمولة بالمادة (140) من الدستور العراقي، اكتسبت هذه المطالب زخماً أكبر، وإن بقيت في إطار الطروحات السياسية أكثر من كونها مشاريع قابلة للتنفيذ. كما أعادت بعض المؤتمرات والفعّاليات التركمانية، ومنها المؤتمر القومي للتركمان في سوريا والعراق الذي عُقد في إسطنبول، طرح خرائط لما يعرف بـ تركمان إيلي، وهي خرائط تجاوزت في بعض الأحيان حدود التجمّعات التركمانية الفعلية، لتشمل شريطاً جغرافياً واسعاً يمتد عبر شمال العراق وصولاً إلى أجزاء من شمال سوريا.

غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا عادت إلى الواجهة في هذا التوقيت تحديداً؟ فالأفكار السياسية قد تبقى لعقود من دون أن تكتسب تأثيراً حقيقياً، ثمّ تستعيد حضورها عندما تتغيّر قيمة المجال الذي تقوم عليه. ولعلّ هذا ما يجعل التحوّلات الجارية في شمال العراق تستحقّ قراءة تتجاوز البعد القومي، لتبحث في الدور الذي بدأت الممرات التجارية وخطوط الطاقة تؤدّيه في إعادة تشكيل الأهمية الاستراتيجية لهذا المجال.

عندما تعيد الممرات تقييم المجال

لم يكن ظهور مشروع طريق التنمية مجرّد إعلان عن إنشاء طريق جديد يربط ميناء الفاو بالحدود التركية، بل مثّل تحوّلاً في طريقة النظر إلى الجغرافيا العراقية. فالمشروع لا يقتصر على نقل البضائع بين الخليج وتركيا، وإنما يضع العراق على أحد أهمّ الممرات البرية التي تسعى إلى ربط الخليج بالأسواق الأوروبية، في وقت تزداد فيه أهمية البدائل البرية نتيجة التوترات التي تشهدها الممرات البحرية، سواء في البحر الأحمر أو الخليج، وما تثيره من مخاوف حول أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.

وفي مثل هذه الظروف، تتغيّر قيمة المناطق التي تمرّ بها الممرات الكبرى. فما كان يُنظر إليه سابقاً بوصفه مجرّد امتداد جغرافي أو منطقة نزاع محلية، قد يتحوّل إلى عقدة استراتيجية تتداخل فيها التجارة والطاقة والأمن. ويبدو أنّ هذا ما يحدث تدريجياً في الشريط الممتدّ من ديالى مروراً بكركوك وطوزخورماتو وصولاً إلى تلعفر، وهو المجال الذي تتقاطع فيه اليوم مشاريع النقل والطاقة مع التعقيدات السياسية والديموغرافية المعروفة.

ومن بين التطورات اللافتة في هذا السياق قرار رفع ناحية قرة تبة إلى قضاء مستقل وإلحاق ناحية جبارة به. ما يلفت الانتباه إلى أنّ قرة تبة تقع في موقع جغرافي حسّاس، قريب من الحدود الإيرانية، وعلى تماس مع واحد من أهمّ المحاور الممتدة نحو كركوك. ومن ثم فإنّ منحها مرونة إدارية أكبر قد يزيد من قدرتها على أداء وظائف اقتصادية أو لوجستية إذا ارتفعت أهمية هذا المجال في المستقبل.

وفي الوقت نفسه، شهد ملف الطاقة العراقي تطوّراً لا يقلّ أهمية، تمثّل في انتهاء العمل باتفاق خط أنابيب كركوك–جيهان الموقّع عام 1973، والدخول في إطار جديد للتعاون بين بغداد وأنقرة. ولم يقتصر الأمر على إعادة تنظيم مسار تصدير النفط، بل أعلنت تركيا أيضاً حصول شركة البترول التركيةTPAO  على حصة في مشروع تطوير حقول كركوك الذي تقوده شركة BP، لتنتقل بذلك من دور دولة عبور للنفط العراقي إلى شريك في تطوير جزء من إنتاجه. ويمنح هذا التطوّر كركوك أهمية إضافية، لأنها أصبحت جزءاً من منظومة تجمع بين الإنتاج والنقل في آن واحد.

لم تتوقّف المؤشّرات عند الجانب الاقتصادي، إذ شهدت كركوك أيضاً انضمامها إلى اتحاد بلديات العالم التركي، وهو تطوّر يضيف بعداً مؤسسياً وثقافياً إلى العلاقات المتنامية بين المدينة وتركيا. وبغضّ النظر عن الدلالات السياسية لهذه الخطوة، فإنها تعكس اتساع مجالات التعاون لتشمل الإدارة المحلية، إلى جانب الطاقة والبنية التحتية، وهو ما يعزّز مكانة المدينة داخل شبكة العلاقات الإقليمية الجديدة.

قد تبدو هذه التطوّرات، إذا نُظر إليها منفصلة، مجرّد قرارات إدارية أو اتفاقات اقتصادية أو خطوات للتعاون البلدي. لكنّ جمعها في سياق واحد يكشف أنّ المجال الممتدّ في شمال العراق يمرّ بمرحلة إعادة تقييم واضحة. فهناك طريق تجاري ضخم، وخط طاقة تجري إعادة تنظيمه، وشراكة تركية في تطوير الإنتاج النفطي، وتوسيع لشبكات التعاون المؤسسي، إلى جانب تعديلات إدارية في مناطق تقع على هذا الامتداد الجغرافي.

ومن هنا يمكن فهم سبب عودة الحديث عن الحزام التركماني أو غيره من المشاريع التي تستهدف هذا المجال. فالقضية لا تتعلّق بالاسم بقدر ما تتعلّق بوظيفة الأرض نفسها. فعندما تجتمع في مجال واحد عناصر الإنتاج، والنقل، والإدارة، والتعاون المؤسسي، ترتفع قيمته الاستراتيجية بصورة تلقائية، وتبدأ القوى المختلفة في البحث عن صيغ تضمن استقراره وتنسجم مع مصالحها. ولذلك، فإنّ كركوك الآن لا تقتصر أهميتها على كونها مجرّد مدينة نفطية، وإنما تحوّلت إلى عقدة جيوسياسية مرشّحة لتأدية دور متزايد في إعادة رسم خريطة الممرات في الشرق الأوسط.

 لماذا يهمّ ذلك تركيا؟

إذا نُظر إلى التطوّرات السابقة في إطار واحد، فإنها تبدو جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل المجال الذي تعتمد عليه تركيا في ربط آسيا بالبحر المتوسط وأوروبا. فمنذ سنوات تعمل أنقرة على بناء شبكة متكاملة من الممرات، تبدأ من خط باكو–تبليسي–جيهان الذي ينقل نفط بحر قزوين، وتمتد إلى خط كركوك–جيهان الذي يعزّز ارتباطها بموارد الطاقة العراقية، ثمّ إلى طريق التنمية الذي يربط الخليج بالأراضي التركية، مع ما يتيحه من فرص لتحويل تركيا إلى عقدة رئيسية للتجارة والطاقة بين الشرق والغرب. كما يمكن النظر إلى هذا المجال بوصفه امتداداً يصل شرقاً إلى آسيا الوسطى، بما فيها تركمانستان، التي تمثّل أحد أهمّ مصادر الغاز التي تسعى أنقرة إلى دمجها في شبكاتها الإقليمية.

وفي هذا السياق، لا تبدو تحرّكات تركيا منفصلة عن المجال الأوسع الذي يتشكّل في شرق المتوسط، وهو المجال الذي سبق أن أشرنا إليه باعتباره أحد ميادين التنافس بين القوى الكبرى، حيث تحاول أنقرة ترسيخ موقعها بوصفها أحد أهمّ الفاعلين فيه من خلال التحكّم في الممرات البرية وخطوط الطاقة، وربطها بالموانئ التركية على البحر المتوسط.

ومن هذا المنظور، يمكن أيضاً قراءة الاهتمام المتزايد بالمجال الممتدّ من كركوك إلى الحدود السورية. فقد شهدت إسطنبول خلال السنوات الأخيرة انعقاد مؤتمر للتركمان في سوريا والعراق، عُرضت خلاله خرائط لما سُمّي بـ"الوطن القومي للتركمان"، أظهرت شريطاً جغرافياً يمتدّ من شمال العراق عبر شمال سوريا، مع امتدادات تصل إلى شمال لبنان. ولا تمثّل هذه الخرائط سياسة رسمية معلنة، لكنها تعكس تصوّراً متداولاً داخل بعض الأوساط التركمانية والقومية التركية لمجال جغرافي واحد يتجاوز الحدود السياسية الحالية.

من اللافت أيضاً أنّ الاهتمام التركي بلبنان أخذ يتزايد في السنوات الأخيرة، سواء عبر العلاقات المتنامية مع بعض المناطق الشمالية أو من خلال الانفتاح السياسي على الدولة اللبنانية، وهو ما تجلّى، على سبيل المثال، في استقبال الرئيس اللبناني في أنقرة وإعلان الرئيس رجب طيب إردوغان استعداد بلاده للمساهمة في دعم الدولة اللبنانية. مما يشير إلى أنّ شمال لبنان أصبح جزءاً من المجال الذي تحرص أنقرة على تنمية حضورها فيه.

 إذاً، من الطبيعي أن تسعى تركيا إلى تأمين المجال الذي تمرّ فيه أهمّ ممراتها التجارية والطاقوية، وأن تمنحه أكبر قدر ممكن من الاستقرار والارتباط الاقتصادي والمؤسسي. ومن هنا تكتسب العلاقة مع إقليم كردستان، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، وطبيعة الامتداد نحو شمال سوريا، أهمية خاصة، لأنها تمثّل حلقات متصلة داخل المجال الذي تتزايد قيمته الاستراتيجية مع كلّ مشروع جديد للنقل أو الطاقة. ومن ثمّ، فإنّ إعادة تشكيل هذا المجال أصبح نتيجة تفرضها الممرات الجديدة وما تولّده من مصالح اقتصادية وجيوسياسية متشابكة.

 الموقف الكردي 

يمكن افتراض أنّ السياسة التركية تجاه الكرد في العراق وسوريا، لا تستهدف السيطرة على المجال الحدودي لذاتها أو لمجرّد الأسباب الأمنية، وإنما تسعى إلى إعادة إنتاج بيئة ديموغرافية وأمنية تقلّ فيها قدرة القوى الكردية على التحكّم في الممرات أو استخدامها كورقة مساومة. فإذا كانت التجارة وخطوط الطاقة تمثّل شرايين تراكم القوة التركية، فإنّ تأمينها يقتضي وجود محيط سكاني وإداري أكثر ارتباطًا بالمجال الاقتصادي التركي وأقلّ قابلية للانخراط في مشاريع انفصالية أو في تعطيل حركة النقل والطاقة. 

وبهذا المعنى، فإنّ التغيّرات الديموغرافية، وسياسات إعادة التوطين، وربط المناطق الحدودية بالبنية الاقتصادية والإدارية التركية، هي أدوات لإعادة تشكيل المجال بما يضمن استقرار عملية التراكم ويمنع تحوّل الممرات الاستراتيجية إلى نقاط ابتزاز جيوسياسي.

   من هذا المنطلق، يمكن تفسير التحرّكات الأخيرة لإقليم كردستان العراق، بما فيها انفتاحه على دمشق، على أنها محاولة لإعادة تعريف وظيفته الجيوسياسية، بحيث يتحوّل من كيان ذي طابع عرقي إلى عقدة إقليمية لا غنى عنها في مشاريع النقل والطاقة، سواء عبر مشروع طريق التنمية العراقي أو من خلال ممرات تصدير نفط كركوك–جيهان، وبذلك يغدو استقرار الإقليم ومشاركته مصلحة مشتركة للقوى الإقليمية، وفي مقدّمتها تركيا.

   أما إيران، فإنّ موقفها يبدو أكثر تعقيداً. فمن جهة، لا تبدو طهران مرحّبة بتوسيع النفوذ التركي في العراق، كما لا تملك أيّ مصلحة في إضافة مشكلة عرقية أخرى تهدّد بقاء العراق موحّداً. لكن، هذا الشريط الذي يبدأ من ديالى (ويحمل كثافة شيعية متنوّعة عرقياً) يفتح، نظرياً، منفذاً قريباً من الحدود الإيرانية يمكن أن يتصل مستقبلاً بشبكات النقل العراقية وصولاً إلى سوريا. لكن يبدو من خلال الاتهامات التركية لإيران بمحاولة عرقلة طريق التنمية، أنّ مخاوف إيران من التمدّد التركي هي التي انتصرت. 

   أخيراً، تكشف التطوّرات التي شهدها شمال العراق خلال الفترة الأخيرة عن حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أنّ الممرات الاقتصادية يمكنها إعادة ترتيب القيمة الاستراتيجية للمجالات التي تمرّ بها. فطريق التنمية، وإعادة تنظيم مسار كركوك–جيهان، ودخول شركة TPAO  إلى مشروع تطوير حقول كركوك، وانضمام المدينة إلى اتحاد بلديات العالم التركي، جميعها تزيد أهمية المجال الممتدّ من ديالى إلى الحدود التركية، وتحوّله إلى أحد أكثر المجالات حيوية في الحسابات الإقليمية.

   ولذلك، فإنّ السؤال الحقيقي ليس عن الحزام التركماني، وإنما عن قدرة الممرّات الجديدة على إعادة ترتيب القيمة الاستراتيجية لشمال العراق، بما يدفع القوى الإقليمية إلى إعادة تنظيم هذا المجال. وإذا صحّ هذا التقدير، فإنّ ما نشهده اليوم قد لا يكون سوى بداية لتحوّلات أو صراعات أوسع بين قوى إقليمية تسعى لاستغلال الفراغ الذي تركه الأميركيون لتأسيس مجالاتها، وهو ما لن يتوقّف عند حدود العراق، بل قد تمتدّ آثاره إلى مجمل المشرق العربي مع استمرار إعادة تشكيل شبكات النقل والطاقة في المنطقة.